جيوسياسية الطاقة في أفريقيا.. من النفط والغاز إلى الطاقة المتجددة (مقال)
د. منال سخري

تعيش أفريقيا اليوم مرحلة دقيقة من التحول في موقعها داخل النظام الطاقي العالمي، حيث لم تعد مجرد مصدر للمواد الخام أو هامش استهلاكي للطاقة.
بل أصبحت تدريجيًا فضاءً جيوسياسيًا تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع ديناميكيات داخلية معقدة تتعلق بالتنمية، والأمن، والسيادة الطاقية.
ورغم أن القارة تضم نحو 18% من سكان العالم، فإنها لا تستهلك سوى نحو 6% من الطاقة العالمية، وهو ما يعكس فجوة هيكلية عميقة في الولوج إلى الكهرباء والخدمات الطاقية الأساسية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 600 مليون شخص في أفريقيا ما يزالون دون كهرباء، خاصةً في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتجاوز نسب الحرمان من الكهرباء 50% في عدد من الدول.
هذا الواقع لا يعكس ندرة في الموارد بقدر ما يعكس اختلالًا في الاستثمار، والبنية التحتية، والحكامة الطاقية.
إعادة تشكيل موازين القوة الطاقية
في خريطة الإنتاج الطاقي التقليدي، تبرز مجموعة من الدول التي تشكل أعمدة النفوذ الأفريقي في أسواق الطاقة العالمية.
نيجيريا تتصدر أفريقيا في إنتاج النفط بمتوسط يتراوح بين 1.2 و1.4 مليون برميل يوميًا، مع احتياطات مؤكدة تفوق 36 مليار برميل، ما يجعلها لاعبًا رئيسًا في أسواق الطاقة الدولية، رغم تحديات التكرير المحلي والسرقة النفطية.

الجزائر تحتلّ موقعًا استراتيجيًا في سوق الغاز الطبيعي، بإنتاج يقارب 90 إلى 100 مليار متر مكعب سنويًا، وتُعدّ من أهم الموردين للاتحاد الأوروبي، خاصةً بعد إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الطاقية عقب أزمة الغاز العالمية.
أّما أنغولا فتنتج نحو مليون برميل يوميًا، مع اعتماد اقتصادي يتجاوز 90% على النفط، ما يجعل اقتصادها شديد الارتباط بتقلبات السوق العالمية.
في شمال أفريقيا، تظل ليبيا فاعلًا مهمًا رغم عدم الاستقرار، بإنتاج يتراوح بين 1.0 و1.2 مليون برميل يوميًا في أوقات الاستقرار، بينما تُعدّ مصر لاعبًا صاعدًا في الغاز الطبيعي شرق المتوسط، مع اكتشافات كبرى، مثل حقل "ظهر" الذي أعاد تموضعها مصدرًا إقليميًا للطاقة.
خريطة الطاقة في أفريقيا
إلى جانب النفط والغاز، بدأت خريطة الطاقة في أفريقيا تشهد تحولات تدريجية نحو الطاقة المتجددة، ما يفتح بابًا جديدًا لإعادة تشكيل النفوذ الجيوسياسي.
المغرب أصبح من الدول الرائدة في الطاقة الشمسية، عبر مجمع “نور ورزازات” الذي تتجاوز قدرته 580 ميغاواط، ويُعدّ من أكبر المشاريع الشمسية في العالم.
مصر بدورها توسعت في مشاريع الطاقة المتجددة، خاصةً في بنبان للطاقة الشمسية، الذي يُصنف ضمن أكبر المجمعات الشمسية عالميًا.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء، برزت كينيا كواحدة من أكثر الدول تقدمًا في الطاقة الحرارية الأرضية، حيث تعتمد على هذا المصدر في أكثر من 40% من إنتاجها الكهربائي.
جنوب أفريقيا، رغم اعتمادها الكبير على الفحم بنسبة تفوق 80% من إنتاج الكهرباء، تُمثل نحو 20% من القدرة الكهربائية المركبة في القارة، ما يجعلها مركزًا طاقيًا أساسيًا، لكنه في قلب معضلة التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.

الجغرافيا السياسية الجديدة للطاقة وتنافس القوى الكبرى
لا يمكن فهم الطاقة في أفريقيا دون النظر إلى التنافس الدولي المتصاعد على مواردها وأسواقها. الصين تُعدّ أكبر مموّل للبُنية التحتية الطاقية في أفريقيا، باستثمارات تتجاوز 70 مليار دولار خلال العقد الأخير في مشاريع الكهرباء والطاقة والنقل.
الاتحاد الأوروبي يعيد توجيه اهتمامه نحو شمال أفريقيا لتأمين إمدادات الغاز، خصوصًا من الجزائر وليبيا ومصر، في إطار تقليل الاعتماد على مصادر أخرى.
الولايات المتحدة من جهتها ترّكز على دعم مشاريع الطاقة النظيفة وسلاسل توريد المعادن الحرجة، في محاولة لتقليل الهيمنة الصينية على مواد إستراتيجية مثل الكوبالت والليثيوم.
هذا التنافس يعكس تحول أفريقيا من مجرد مصدر للطاقة التقليدية إلى ساحة مركزية في اقتصاد الطاقة المستقبلي.
وإلى جانب النفط والغاز، أصبحت المعادن الحرجة عنصرًا حاسمًا في الجغرافيا السياسية للطاقة، فعلى سبيل المثال، أضحت جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها تنتج أكثر من 70% من الكوبالت العالمي، وهو عنصر أساس في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
كما تمتلك زامبيا وزيمبابوي احتياطات مهمة من النحاس والليثيوم، ما يجعل أفريقيا لاعبًا محوريًا في سلاسل التوريد الخاصة بالتحول الطاقي العالمي.

هذا التحول يعني أن القوة الطاقوية لم تعد تُقاس فقط بإنتاج النفط أو الغاز، بل أيضًا بالقدرة على التحكم في المواد الأساسية للاقتصاد الأخضر.
لكن بالرغم من هذه الإمكانات، تواجه أفريقيا تحديات كبيرة في البنية التحتية الطاقية.
أكثر من 70% من سكان أفريقيا جنوب الصحراء يعانون من انقطاعات متكررة في الكهرباء أو غيابها بالكامل، في حين تشير التقديرات إلى حاجة القارة إلى استثمارات تفوق 100 مليار دولار سنويًا لسدّ الفجوة الطاقية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
هذه الفجوة تعني أن الموارد وحدها لا تكفي، وأن المشكلة الجوهرية تكمن في التمويل، والحوكمة، ونقل التكنولوجيا، وليس فقط في الإمكانات الطبيعية.
ختامًا، وفي ضوء هذه التحولات، تجد أفريقيا نفسها أمام لحظة مفصلية. فإما أن تنجح في تحويل مواردها الطاقوية إلى قاعدة للتصنيع والتنمية المستدامة، أو أن تبقى في موقع المورد الخام داخل نظام عالمي غير متكافئ.
إن مستقبل الجيوسياسية الطاقية في القارة لن يُحدد فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدول على التحكم في سلاسل القيمة، وتوجيه الاستثمارات، وبناء سياسات طاقية متكاملة تتجاوز الانقسام التقليدي بين النفط والطاقة المتجددة.
إن أفريقيا اليوم ليست فقط خزانًا للطاقة، بل فضاء لإعادة تشكيل النظام الطاقي العالمي نفسه، حيث تتقاطع الجغرافيا بالاقتصاد، والسياسة بالتكنولوجيا، في مرحلة لم تعد فيها الطاقة مجرد مورد، بل أداة قوة سيادية بامتياز.
* د. منال سخري - خبيرة في السياسات البيئية والتنمية المستدامة
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- خرائط موارد الطاقة في أفريقيا تكشف عن فرص هائلة (تقرير)
- تحول الطاقة في أفريقيا.. خطوتان للاستفادة من الموارد الطبيعية الوفيرة (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية





