هل تأثرت مخزونات النفط الإستراتيجية العالمية باستمرار حرب إيران؟ (تقرير)
نوار صبح
- ترمب شنّ الحرب قبل إعادة ملء مخزون النفط الإستراتيجي الأميركي إلى مستويات آمنة
- ترمب استمر في استنزاف 8 ملايين برميل أسبوعيًا لكبح جماح الأسعار
- مخزون النفط الإستراتيجي الأميركي في أدنى مستوى له منذ عام 1983
- حرب إيران أدت إلى توقُّف إنتاج 3 ملايين برميل يوميًا من المنتجات المكررة
تشهد مخزونات النفط الإستراتيجية العالمية حالة من الاضطراب والغموض وسط استمرار حرب إيران التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبل إعادة ملء المخزون الإستراتيجي الأميركي إلى مستويات آمنة.
في هذا الإطار، يبدو أن سعر النفط الخام مؤشر غير سليم، فقد تحوّلت المعاناة في سوق الطاقة العالمية إلى المنتجات المكررة الـ3 التي تُستهلك فعليًا: الديزل والبنزين ووقود الطائرات، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وبلغ مؤشر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) لوقود الطائرات لشركات الطيران العالمية 154 دولارًا للبرميل في أوروبا و149 دولارًا في أميركا الشمالية، أي ما يقارب ضعف سعر النفط الخام، وبلغة التجارة، ارتفع هامش الربح بشكل جنوني.
ويمكن القول، إن الوضع أسوأ بالنسبة للديزل، فقد وصل هامش الربح على النفط الخام إلى 80 دولارًا في روتردام و88 دولارًا في نيويورك، وهو أعلى مستوى له منذ بدء تسجيل البيانات.
سوق النفط العالمية
تشهد سوق النفط العالمية حالة من الركود، ويقول جيف كوري، الذي ربما يُعدّ أشهر خبير نفطي في العالم، إنه لم يرَ قط بيئة طاقة بهذا القدر من الإرهاق، وفقًا لمقال لمحرر الشؤون الاقتصادية العالمية لدى صحيفة "ذا تيليغراف"، أمبروز إيفانز-بريتشارد.
ويشير جيف كوري إلى الانخداع بعناوين الأخبار النفطية المعتدلة ظاهريًا، وبافتراضاتٍ مفادها أن حرب إيران قد تحولت إلى مشكلة إدارية صغيرة، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك.
ويرى أمبروز إيفانز-بريتشارد أن الخطر المباشر، مع عودة القتال إلى ما يشبه حربًا شاملة، يكمن في أن يهاجم دونالد ترمب محطات الطاقة والجسور والبنية التحتية المدنية الإيرانية، ما قد يدفع الحرس الثوري الإيراني إلى الردّ باستهداف خطوط الأنابيب والمواني السعودية.
من جانبهم، صعّد الحوثيون الموالون لإيران في اليمن من حدّة التوتر بإعلانهم حصارًا بحريًا على السفن السعودية.
ولم يتضح بعد مدى خطورة هذا الحصار، لكنه يُنذر بحصار مزدوج لمضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يُهدد منفذ تصدير النفط السعودي.

وقد أظهر الحوثيون في السابق قدرتهم على استهداف ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر.
ويشير أمبروز إيفانز-بريتشارد إلى أولئك في واشنطن الذين ما زالوا يعتقدون أن إيران يُمكن إخضاعها بالقصف، فهم قلةٌ ضائعة.
ويؤكد أن الحرب وصلت إلى نقطةٍ حاسمةٍ حيث يتعين على ترمب قبول الهزيمة الفعلية وتكبّد الولايات المتحدة أسوأ إهانة في تاريخ السياسة الخارجية الحديثة، أو تصعيد المخاطر الإستراتيجية في مقامرةٍ مصيرية.
بدوره، يقول المفاوض الأميركي السابق مع إيران الذي يعمل حاليًا في المجلس الأطلسي، نيت سوانسون، إن الزخم السياسي يتزايد لغزو بري أميركي.
وأضاف لمجلة "فورين بوليسي" أن الشيء الوحيد الذي قد يؤدي فعليًا إلى تغيير النظام أو تغيير جوهري في نهج إيران هو حملة برية واسعة النطاق، على غرار حرب العراق عام 003".
ويعتقد أن "ذلك سيكون كارثة، لكنني لا أرى كيف ستغير هذه الحملات الجزئية حسابات إيران".
ويشير أمبروز إيفانز-بريتشارد إلى أن عدد سكان إيران يبلغ 4 أضعاف عدد سكان العراق، ولديها جيش متماسك.
ويعتقد مخططو الحرب أن الأمر سيتطلب مئات الآلاف من القوات الأميركية وأشهرًا من حرب العصابات في الجبال لقطع قدرة إيران على استعمال الطائرات المسيرة وشنّ ضربات ضد سفن الخليج، وحتى ذلك قد يفشل.
ويأمل أمبروز إيفانز-بريتشارد أن يكون رئيس الوزراء البريطاني، آندي بورنهام منتبهًا لكون هذه الأحداث، البعيدة كل البعد عن عالم مانشستر الصغير، تُهدد بتقويض كل ما يُخطط له في الحكومة البريطانية.
وتدخل بريطانيا الجولة الثانية من حرب ترمب بمخزونات النفط الإستراتيجية لديها مُستنفدة.
مخزونات النفط الإستراتيجية العالمية
يرى محرر الشؤون الاقتصادية العالمية لدى صحيفة "ذا تيليغراف"، أمبروز إيفانز-بريتشارد، أن مخزونات النفط الإستراتيجية العالمية وصلت إلى أدنى مستوياتها، مُقتربةً من مستويات الضغط التشغيلي للصناعة.
وقد انكشفت الحقائق المُرّة في منتدى أسبن الأمني الأخير، ما أثار استياء المسؤولين الأميركيين الذين يُكافحون لخفض أسعار العقود الآجلة.
من ناحيته، صرّح رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، بأن السبب الوحيد لتداول أسعار النفط الخام في أواخر الثمانينيات بدلًا من 200 دولار هو إجراءات طارئة لمرة واحدة لا يُمكن تكرارها على نطاق واسع، مضيفًا أن الهامش المتبقي سينفد في غضون أسابيع.
وتقول وزارة الطاقة الأميركية، إن مخزونات النفط التجارية في مدينة كوشينغ، بولاية أوكلاهوما -أكبر مستودع لتخزين الوقود في العالم الغربي- وصلت إلى مستويات قاع الخزانات، حيث أصبح النفط المتبقي رواسب غير صالحة للاستعمال.
ويشير أمبروز إيفانز-بريتشارد إلى أن ترمب شنّ الحرب قبل إعادة ملء مخزونات النفط الإستراتيجية الأميركية إلى مستويات آمنة.

وقد استمر في استنزاف 8 ملايين برميل أسبوعيًا لكبح جماح الأسعار، وانخفضت مخزونات النفط الإستراتيجية الآن إلى 316 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1983.
وتشير وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال إلى أن الحدّ الأدنى التقني يتراوح بين 250 و300 مليون برميل، أي على بُعد أسابيع قليلة بالمعدل الحالي للاستنزاف.
وأطلقت اليابان وكوريا الجنوبية كميات هائلة من مخزوناتهما النفطية في أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين، وقد نفد هذا المعروض الآسيوي الآن. وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وما تزال هناك مخزونات لدى عدّة دول، لكن لا يمكن لتكتُّل وكالة الطاقة الدولية الاستمرار في إطلاق كميات هائلة من النفط دون أن يُعرّض نفسه لمخاطر جسيمة.
ويقول تجّار النفط، إنه لن يتطلب الأمر الكثير في هذه المرحلة لإحداث ارتفاع مفاجئ وغير متوقع في الأسعار إلى مستويات 200 دولار.
وقد أقرّ ترمب بذلك ضمنيًا عندما وقّع "مذكرة التفاهم" مع إيران، معترفًا بأنه لم يكن يرغب في رؤية كارثة اقتصادية.
سوق الوقود المكرر
تُعدّ التقلبات الحادة في سوق الوقود المكرر سيئة بما فيه الكفاية، ويقول خبير إستراتيجيات السلع لدى بنك مورغان ستانلي، مارتين راتس، إن العالم يواجه صدمة ثلاثية تتمثل في انخفاض حادّ بالإمدادات من دول الخليج وروسيا والصين، ما يؤدي مجتمعًا إلى ارتفاع هوامش الربح.
وأدت حرب إيران إلى توقُّف إنتاج 3 ملايين برميل يوميًا من المنتجات المكررة، بما في ذلك نصف احتياجات أوروبا من الديزل وخُمس احتياجاتها من وقود الطائرات.
وتشير شركة "كبلر" المتخصصة في تتبُّع الشحنات إلى توقُّف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل شبه كامل منذ 15 يوليو/تموز الجاري.
وفي الوقت نفسه، تسببت هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية بعيدة المدى في توقف إنتاج 4 ملايين برميل يوميًا من الوقود الروسي، أي ما يعادل 55% من إجمالي قدرة التكرير في البلاد.
لا يمكن إصلاح هذه المصانع المتضررة بسهولة، لأن القوات الأوكرانية المسلحة بالطائرات المسيرة قد تعلمت طريقة استهداف وحدات التكسير التحفيزي ووحدات الألكلة التي تعتمد على مكونات مستوردة من الغرب.
واردات الصين النفطية
يرى محرر الشؤون الاقتصادية العالمية لدى صحيفة "ذا تيليغراف"، أمبروز إيفانز-بريتشارد، أن المفاجأة الكبرى للجولة الأولى من حرب إيران في مارس/آذار وأبريل/نيسان الماضيين، تمثلت في مدى سهولة تمكُّن الصين من خفض إجمالي وارداتها النفطية بمقدار الخُمسَين.

ويضيف أن الصين حلّت محلّ المملكة العربية السعودية بصفتها الجهة المنظمة الفائقة لسوق النفط الخام العالمية، القادرة على العمل كممتص للصدمات العملاق.
ويشير إلى أن إحدى الطرق التي فعلت بها ذلك كانت تعليق أعمالها الجانبية المتمثلة في تكرير النفط المستورد في مصانع سينوبك أو بتروتشاينا أو شركة سينوك وإعادة تصديره لتحقيق الربح كوقود عبر آسيا.
إزاء ذلك، فقدَ العالم 3 ملايين برميل أخرى يوميًا من الوقود المكرر بضربة واحدة تقريبًا.
وعند جمع كل ذلك معًا، فقد غاب 15% من إمدادات العالم من الوقود المكرر البالغة 64 مليون برميل يوميًا، وهذه كمية هائلة.
على صعيد آخر، نجح الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة حتى الآن في الصمود في وجه صدمة حرب إيران بشكل ملحوظ، وهي علامة مبكرة على أن كهربة الصين وآسيا الناشئة بدأت في كسر القبضة الخانقة القديمة للنفط والغاز المنقول بحرًا.
ولكن هناك حدود لهذه المرونة، وهناك تأثيرات ميكانيكية للتأخر الزمني في أسواق إمدادات النفط.
موضوعات متعلقة..
- اليابان تبدأ السحب من مخزونات النفط الإستراتيجية خلال ساعات
- مخزونات النفط الإستراتيجية.. تفاصيل السحب التاريخي وأبرز الدول المشاركة (تحديث)
- الهند تعتزم ملء مخزونات النفط الإستراتيجية بحلول الأسبوع الثالث من مايو
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)
- أكبر مصافي النفط في أفريقيا.. 5 دول تقود طفرة التكرير
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- ملف خاص عن مصافي النفط في الدول العربية
المصدر:




