خبراء يرسمون خريطة طريق لإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة
داليا الهمشري
أصبحت إزالة الكربون من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة في مصر تحديًا متزايدًا، في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، واشتراطات الأسواق الدولية المرتبطة بخفض البصمة الكربونية للمنتجات.
وفي هذا السياق، لم يعد التحول إلى الطاقة النظيفة مجرد خيار بيئي أمام الصناعات الثقيلة، بل أصبح مرتبطًا مباشرةً بقدرتها على الحفاظ على تنافسيتها والوصول إلى الأسواق العالمية، فضلًا عن إمكان فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية منخفضة الكربون.
وخلال فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (The Solar Show MENA)، ناقش عدد من المتخصصين خلال جلسة بعنوان "تعزيز التقدم: خريطة طريق لإزالة الكربون من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة"، المسارات المتاحة أمام الصناعة المصرية لخفض الانبعاثات.
وأدارت الجلسة -التي حضرتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- استشارية الاستدامة والطاقة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والوكالة الألمانية للتعاون الدولي غادة راغب، بمشاركة عدد من الخبراء ورواد الصناعة.
وركّزت المناقشات على كيفية تمكين مصر من إزالة الكربون من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بالتوازي مع تحويل هذا التحول إلى فرصة لزيادة الصادرات، وتعزيز مكانة مصر مركزًا إقليميًا لحلول خفض الانبعاثات.
إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة
قال مدير الاستدامة والطاقة بمجموعة النساجون الشرقيون في مصر، أشرف العواد، إن تعزيز كفاءة الطاقة يجب أن يكون الأولوية الأولى للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة خلال الأعوام المقبلة كونه المسار الأسرع والأقل تكلفة لتحقيق خفض ملموس في استهلاك الطاقة والانبعاثات.
وأوضح أن الخطوة الأولى أمام أيّ منشأة صناعية يجب أن تبدأ بمراجعة أنماط استهلاك الطاقة، وتحديد مدى كفاءة استعمال الموارد المتاحة، مشيرًا إلى أن بعض المصانع قد تتجه مباشرة إلى استثمارات كبيرة في مشروعات الطاقة المتجددة، رغم وجود فرص يمكن استغلالها أولًا لخفض الاستهلاك وتحسين أداء العمليات الصناعية.
وأضاف أن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل وحدة طاقة مستهلكة يجب أن يسبق البحث عن مصادر جديدة للطاقة، مؤكدًا أهمية خفض الطلب وتحسين كفاءة العمليات قبل الانتقال إلى استثمارات إضافية في الطاقة.

وبحسب العواد، فإن مسار إزالة الكربون في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة ينبغي أن يبدأ بتعزيز كفاءة الطاقة، يليها التوسع في الطاقة المتجددة بعد تقليص حجم الاستهلاك، ثم التوجه إلى كهربة العمليات الصناعية (Electrification)، ودراسة حلول احتجاز وتخزين الكربون (CCS)، وصولًا إلى الهيدروجين الأخضر في بعض التطبيقات.
وأكد أن هذه المسارات تمثّل منظومة متكاملة يمكن للصناعة المصرية الاعتماد عليها خلال العقد المقبل، مع ترتيب الأولويات وفقًا لطبيعة كل صناعة والجدوى الاقتصادية للتكنولوجيا المستعملة.
تعزيز كفاءة الطاقة
من جانبه، قال مدير قطاع التنمية المستدامة بمجموعة حديد بشاي، جرجس بدران، إن إزالة الكربون من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة لا تبدأ بالضرورة بالتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، بل يجب أن تنطلق أولًا من تحسين كفاءة استعمال الطاقة وخفض الاستهلاك إلى أدنى مستوى ممكن.
وأوضح أن المصانع تحتاج في البداية إلى وضع خط أساس لاستهلاك الطاقة (Baseline) وتحديد أوجه الهدر، ثم البدء بالحلول منخفضة التكلفة أو عديمة التكلفة قبل الانتقال إلى استثمارات أكبر في مشروعات إزالة الكربون والتحول الأخضر.
وأضاف أن ترتيب أولويات إزالة الكربون يجب أن يبدأ بكفاءة الطاقة، ثم الطاقة المتجددة، تليها كهربة العمليات الصناعية، واحتجاز وتخزين الكربون، ثم استعمال الهيدروجين الأخضر في التطبيقات التي تتطلبه.
