هل يعيد الذكاء الاصطناعي رسم إستراتيجيات قطاع الطاقة؟ خبير يجيب
داليا الهمشري

لم تعد الطاقة مجرد وسيلة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل تحولت إلى عامل حاسم في مستقبل هذه الصناعة، بعدما أصبحت القدرة على توفير إمدادات كهربائية مستقرة وكافية جزءًا أساسيًا من سباق تطوير النماذج المتقدمة.
وجاء هذا التحول مدفوعًا بالتوسع غير المسبوق في استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الذي أدى إلى نمو هائل في مراكز البيانات المعتمدة على آلاف المعالجات عالية الأداء، لترتفع احتياجاتها من الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما دفع شركات التقنية إلى البحث عن حلول جديدة لتأمين الطاقة وخفض تكاليف تشغيل بنيتها التحتية.
ولم يعد دور هذه الشركات يقتصر على شراء الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات، بل تحولت إلى مستثمر رئيس في مشروعات الطاقة المتجددة والطاقة النووية وتقنيات تخزين الكهرباء، إلى جانب تطوير حلول مبتكرة لتحسين كفاءة استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات.
ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرات البرمجيات والرقائق الإلكترونية، بل -أيضًا- بمدى توافر مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات وقادرة على تلبية الطلب المتزايد.
طفرة الذكاء الاصطناعي
قال مدير مركز الإلكترونيات وأجهزة النانو بالجامعة الأميركية بالقاهرة ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، الدكتور يحيى إسماعيل، في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)-، إن الانتشار السريع للنماذج اللغوية الكبيرة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي أدى إلى زيادة غير مسبوقة في الأحمال الكهربائية داخل مراكز البيانات.
وأضاف أن عمليات تدريب النماذج وتشغيلها تتطلب استعمال آلاف وحدات معالجة الرسومات (GPU) التي تعمل بصورة متواصلة، فضلًا عن أنظمة التبريد التي تُمثّل جزءًا كبيرًا من إجمالي استهلاك الكهرباء.
وتابع أن الأمر لا يقتصر على مرحلة تدريب النماذج، بل يمتدّ إلى تشغيلها يوميًا لخدمة ملايين المستهلكين حول العالم، وهو ما يجعل الطلب على الكهرباء مستمرًا على مدار الساعة، بخلاف العديد من التطبيقات الرقمية التقليدية.
واستطرد قائلًا: "أحد أبرز التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي يتمثل في تغير دور شركات التقنية داخل قطاع الطاقة، فبعد أن كانت تعتمد على شراء الكهرباء من الشبكات العامة، أصبحت تتجه إلى توقيع عقود طويلة الأجل لشراء الكهرباء من مشروعات الطاقة المتجددة، كما زادت استثماراتها المباشرة في محطات طاقتي الشمس والرياح لضمان توفير إمدادات مستقرة".

وفي الوقت نفسه، عاد الاهتمام بالطاقة النووية إلى الواجهة، بعدما بدأت شركات التقنية في دعم مشروعات المفاعلات النووية التقليدية والمفاعلات الصغيرة، كونها أحد الحلول القادرة على توفير كهرباء مستقرة على مدار الساعة لتلبية احتياجات مراكز البيانات، في ظل محدودية الاعتماد الكامل على المصادر المتجددة بسبب طبيعتها المتقطعة.
تحسين كفاءة استهلاك الطاقة
أوضح الدكتور يحيى إسماعيل أن الأبحاث تسير في اتجاهين: إمّا تقليل الطاقة المستعملة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة لتوفير الكهرباء اللازمة لذلك.
ولم تقتصر جهود الشركات على زيادة إنتاج الكهرباء، بل امتدّت إلى تحسين كفاءة استهلاكها داخل مراكز البيانات، فقد طورت العديد من الشركات أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة عمليات التبريد، وتوزيع الأحمال بين الخوادم، وتقليل استهلاك الطاقة دون التأثير في الأداء.
كما تتجه الشركات إلى استعمال تقنيات التبريد بالسائل أو الغمر، بدلًا من أنظمة التبريد التقليدية، لما توفره من كفاءة أعلى في التعامل مع الحرارة الناتجة عن تشغيل المعالجات المتقدمة، إلى جانب تطوير رقائق إلكترونية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، والاعتماد على نماذج ذكاء اصطناعي أصغر حجمًا لتنفيذ المهام التي لا تتطلب تشغيل النماذج العملاقة.
وأوضح الدكتور يحيى إسماعيل -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الارتفاع المتسارع في استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات قد دفع شركات التقنية والجهات البحثية إلى دراسة أفكار غير تقليدية، من بينها إنشاء مراكز بيانات في الفضاء.
فمع الارتفاع الهائل في استهلاك الكهرباء اللازمة لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد، بدأت شركات ومراكز أبحاث تدرس إمكان نقل بعض البنى التحتية الحاسوبية إلى المدار، للاستفادة من البيئة الفضائية في خفض أحمال التبريد التي تُعدّ أحد أكبر مصادر استهلاك الطاقة في مراكز البيانات.
وتستند هذه الرؤية إلى أن الفضاء يوفر بيئة شديدة البرودة مقارنةً بالأرض، وهو ما قد يفتح المجال مستقبلًا لاستعمال تقنيات متقدمة مثل الموصلات الفائقة (Superconductors) التي تعمل بكفاءة عند درجات حرارة منخفضة للغاية، ما يقلل فاقد الطاقة في نقل الكهرباء ويحدّ من الحاجة إلى أنظمة تبريد كثيفة الاستهلاك.
ورغم أن هذه التطبيقات ما تزال في مراحل البحث والتطوير، فإنها تعكس اتجاهًا متناميًا لاستغلال بيئة الفضاء، ليس فقط في الاتصالات والاستكشاف، بل -أيضًا- لدعم البنية التحتية الرقمية والحدّ من البصمة الكربونية لثورة الذكاء الاصطناعي.
تلبية الطلب المتزايد
توقَّع مدير مركز الإلكترونيات وأجهزة النانو بالجامعة الأميركية بالقاهرة الدكتور يحيى إسماعيل أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في رسم ملامح اقتصاد الطاقة خلال الأعوام المقبلة، ليس فقط كونه مستهلكًا متزايدًا للكهرباء، بل -أيضًا- بوصفه أداة قادرة على إعادة تشكيل منظومة الطاقة بالكامل.
وأوضح إسماعيل -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستسهم في تحسين كفاءة إنتاج الكهرباء، وإدارة الشبكات الذكية، والتنبؤ بالأحمال، وتعزيز دمج مصادر الطاقة المتجددة، بما يدعم خفض التكاليف ورفع كفاءة استغلال الموارد.

وأضاف أن التحدي الحقيقي لن يكمن في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء فحسب، بل في تطوير حلول وتقنيات جديدة تجعل هذا النمو أكثر استدامة، سواء عبر ابتكار مراكز بيانات أكثر كفاءة، أو التوسع في استعمال مصادر الطاقة النظيفة، أو تطوير مواد وتقنيات متقدمة تقلل فاقد الطاقة.
ورأى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح خلال الأعوام المقبلة أحد أبرز المحركات لاقتصاد الطاقة العالمي، وسيقود موجة جديدة من الابتكار تعيد صياغة العلاقة بين التقنية والطاقة، بما يفرض على الحكومات والشركات مواكبة هذا التحول من خلال الاستثمار في البنية التحتية والابتكار.
وأكد أن الاستثمار في الطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية يشكّل عامل جذب لشركات التقنية العالمية، بما يسهم في استقطاب استثمارات جديدة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية، ويدعم بناء اقتصاد رقمي يعتمد على الطاقة منخفضة الانبعاثات.
موضوعات متعلقة..
- تقدم دول الخليج في الذكاء الاصطناعي.. خبير يكشف عن 3 إستراتيجيات للمستقبل
- مصر توظف الذكاء الاصطناعي في استكشاف وإنتاج النفط والغاز
- دور الذكاء الاصطناعي في دعم الطاقة المتجددة.. دراسة تقارن بين مصر والصين
اقرأ أيضًا..
- أسعار النفط مهددة.. وهؤلاء الرابحون والخاسرون من إغلاق باب المندب (تقرير)
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- بيانات حصرية عن المناجم في الدول العربية





