بين هيثم الغيص و"بيرول".. "قميص" أوبك بريء من أزمة إمدادات النفط (مقال)
عاصم جهاد*

لم يكن مقال الأمين العام لمنظمة أوبك هيثم الغيص مجرد ردٍّ على تصريح إعلامي أدلى به المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، بقدر ما كان اعتراضًا على الطريقة التي يُعاد بها توزيع المسؤوليات في أوقات الأزمات.
حين قال بيرول، إن منتجي الخليج بحاجة إلى "استعادة سمعتهم بصفتهم مصدّرين موثوقين"، وجد الغيص أن العبارة لا تصف أزمة الإمدادات بدقة، وإنما تنقل المسؤولية من أسبابها الحقيقية إلى أطراف لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
فالاضطراب الذي أصاب حركة الطاقة عبر مضيق هرمز لم ينشأ بسبب تقصير من المنتجين، ولا نتيجة إخلال "أوبك" أو "أوبك+" بالتزاماتهما، وإنما جاء بفعل صراع عسكري وتوترات جيوسياسية انعكست على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وهذه، في جوهرها، أزمة أمن دولي وملاحة بحرية، لا أزمة موثوقية لدى الدول المنتجة.
أوبك .. البراءة من قميص الأزمة؟
من هنا تكتسب عبارة هيثم الغيص أهمية خاصة، عندما يقول، إن وصف منتجي الخليج بأنهم بحاجة إلى استعادة موثوقيتهم يمثّل "حكمًا قيميًا"، فهو لا يعترض على حق وكالة الطاقة الدولية في تقييم المخاطر، بل على عدم الدقة في تحديد الطرف المسؤول عنها.
فالنقد، لكي يكون مهنيًا وعادلًا، يجب أن يفرّق بين من تَسبَّب في الأزمة، ومن تضرَّر منها، ومن يحاول التعامل مع تداعياتها.
لا تستطيع أوبك، ولا تحالف "أوبك+"، إعادة فتح ممر بحري أُغلق أو تعطلت الملاحة فيه بفعل مواجهة عسكرية، كما لا تملكان إنهاء صراع إقليمي أو توفير الحماية الأمنية للسفن وناقلات النفط.

هذه مسؤوليات تتجاوز نطاق المنظمات النفطية، وترتبط بالدول المعنية، والقوى الدولية، ومؤسسات الأمن البحري، والترتيبات السياسية المحيطة بالمنطقة.
لكن ما يمكن مساءلة أوبك و"أوبك+" عنه هو كيفية تعاملهما مع انعكاسات الأزمة على سوق النفط: هل تحركتا بالسرعة المطلوبة؟ هل ساعدتا على تخفيف النقص؟ هل حافظتا على قنوات التواصل بين المنتجين والمستهلكين؟ وهل استُعمِلَت الطاقات الإنتاجية المتاحة بقدر يساعد على تهدئة الأسواق؟ أمّا تحميلهما المسؤولية عن أصل الأزمة، فهو خلط بين إدارة النتائج وصناعة الأسباب.
التقويض ودفاع هيثم الغيص؟
هذا هو جوهر دفاع هيثم الغيص حين كتب، أن القول بأن سجلّهم قد تعرّض لتقويض جوهري بسبب أزمة واحدة ما تزال مستمرة، يعني إصدار حكم على أداء طويل الأمد استنادًا إلى اضطراب قصير الأجل.
فالموثوقية لا تُقاس بحدث استثنائي فرضته ظروف عسكرية، بل تُقاس بقدرة المنتجين على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتهم ضمن الإمكانات والمسارات المتاحة.
لقد واصل منتجو الخليج، طوال عقود، تصدير النفط والغاز والمنتجات المكررة في ظل حروب وأزمات اقتصادية ومالية وصحية وجيوسياسية شديدة التعقيد.
ولم يكن هذا الاستمرار أمرًا تلقائيًا، بل استند إلى استثمارات كبيرة في الإنتاج والتكرير والتخزين والمواني وخطوط الأنابيب، فضلًا عن الاحتفاظ بطاقات إنتاجية فائضة تحملت الدول المنتجة تكلفتها لكي تكون متاحة عند الحاجة.
ولذلك فإن التشكيك في موثوقية المنتجين بسبب أزمة خارجة عن إرادتهم يبدو أقرب إلى محاكمة الطرف الذي يحاول احتواء الضرر، بدلًا من مساءلة الظروف والأطراف التي صنعت الخطر.
فالدولة المنتجة قد تمتلك النفط، وقد تكون قادرة على ضخه، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان مرور الناقلة عبر ممر مائي أصبح ساحة للصراع والتوتر.
أوبك.. ومنتجو الخليج؟
في هذا السياق، لا يدافع الغيص عن منتجي الخليج وحدهم، بل يدافع أيضًا عن الدور الذي أدّته أوبك على مدى عقود، فالمنظمة واجهت أزمات شديدة الصعوبة: انهيارات سعرية، وركودًا اقتصاديًا، وحروبًا إقليمية، وأزمات مالية عالمية، ثم جائحة صحية أدت إلى تراجع تاريخي في الطلب على النفط، فضلًا عن التحولات المتسارعة في سياسات الطاقة والمناخ.
ورغم التحديات، استطاعت أوبك، ثم أوبك+ الصمود والمحافظة على حضور مؤثّر في سوق الطاقة، كما تعاملت مع كثير من الأزمات بحكمة وصبر ومرونة، وسعت إلى التخفيف من وطأة الاختلالات من خلال تعديل مستويات الإنتاج، والتنسيق بين الدول المنتجة، ومراقبة تطورات العرض والطلب.
ولا يعني ذلك أن جميع قرارات المنظمة كانت مثالية أو محل اتفاق، لكن من الصعب إنكار أنها شكّلت في محطات عديدة عامل توازن في السوق.
فعندما ينهار الطلب بصورة حادة، تعمل على الحدّ من فائض المعروض، وعندما تظهر مخاطر نقص الإمدادات، تسعى إلى زيادة الإنتاج ضمن الإمكانات المتاحة.
وهذا الدور، حتى مع اختلاف الآراء بشأنه، أسهم في تقليل حدّة التقلبات ومنع بعض الأزمات من التحول إلى انهيارات أوسع.

الأزمات والحروب ؟
من أكثر المقاطع دلالة في مقال الغيص قوله، إن الحكم على موثوقية منتجي الخليج استنادًا إلى الأزمة الحالية يشبه الحكم على القوة الصناعية لأوروبا أو اليابان استنادًا إلى الدمار الذي أصابهما خلال الحرب العالمية الثانية.
والمقصود هنا أن الأزمات الاستثنائية لا تمحو السجلّ التاريخي، ولا يجوز اعتمادها وحدها مقياسًا للحكم على الكفاءة أو الموثوقية.
من المسؤول؟
لكن الخلاف بين أوبك ووكالة الطاقة الدولية يتجاوز مضيق هرمز، فالوكالة تنظر إلى أمن الطاقة في المقام الأول من زاوية الدول المستهلكة، بينما تنظر أوبك إليه من زاوية استدامة الاستثمار واستقرار السوق وضمان مصالح المنتجين والمستهلكين معًا.
وقد ازداد هذا التباين خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد الجدل بشأن مستقبل الطلب على النفط، فوكالة الطاقة الدولية تدفع باتجاه تسريع التحول إلى مصادر الطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، في حين تحذّر أوبك من أن خفض الاستثمارات النفطية بصورة متسرعة قد يقود إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار وتهديد أمن الطاقة العالمي.
ولا توجد أدلة مُعلنة تثبت أن أطرافًا دولية توجّه وكالة الطاقة الدولية لاستهداف أوبك أو أوبك+، غير أن الوكالة، بحكم نشأتها وتركيبة عضويتها، تعكس إلى حدٍّ كبير أولويات الدول الصناعية المستهلكة، ولذلك تميل قراءتها للأزمات إلى التركيز على أمن الإمدادات من وجهة نظر المشترين، في حين ترى الدول المنتجة أن أمن الطاقة لا يمكن تحقيقه من دون حماية الاستثمارات وضمان عوائد عادلة واستقرار طويل الأمد في السوق.
ومن حق وكالة الطاقة الدولية أن تُعبّر عن مخاوف المستهلكين، كما أن من حقّها التحذير من مخاطر الاعتماد المفرط على ممر بحري واحد.
لكن كان ينبغي أن يكون توصيفها أكثر دقة، وأن تفرّق بين هشاشة الممرات وبين موثوقية المنتجين، وبين أزمة سببها الصراع العسكري وأزمة قد تنشأ بسبب تقصير الدول المصدرة.
فالمنتجون في هذه الأزمة ليسوا طرفًا خارج تداعياتها، بل هم أيضًا متضررون منها، وتعطُّل طرق التصدير لا يضرّ بالمستهلك وحده، بل يحرم الدول المنتجة من إيراداتها، ويعرّض منشآتها وموانيها واستثماراتها للخطر، ولذلك فإن مصلحة الطرفين، المنتج والمستهلك، تلتقي عند استقرار الملاحة وأمن الممرات واستمرار تدفّق الطاقة.
مسؤولية من؟
لقد أراد هيثم الغيص أن يقول، إن معالجة الأزمة مسؤولية جماعية، وإن أوبك وأوبك+ تستطيعان الإسهام في إدارة آثارها، لكنهما لا تستطيعان وحدهما إزالة أسبابها.
ويمكنهما أن تعدّلا الإنتاج، وتنسّقا بين الدول، وتطمئنا الأسواق، لكنهما لا تملكان إنهاء الحروب أو فرض الأمن في الممرات الدولية.
وهنا يجب أن يكون النقد دقيقًا ومنصفًا؛ فلا تُطالب منظمة نفطية بمعالجة قضية أمنية وعسكرية تتجاوز صلاحياتها، ولا يُحمَّل المنتجون مسؤولية اضطراب فرضته ظروف خارجة عن إرادتهم وإرادة كثير من الأطراف.
فالمساءلة الحقيقية يجب أن تتجه إلى أسباب الأزمة، أمّا تقييم أوبك وأوبك+ فينبغي أن ينصبّ على مدى نجاحهما في تخفيف وطأتها ومنع تحولها إلى أزمة طاقة عالمية أشد خطورة.
حقيقة الخلاف ؟
في المحصلة، فإن موثوقية منتجي الخليج لا يمكن اختزالها في أزمة عابرة، مثلما لا يمكن تجاهل الدور الذي أدّته أوبك في مواجهة أزمات اقتصادية وصحية وجيوسياسية متلاحقة. لقد صمدت المنظمة أمام تحديات كثيرة، وتكيفت مع تغيرات عميقة في السوق، وظلت قوة مؤثرة وعامل توازن لا يمكن تجاوزه.
أمّا الخلاف الحالي، فهو في حقيقته خلاف حول من يتحمل مسؤولية اضطراب الطاقة، وحول الحدّ الفاصل بين دور المنتجين ومسؤولية النظام الدولي في حماية طرق التجارة.
ومن دون هذا الفصل الدقيق، يتحول النقد من أداة لتحليل الأزمة إلى وسيلة لإلقاء اللوم على الطرف الأسهل، لا الطرف المسؤول.
* عاصم جهاد، المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، وكاتب صحفي متخصص في قطاع النفط والطاقة.
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- أمين عام أوبك يرد على "بيرول": تاريخ منتجي الخليج يشهد بموثوقيتهم
- أمين عام أوبك: الطلب العالمي على الطاقة سيرتفع 23%.. و6 توجهات للسوق
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- بيانات حصرية عن المناجم في الدول العربية