وأشار بدران إلى أن أبرز تطبيقات الهيدروجين في صناعة الصلب تتمثل في إمكان إحلاله محل الغاز الطبيعي في عمليات الاحتراق، إلى جانب استعماله في عمليات الاختزال، موضحًا أن الانتقال إلى الهيدروجين أو تطبيق تقنيات احتجاز الكربون يتطلب مجموعة متكاملة من المتطلبات الفنية والاقتصادية.
وأكد أن بناء الكوادر البشرية يأتي في مقدمة هذه المتطلبات، موضحًا أن مصر تحتاج إلى مهندسين وفنيين قادرين على التعامل مع منظومات الهيدروجين، سواء في التشغيل أو النقل أو تطبيق إجراءات السلامة.
وأشار إلى أن التعامل مع الهيدروجين يتطلب مستويات مرتفعة من إجراءات السلامة، ما يستدعي تطوير برامج تعليم وتدريب متخصصة لإعداد الكفاءات المطلوبة.
ولفت إلى أهمية الاستفادة من الخبرات الدولية ومزودي التكنولوجيا العالميين، مؤكدًا أن مصر ليست بحاجة إلى "اختراع العجلة"، في ظل وجود مصانع حول العالم طبّقت تقنيات استعمال الهيدروجين في العمليات الصناعية.
البنية التحتية للهيدروجين
شدّد بدران على أن البنية التحتية تُمثّل شرطًا أساسيًا لنجاح التحول إلى الهيدروجين الأخضر، موضحًا أن المستثمر الذي يقرر إحلال الهيدروجين محل الغاز الطبيعي يحتاج إلى معرفة مصدر الهيدروجين، وكيفية إنتاجه ونقله وتوفيره للمصنع.
وأضاف أن الأمر لا يتعلق بالتقنية فقط، بل يحتاج -أيضًا- إلى تحديد الجهة التي ستتولى إنتاج الهيدروجين وتوفيره، سواء كانت الحكومة أو شركات متخصصة، بما يضمن وضوح منظومة الإمداد أمام المستثمرين.
واستشهد بتجربة السيارات الكهربائية في مصر، موضحًا أن السوق واجهت في بدايتها حلقة مفرغة؛ إذ لم يكن المستثمرون يرغبون في إنشاء محطات شحن لعدم وجود عدد كافٍ من السيارات، في حين لم يكن المستهلكون يقبلون على السيارات الكهربائية في ظل غياب البنية التحتية اللازمة.
وأوضح أنّ تدخُّل الدولة ساعدَ في كسر هذه الحلقة، مؤكدًا أن قطاع الهيدروجين يحتاج إلى نموذج مشابه لتطوير البنية التحتية وتحفيز المستثمرين على الدخول.
تمويل التحول الأخضر
أشار بدران إلى أهمية قيام الدولة بدور محفز في تطوير البنية التحتية للهيدروجين، ولا سيما في المناطق الصناعية التي تتركز بها الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.
واقترح دراسة إنشاء مرافق لإنتاج الهيدروجين في هذه المناطق وتوفيره للمصانع بأسعار تنافسية، بما يساعد في تقليل المخاطر التي يواجهها المستثمرون.
وأكد أن التمويل يمثّل تحديًا رئيسًا أمام تحوّل مصانع الصلب إلى الهيدروجين الأخضر، موضحًا أن استبدال الغاز الطبيعي بالهيدروجين الأخضر في مصنع كبير لإنتاج الحديد يتطلب استثمارات ضخمة، في الوقت الذي ما تزال فيه حسابات العائد على الاستثمار غير واضحة بصورة كافية.
وأضاف أن محدودية سوق الحديد الأخضر (Green Steel) حاليًا تُمثّل تحديًا إضافيًا أمام ضخ استثمارات كبيرة، مما يتطلب العمل بالتوازي على توفير طلب على المنتجات منخفضة الكربون وتوفير أدوات تمويل ميسّرة وصناديق خضراء لدعم المستثمرين.

وأكد أن نجاح إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة يتطلب تكامل التقنية والكوادر والبنية التحتية والتمويل والحوافز، بما يقلل المخاطر أمام القطاع الخاص ويعزز قدرته على تنفيذ مشروعات التحول.
بدوره، قال الرئيس التنفيذي لمنصة هيدروجين إنتلجينس، المهندس أسامة فوزي جورجي، إن تطوير البنية التحتية يمثّل أحد أبرز التحديات أمام التحول إلى الهيدروجين منخفض الكربون، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية وحسابات الاستثمار والعائد على المشروعات.
تقنيات احتجاز الكربون
أوضح جورجي أن تحديد الصناعات الأكثر قدرة على التحول إلى استعمال الهيدروجين منخفض الكربون يجب أن يستند إلى الاحتياجات الفعلية لكل صناعة، إلى جانب الحسابات الاقتصادية ومدى جدوى التحول من الناحية الاستثمارية.
وفيما يتعلق بتقنيات احتجاز الكربون واستعماله وتخزينه (CCUS) واحتجاز وتخزين الكربون (CCS)، أشار جورجي إلى ارتفاع تكلفة تطبيق هذه التقنيات في الصناعات الثقيلة لإنتاج منتجات منخفضة الكربون.
وأوضح أن تقنيات احتجاز الكربون واستعماله وتخزينه ما تزال تتطور، ومن ثم فإن الاستثمارات المطلوبة لتطبيقها تظل مرتفعة، مؤكدًا أن لديه تحفظات على الاعتماد عليها، خاصةً فيما يتعلق بخيار التخزين.
وأشار إلى إمكان الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون الملتقط في عدد من التطبيقات بدلًا من تخزينه مباشرة، موضحًا أن عدم دراسة فرص استعمال الكربون قبل اللجوء إلى تخزينه يثير تساؤلات بشأن أفضل مسار للاستفادة من الكربون الملتقط.
ولفت إلى إمكان تخزين ثاني أكسيد الكربون في حقول النفط والغاز المستنفدة، فضلًا عن الكهوف الملحية (Salt Caverns) المستعملة في بعض الدول، مشيرًا إلى عدم وجود هذا النوع من الكهوف في مصر.
وأكد أن أحد أبرز تحفظاته يرتبط باحتمالات تسرب ثاني أكسيد الكربون المخزن (Leakage)، موضحًا أن حدوث تسرب قد يقلل من الفائدة المستهدفة من عملية الاحتجاز والتخزين، والمتمثلة في منع وصول الانبعاثات إلى الغلاف الجوي.
وأوضح جورجي أنه يميل بصورة أكبر إلى الهيدروجين الأخضر كونه أحد المسارات المهمة لخفض الانبعاثات في الصناعات كثيفة الطاقة، مع ضرورة اختيار التقنية وفقًا لطبيعة كل صناعة والجدوى الاقتصادية للمشروع.
وأشار جورجي إلى أن الصناعات الثقيلة تأتي في مقدمة القطاعات المرشحة للتحول إلى استعمال الهيدروجين منخفض الكربون، ولا سيما مع تشديد الأسواق العالمية للمعايير المرتبطة بالبصمة الكربونية للمنتجات.
وأوضح أن الحديد والأسمنت والأسمدة والألومنيوم من أبرز الصناعات كثيفة الانبعاثات، ومن ثم فإنها ستكون من أكثر القطاعات تأثرًا بالسياسات التجارية المرتبطة بالكربون، وفي مقدمتها آلية تعديل حدود الكربون (CBAM).
وأضاف أن هذه التوجهات قد تمتد مستقبلًا إلى صناعات أخرى كثيفة استهلاك الطاقة، من بينها الزجاج المسطح والبورسلين والسيراميك والطوب، موضحًا أن ارتفاع استهلاك الطاقة وكثافة الانبعاثات يجعلان هذه القطاعات مرشحة بقوة للتحول إلى حلول منخفضة الكربون.
وأكد أن الضغوط التنظيمية والتجارية المرتبطة بالكربون تجعل خفض الانبعاثات يتجاوز كونه هدفًا بيئيًا، ليصبح عاملًا رئيسًا في تنافسية الصناعة المصرية وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
موضوعات متعلقة..
- رسوم إزالة الكربون من النقل البحري.. هل تتحول إلى موجة تضخّم عالمية؟ (تقرير)
- التحول إلى الكهربة يدعم إزالة الكربون من الاقتصاد العالمي (تقرير)
- خريطة طريق إزالة الكربون من النفط والغاز بـ4 خطوات (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- استهداف منشآت النفط في ليبيا خط أحمر.. هذه ثروة الوطن (مقال)
- الطلب على الكهرباء في 4 دول عربية يتجاوز الأرقام القياسية
- بيانات حصرية عن المناجم في الدول العربية
- ملف عن أهم وأكبر محطات الطاقة الشمسية في الدول العربية





