إنتاج النفط الروسي يواجه شبح التراجع.. هل تتآكل القوة العسكرية لموسكو؟ (تقرير)
وحدة أبحاث الطاقة – مي مجدي

- إنتاج النفط الروسي قد يؤدي إلى تآكل القوة العسكرية على المدى الطويل
- الاقتصاد الروسي وتمويل الحرب يعتمدان على عائدات النفط
- إنتاج منطقة خانتي مانسيسك يتراجع منذ 2009
- العقوبات تضرب عنصرين حاسمين هما رأس المال والتقنيات المتطورة
- دول الخليج وأميركا وكندا قد تستفيد من تراجع النفط الروسي
بات إنتاج النفط الروسي مقياسًا لقدرة موسكو على تمويل الحروب، وعلى رأسها الحرب الحالية ضد أوكرانيا، فضلًا عن الحفاظ على نفوذها العالمي،
فبينما أنتجت روسيا 9.197 مليون برميل يوميًا خلال عام 2024، بما يعادل 11% من الإمدادات العالمية، بدأت مؤشرات التراجع تظهر في الحقول العملاقة بغرب سيبيريا، التي شكّلت العمود الفقري لقطاع النفط ومصدرًا رئيسًا لعائدات تجاوزت 120 مليار دولار سنويًا.
وفي 2025، تراجع إنتاج النفط الروسي إلى 9.129 مليون برميل يوميًا، وواصل التراجع خلال العام الجاري إلى 9 ملايين في مايو/أيار 2026، بحسب بيانات أوبك.
وحاليًا، تواجه روسيا تحديًا يتمثل في نضوب الاحتياطيات وارتفاع تكلفة الاستخراج، حيث لم تعد عمليات الحفر أو التوسع في الآبار الأفقية كافية لتعويض تراجع الإنتاج.
وفي هذا السياق، سلّط تقرير حديث -اطّلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة- الضوء على تداعيات تراجع الإنتاج وعلاقته بقدرة موسكو على الحفاظ على مستويات الإيرادات التي موّلت نفوذها العسكري والسياسي لعقود.
النفط الروسي منذ حرب أوكرانيا
يرى التقرير الصادر عن معهد بيكر لدراسة السياسات العامة أن اتجاهات إنتاج النفط الروسي لا تصبّ في مصلحة موسكو.
فبينما تخوض روسيا حربها في أوكرانيا منذ أكثر من 4 سنوات، تظهر المؤشرات أن عصر "النفط السهل" الذي شكّل ركيزة القوة الروسية لعقود يقترب من نهايته، وقد يفرض قيودًا على الكرملين خلال السنوات المقبلة.
وسيتطلب الحفاظ على المستويات الحالية لإنتاج النفط الروسي استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة، لكن العقوبات الغربية تُضيّق الخناق على وصول موسكو إلى التمويل والتقنيات اللازمة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية لأن النفط ما يزال المصدر الرئيس لتمويل إيرادات الدولة، وفي سبيل الحفاظ على حصتها السوقية، قدّمت روسيا خصومات جذبت المشترين في الجنوب العالمي، وحافظت على تدفُّق الإيرادات، ما عزَّز قدرتها على الصمود أمام العقوبات الغربية.
وخلال الشهور الماضية، أسهمت أزمة مضيق هرمز وفقدان نحو 12 مليون برميل يوميًا من الإمدادات العالمية، فضلًا عن ارتفاع أسعار النفط، في تعزيز استفادة روسيا ماليًا.
ويوضح الرسم البياني التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- إنتاج النفط الروسي حتى مايو/أيار 2026:

اتجاهات إنتاج النفط الروسي
أشار تقرير معهد بيكر إلى تراجع إنتاج النفط الروسي رغم تكثيف عمليات الحفر إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر الثمانينيات.
وتبرز منطقة خانتي-مانسييسك في غرب سيبيريا، التي توفر نحو 40% من إنتاج روسيا، نقطة ارتكاز لهذا التراجع، إذ انخفض إنتاجها منذ 2009، وتراجع بأكثر من 14% بين 2019 و2024، بالتوازي مع هبوط يقارب 9% في بقية مناطق الإنتاج.
وعلى الرغم من محاولات التوسع نحو شرق سيبيريا وبحر قزوين، فإنها هذه الجهود لا تكفي لتعويض انخفاض الإنتاج في حقول غرب سيبيريا.
ويعتمد استقرار إنتاج النفط الروسي على عاملين:
- رأس المال:
حاليًا، لدى روسيا قدرة محدودة على تمويل الاستثمارات اللازمة لوقف تراجع الإنتاج، خاصةً مع تراجع صافي هوامش الربح من النفط الروسي 30-40%، وقد يهبط إلى 25% مع تصاعد تكاليف الحرب وإصلاح البنية التحتية المتضررة.
ومع وصول الإيرادات السنوية من صادرات الخام ومنتجاته إلى 120 مليار دولار، فإن هامش ربح بنسبة 25% يعادل 30 مليار دولار، وإذا فرضت البلاد ضرائب الحرب على نصف هذا الهامش، ستبقى قرابة 15 مليار دولار لإعادة الاستثمار، غير أن الجهود الأخيرة أظهرت أن تعزيز عمليات الحفر وضخ المزيد من الاستثمارات لم ينجحا في رفع إنتاج النفط الروسي.
- التقنيات الحديثة:
تسهم التقنيات المتطورة في رفع عائد رأس المال المستَثمَر، لا سيما في الحقول القديمة، لكن المنتجين الروس يواجهون تحديات لتحقيق ذلك في غرب سيبيريا حاليًا.
كما باتت التقنيات الحديثة ضرورة لمشروعات النفط البحرية في القطب الشمالي، التي قد تعوّض تراجع إنتاج غرب سيبيريا، وفي مقدّمتها مشروع "فوستوك أويل" الذي قد يصل إنتاجه إلى مليوني برميل يوميًا، لكنه يتطلب استثمارات بقيمة 130 مليار دولار.
ويرى التقرير أن القيود التقنية وتراجع جاذبية الاستثمار الأجنبي سيدفعان روسيا للمنافسة على رؤوس الأموال مع مناطق أكثر استقرارًا وأقل مخاطرة مثل غايانا والعراق والأرجنتين ومنطقة الخليج العربي.
ويوضح الرسم البياني التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- احتياطيات النفط المؤكدة في روسيا:

تأثير تراجع إنتاج النفط الروسي
مع انخفاض إنتاج النفط الروسي تدريجيًا، ستتباين التداعيات، وأبرزها:
- تراجع جاذبية موسكو كونها شريكًا لكل من الصين والهند.
- استفادة كندا من فتح أسواق جديدة أمام الرمال النفطية.
- استفادة الولايات المتحدة وحلف الناتو، فرغم أن موسكو ستظل تُمثّل تهديدًا جيوسياسيًا، فإن قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية ستتآكل.
- تراجع إنتاج النفط الروسي يُمثّل فرصة لمنتجي الشرق الأوسط، عبر زيادة الطلب على صادرات الخليج.
- أمّا بالنسبة لدول ما بعد الاتحاد السوفيتي، فتبدو الأكثر عرضة للاضطرابات خلال السنوات الـ5 المقبلة، خاصةً إذا رأت القيادة الروسية أن الفرص العسكرية تتضاءل نتيجة تراجع الإيرادات النفطية.
ومع ذلك، لا يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه انهيارًا وشيكًا، إذ ما تزال روسيا قادرة على رفع وتيرة الحفر خلال السنوات المقبلة، كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر لها متنفسًا مؤقتًا.
في الوقت نفسه، تمتلك روسيا موارد أخرى، مثل الغاز والمعادن والفحم والمعدّات العسكرية والوقود النووي، لكنها لن تكون كافية لتعويض الفاقد من عائدات النفط.
وقد ينجم عن نضوب الاحتياطيات وارتفاع تكلفة الإنتاج تفاقم قيود عائدات النفط، إلى جانب المخاطر على المدى القصير تجاه دول ما بعد الاتحاد السوفيتي والناتو، وقد تتجه البلاد إلى نموذج أقرب إلى "كوريا شمالية أوراسية كبرى"، أي دولة نووية قوية عسكريًا، لكنها معزولة وهشة اقتصاديًا.
موضوعات متعلقة..
- ناقلات مجموعة الـ7 تستحوذ على ثلث صادرات النفط الروسي.. كيف؟
- مستقبل إنتاج النفط الروسي.. ضغوط متصاعدة تعيد تشكيل المسار (تحليل)
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن قطاع الكهرباء في الدول العربية
المصدر:





