بعد حرائق الغابات في 2026.. كيف تبني الجزائر جيلًا جديدًا من سياسات الحماية ؟ (مقال)
د. منال سخري

أعادت حرائق الغابات في 2026 الملف في الجزائر إلى واجهة النقاش العام، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية والبيئية التي خلّفتها، بل لأنها تطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل إدارة مخاطر حرائق الغابات في ظل تحولات مناخية متسارعة.
فارتفاع درجات الحرارة، وتزايد فترات الجفاف، وتقلّب الظروف الجوية خلال موسم الحرائق، عوامل تجعل تطوير أدوات الوقاية والاستعداد ضرورة لا تحتمل التأجيل، إلى جانب تعزيز قدرات الاستجابة نفسها.
لكن قيمة تجربة هذا الصيف لا تكمن في تقييم حرائق الغابات التي حدثت فحسب، بل في الدروس التي يمكن أن تُبنى عليها المنظومة خلال السنوات القادمة.
والجزائر لا تنطلق من نقطة الصفر في هذا المسار؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة تعزيزًا للإطار القانوني والمؤسسي المتعلق بالغابات وإدارة مخاطر الكوارث، كان آخره تنصيب اللجنة الوطنية لحماية الغابات مطلع 2026.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى مرحلة تعزيز وتكامل وتطوير لما هو قائم، بما يتيح الانتقال التدريجي من "إدارة الحرائق" إلى "إدارة مخاطر الغابات" بصورة أكثر استباقية، تحمي من حرائق الغابات.
أولًا: نحو حوكمة أكثر تكاملًا للغابات
لم يعد ممكنًا التعامل مع حرائق الغابات بوصفها مسألة قطاعية تخصّ الإطفاء وحده.
فالحريق يتقاطع مع البيئة والمناخ والتخطيط العمراني والتنمية المحلية والحماية المدنية وإدارة الأراضي، وهو ما يجعل التنسيق بين مختلف المتدخلين شرطًا أساسيًا لأيّ وقاية أو استجابة فعالة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشكّل اللجنة الوطنية لحماية الغابات منصة مهمة لتعزيز هذا التكامل بين المؤسسات، لا خلال موسم الحرائق فقط، بل على مدار السنة.
والأولوية هنا هي تطوير آليات واضحة لتبادل المعلومات وتنسيق القرار، مع تحديد دقيق للأدوار بين المستوى الوطني والمحلي، بما يسمح بسرعة أكبر في التعامل مع المخاطر عند لحظة الحاجة.
والمطلوب ليس بالضرورة إنشاء هياكل جديدة، بل تحقيق أفضل استفادة من المؤسسات والقدرات القائمة، وربطها ضمن منظومة أكثر وضوحًا ومرونة.
فالرؤية الوطنية ضرورية لتحديد الأولويات وتوزيع الموارد، بينما تبقى القدرات المحلية حاسمة بحكم خصوصية كل منطقة وتضاريسها وطبيعة مخاطرها، بما يضمن الحماية من حرائق الغابات.

ثانيًا: التكنولوجيا والوقاية قبل اندلاع الحريق
في حرائق الغابات، الوقت عامل حاسم؛ فكلما أمكن اكتشاف الحريق في مراحله الأولى، ارتفعت فرص احتوائه قبل أن يتحول إلى حريق واسع النطاق.
من هنا اكتسبت تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية والكاميرات والطائرات المسيّرة، إلى جانب خرائط الجفاف والغطاء النباتي، أهمية متزايدة كأدوات عملية في إدارة المخاطر.
ويمكن للجزائر، خلال المرحلة المقبلة، مواصلة تطوير هذه الأدوات وربطها ضمن منظومة وطنية متكاملة للمراقبة والإنذار المبكر، تجمع بين المعطيات المناخية والطبوغرافية والغطاء النباتي، ووسائل الوصول، ونقاط المياه، والمناطق السكنية القريبة من الغابات.
غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالوقاية الميدانية تبقى عنصرًا أساسيًا: صيانة المسالك الغابية، وتهيئة المناطق العازلة، وإدارة المواد النباتية الجافة، وتجهيز نقاط المياه، وتحسين وسائل الاتصال.
ومن المفيد أن تصبح هذه الأعمال جزءًا منتظمًا من التخطيط والتمويل السنوي، تُقاس نتائجها بمؤشرات عملية واضحة: زمن اكتشاف الحريق، وسرعة وصول فرق التدخل، ومساحة المناطق التي جرت تهيئتها وقائيًا.
بهذا المعنى، تتحول الوقاية من مجرد تكلفة إضافية مرتبطة بموسم حرائق الغابات، إلى استثمار طويل الأمد في خفض المخاطر.
ثالثًا: تطوير الاستجابة والقدرات الجوية
إلى جانب الوقاية والإنذار المبكر، تحتاج إدارة الحرائق إلى قدرات استجابة تتناسب مع طبيعة الغابات الجزائرية، خصوصًا في المناطق الجبلية والوعرة التي يصعب فيها الوصول البري السريع.
وقد أظهرت مواسم حرائق الغابات الأخيرة أهمية الوسائل الجوية في دعم عمليات المكافحة، ما يفتح المجال أمام التفكير مستقبلًا في تعزيز استدامة الجاهزية الجوية، سواء من حيث الوسائل المتاحة أو صيانتها أو تدريب طواقمها أو توزيعها وفق خرائط المخاطر.
كما أن سرعة الاستجابة لا ترتبط فقط بعدد الوسائل، بل بكفاءة منظومة القيادة والاتصال وتبادل المعلومات؛ فتطوير مراكز القيادة وربطها بالبيانات الميدانية وأنظمة الرصد يعزز جودة القرار في الساعات الأولى الحاسمة من أيّ حريق.
والهدف، في النهاية، بناء منظومة واحدة تستفيد من كل الإمكانات المتاحة -الجوية والبرية والتكنولوجية- ضمن تصوُّر موحّد للاستجابة، لا جهود متفرقة يصعب تنسيقها وقت الأزمة.

رابعًا: المجتمع المحلي والتخطيط العمراني
لا تكتمل حوكمة الغابات دون إعطاء دور أكبر للمجتمعات المحلية، خصوصًا في المناطق الريفية والجبلية.
فالسكان هناك يمتلكون معرفة مباشرة بالتضاريس والمسالك والأنشطة المحلية، ما يجعلهم عنصرًا مهمًا في الاكتشاف المبكر والتبليغ والتوعية.
وهذا لا يعني نقل مسؤولية حماية الغابات إلى المواطنين، بل بناء شراكة منظمة بينهم وبين المصالح المختصة، عبر دعم آليات اليقظة والتبليغ والتوعية المجتمعية، بما يقلّص زمن اكتشاف الحرائق فعليًا.
وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية إدماج مخاطر حرائق الغابات في التخطيط العمراني، خصوصًا مع توسُّع بعض التجمعات والأنشطة الاقتصادية بالقرب من المناطق الغابية.
فمراعاة مسارات الإخلاء، وإمكان وصول فرق التدخل، ومصادر المياه، ومسافات الأمان بين المساكن وحدود الغطاء الغابي، كلّها عوامل تقلل من احتمال تحوّل حريق غابي إلى أزمة بشرية واسعة.
بهذا المعنى، فإن الوقاية لا تبدأ داخل الغابة فقط، بل تبدأ أيضًا من طريقة تنظيم المجال المحيط بها.
خامسًا: التعافي وإعادة التشجير بمنظور التكيف المناخي
لا تنتهي آثار الحرائق بانتهاء عمليات الإطفاء. فالمناطق المتضررة قد تحتاج سنوات لاستعادة وظائفها البيئية والاقتصادية، خصوصًا حين تعتمد المجتمعات المحلية على تربية النحل والزراعة الجبلية والمنتجات الغابية والسياحة البيئية.
لذلك من المفيد أن تتضمن مرحلة التعافي دعمًا مؤقتًا لتنويع مصادر الدخل المحلي، يساعد الأسر والمشروعات الصغيرة على تجاوز الفترة الانتقالية، ويعزز في الوقت نفسه ارتباط هذه المجتمعات بحماية مواردها الطبيعية.
أمّا إعادة التشجير، فينبغي النظر إليها بصفتها فرصة لإعادة تأهيل الغابة وفق الظروف المناخية المستقبلية، لا لمجرد استعادة ما كان قائمًا قبل الحريق.
ويعني ذلك اختيار أنواع محلية ملائمة للخصائص البيئية لكل منطقة، مع مراعاة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة المتوقعين، ومتابعة عمليات التشجير خلال سنواتها الأولى الحرجة.
بهذا تصبح إعادة التأهيل جزءًا من سياسة تكيف حقيقية مع تغير المناخ، لا مجرد استجابة آنية لما حدث.

من الاستجابة إلى الاستباق
تكشف تجربة صيف 2026 أن مستقبل الغابات في الجزائر يرتبط بقدرتها على الانتقال التدريجي من منطق الاستجابة إلى منطق الاستباق.
وهذا الانتقال لا يتطلب بالضرورة تغييرًا جذريًا في المنظومة القائمة، بل تطويرها عبر تعزيز التنسيق، والاستثمار في الإنذار المبكر، واستدامة تمويل الوقاية، وتطوير قدرات الاستجابة، وإشراك المجتمعات المحلية، وربط التعافي بالتكيف المناخي.
فالنجاح في إدارة مخاطر الحرائق لا يُقاس فقط بعدد الحرائق التي أُخمدت، بل أيضًا بالقدرة على منع بعضها أصلًا، واكتشاف بعضها الآخر في وقت مبكر، وتقليل سرعة انتشارها، وتسريع تعافي المناطق المتضررة.
وقد تكون هذه هي الفرصة الأهم التي تتيحها تجربة 2026: تحويل موسم صعب ومؤلم إلى نقطة انطلاق نحو حوكمة غابية أكثر استباقية، وأكثر اعتمادًا على العلم والبيانات، وأكثر ارتباطًا بحماية البيئة والتنمية المحلية والتكيف مع تغير المناخ.
د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
من مقالات الكاتبة..
- مضيق هرمز.. عندما تتحول الجغرافيا السياسية إلى تحدٍّ للسياحة العالمية (مقال)
- جيوسياسية الطاقة في أفريقيا.. من النفط والغاز إلى الطاقة المتجددة (مقال)
- الذكاء الاصطناعي والمناخ.. معادلة جديدة في أزمة الطاقة العالمية (مقال)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية





