رئيسيةسلايدر الرئيسيةطاقة متجددةكهرباءمقالات الطاقة المتجددةمقالات الكهرباء

حرائق الغابات تحاصر قطاع الطاقة.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل الكهرباء؟ (مقال)

د. منال سخري*

لم يعد خافيًا على أحد أن حرائق الغابات باتت ضيفًا ثقيلًا يتكرر حضوره كل صيف، لكن الذي ما يزال غائبًا عن كثير من التحليلات هو أثرها المباشر في قطاع بعينه نادرًا ما يُربط بها بالقدر الكافي: قطاع الطاقة.

فالقطاع الذي يُنتظر منه أن يقود العالم نحو خفض الانبعاثات وكبح جماح الاحتباس الحراري، صار اليوم أحد أكثر القطاعات هشاشة أمام نتيجة مباشرة لهذا الاحتباس نفسه.

فالشبكات الكهربائية، ومحطات الطاقة المتجددة، وخطوط النقل عالي الجهد، لم تعد بمنأى عن أزمة المناخ، بل صارت أحيانًا طرفًا في تأجيجها، لا ضحيّة لها فحسب.

ومنذ منتصف يوليو/تموز الماضي، اجتاحت حوض المتوسط موجة حرّ قياسية رافقتها حرائق متزامنة في أكثر من دولة، في مشهد بات مألوفًا يتكرر كل صيف من غرب الولايات المتحدة إلى جنوب أوروبا وأستراليا.

وما تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بمحطات تحوّلت إلى عناوين عالمية: حرائق الغابات في أستراليا التي حملت اسم "الصيف الأسود" بين عامي 2019 و2020، والتهمت نحو 24 مليون هكتار، وحرائق لوس أنغلوس في يناير/كانون الثاني 2025 التي أودت بحياة 25 شخصًا واجتاحت أحياء سكنية بكاملها، وهذه لم تعد استثناءً يُروى بعد انقضائه، بل مرجعًا يُستحضَر مع كل موسم جديد.

صيف 2026 يكتب أرقامه القياسية

ما يجري هذا العام يؤكد أن الحديث عن حرائق الغابات لا يدور عن ذكريات ماضية، بل عن واقع متجدد، ففي فرنسا وإسبانيا، تجاوزت المساحات المحترقة هذا الصيف أرقامًا قياسية وطنية، إذ تخطّت 115 ألف هكتار في فرنسا وحدها، ضمن حرائق متزامنة اجتاحت أجزاءً واسعة من القارة الأوروبية في غضون أسابيع معدودة.

وهذا التكرار، حرائق ضخمة تندلع في وقت واحد وفي أكثر من بلد، هو ما يجعل تحذيرات وكالة الطاقة الدولية أقرب إلى توصيف لواقع قائم منها إلى تنبؤ بمستقبل بعيد.

وتُقدّر الوكالة أن نحو 18% من شبكة الكهرباء العالمية باتت معرّضة سنويًا لأكثر من 200 يوم مما يُعرَف بـ"طقس الحرائق"، أي الظروف المناخية التي يكاد معها اشتعال الحريق وانتشاره أن يكون أمرًا محتومًا.

محطة توليد الكهرباء بحاسي الرمل
محطة توليد الكهرباء بحاسي الرمل- الصورة من شركة سونلغاز الجزائرية

المغرب العربي: حين يجتمع ضغطان في آنٍ واحد

لم يكن المغرب العربي بمنأى عن هذا النمط من الضغط المزدوج على البنية الطاقية، وإن اختلفت آلية الأثر عن الحالة الأوروبية.

فخلال الأسابيع الأخيرة، تزامنت في الجزائر وتونس موجة حر قياسية وحرائق واسعة في نافذة زمنية واحدة، لتُظهر إلى أيّ حدّ تُصبح الشبكات الكهربائية هشة حين تُختبر بأكثر من ضغط في الوقت نفسه.

ففي الجزائر، تسبَّب عطل فني مفاجئ أصاب منشأة كهربائية بمنطقة سيدي عقبة في ولاية بسكرة، مساء 15 يوليو/تموز الماضي، في انقطاع واسع للتيار عن عدد من ولايات الشرق، في وقت كانت فيه موجة الحر ترفع الطلب على الكهرباء إلى مستوى قياسي وتتواصل فيه جهود إخماد حرائق في مناطق عدّة من البلاد، ولم تُستعَد التغذية الكاملة لست عشرة ولاية إلّا في ساعات الفجر الأولى.

وفي تونس، اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى القطع الدوري للتيار في مناطق متعددة، بلغت مدّته في بعض المحافظات كولاية بنزرت نحو 18 ساعة متواصلة، نتيجة استهلاك غير مسبوق للطاقة رافقته احتجاجات شعبية غاضبة وحالات وفاة مرتبطة بالانقطاعات.

وفي الحالتين، لم يكن الحريق نفسه السبب المباشر للانقطاع، بل كان الطلب المرتفع على التبريد هو الذي أنهك الشبكة. لكن اللافت أن الحريق وموجة الحر ليسا حدثين منفصلين، بل عرَضان لأزمة مناخية واحدة تضرب البنية التحتية من جهتين في آنٍ معًا: جهة الطلب حين ترتفع درجة الحرارة، وجهة العرض حين تهدد الحرائق خطوط النقل ومحطات التوليد.

وهذا ما يجعل شبكات المنطقة، الأقل مرونة أصلًا من نظيراتها الأوروبية أو الأميركية، أكثر عرضة لأن يتحوّل أيّ عطل موضعي بسرعة إلى أزمة إمداد واسعة.

دائرة تتغذى على نفسها

اللافت أن العلاقة بين الحرائق وقطاع الطاقة ليست علاقة طرف واحد، بل دائرة مغلقة تُغذّي نفسها بنفسها.

فمن جهة، تُعدّ خطوط الكهرباء نفسها من أبرز أسباب اشتعال الحرائق الكبرى؛ إذ اندلع 10 من أعنف 20 حريقًا في تاريخ ولاية كاليفورنيا بسبب أعطال في معدّات كهربائية، ما يضع شركات الطاقة أمام معضلة تشغيلية حقيقية بين إبقاء الخطوط نشطة وتحمّل مخاطر الاشتعال، أو قطعها وقائيًا في أيام الخطر وترك ملايين المستعملين، ومن بينهم مرضى يعتمدون على أجهزة طبية، بلا كهرباء لأيام متتالية.

ومن جهة أخرى، تعود الحرائق نفسها لتضرب الحل الذي يراهن عليه العالم لإنهاء عصر الوقود الأحفوري: الطاقة الشمسية، فقد وثّقت أبحاث أجرتها جامعة كولورادو الحكومية أن الدخان الكثيف المتصاعد من الحرائق يقلّص كفاءة الألواح الشمسية القريبة من مناطق الاشتعال بنِسب تراوحت بين 11% و42% بحسب شدة الدخان، بل بلغت الخسارة في أشد المناطق تضررًا نحو 61%.

وهكذا تجد التقنية التي يُعوَّل عليها لطي صفحة الكربون نفسها معطّلة جزئيًا بفعل نتيجة مباشرة لتراكم هذا الكربون عبر عقود.
كلفة تتصاعد بوتيرة متسارعة

لا تقل الأرقام المالية دلالة عن الأرقام الفنية، ففي الولايات المتحدة وحدها، قفزت الأضرار المرتبطة بالحرائق من 12.2 مليار دولار و43 وفاة بين عامي 1994 و2003، إلى ما يفوق 106.5 مليار دولار و369 وفاة بين عامي 2014 و2023.

وهذا التسارع في وتيرة الخسائر خلال عقدين فقط لا يعكس سوء حظ مناخي متكرر، بقدر ما يكشف انتقالًا نوعيًا في طبيعة الخطر نفسه، من حدث استثنائي إلى نمط بنيوي متكرر ينبغي التعامل معه بوصفه خطرًا دائمًا، لا طارئًا موسميًا.

آثار حرائق الغابات في غرب مدينة جاسبر بمقاطعة ألبرتا الكندية
آثار حرائق الغابات في غرب مدينة جاسبر بمقاطعة ألبرتا الكندية – الصورة من وكالة الصحافة الكندية

تغير المناخ

ثمة بُعد آخر كثيرًا ما يُغفل في هذا السياق: الحرائق لا تتضرر من تغير المناخ فحسب، بل تُسهم في تغذيته أيضًا، إذ كشفت دراسة نُشِرت مؤخرًا في مجلة Nature أن الكربون المنبعث من حرائق كندا وحدها يفوق الانبعاثات السنوية لبعض أكبر اقتصادات العالم، متجاوزًا إجمالي ما تصدره ألمانيا واليابان مجتمعتين.

الحرائق إذن لم تعد مجرد عرَض من أعراض أزمة المناخ، بل باتت أحد مصادرها النشطة، في حلقة تتّسع كلما اتّسعت رقعة الاحتراق.

وهذا ما يجعل التعامل معها بصفتها قضية بيئية بحتة، منفصلة عن استراتيجيات أمن الطاقة والتحول الطاقي، قصورًا حقيقيًا في التحليل لا يحتمله عالم يسعى إلى تحقيق الحياد الكربوني خلال عقود قليلة.

ماذا يعني هذا لصناعة الطاقة؟

حين تدخل مخاطر الحرائق بصفتها متغيرًا دائمًا في معادلة الاستثمار، تتغيّر معايير جدوى المشاريع بالكامل، فموقع محطة الطاقة الشمسية لم يعد يُقيَّم بناءً على شدة الإشعاع الشمسي وحده، بل أيضًا باحتمال تعرّضه لموجات دخان موسمية قد تقلّص إنتاجه الفعلي لأسابيع متتالية.

وتخطيط الشبكات الكهربائية لم يعد شأنًا هندسيًا محضًا، بل بات يستدعي تعاونًا وثيقًا بين خبراء المناخ ومهندسي الطاقة، على غرار ما بدأت تتبنّاه بعض الجهات البحثية عبر نماذج تنبؤية تدمج بيانات الغطاء النباتي وحرارة الهواء ومسارات الرياح مع خرائط الشبكات.

أمّا المستثمرون في مشروعات الطاقة المتجددة، لا سيما في المناطق المعرّضة تاريخيًا لموجات الحر كحوض المتوسط وغرب الولايات المتحدة وجنوب أستراليا، فهم مطالَبون اليوم بإعادة تسعير المخاطر بما يعكس هذا الواقع الجديد، بدل التعامل معه بوصفه حدثًا استثنائيًا نادر الحدوث.

وهذا التحوّل في منطق التقييم يطرح سؤالًا بدأت صناعة الطاقة للتو مواجهته بجدّية: إلى متى يمكن التعامل مع الحرائق بوصفها خطرًا استثنائيًا يُدار عبر التأمين والاستجابة الطارئة، وبينما تشير كل المعطيات إلى أنه تحوّل إلى سمة بنيوية دائمة في بيئة التشغيل؟

فالبنية التحتية للطاقة -تقليدية كانت أم متجددة- لم تعد طرفًا محايدًا في هذه الأزمة، بل باتت مسبّبًا لها أحيانًا وضحية لها في أحيان أخرى، وما لم تُدمج مخاطر الحرائق بشكل جوهري في تخطيط الاستثمار الطاقي مستقبلاً، فسيظل العالم يبني حلوله المناخية على أرض تحترق تحت قدميه، حرفيًا ومجازًا.

* د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.

* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

من مقالات الكاتبة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق