طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة.. سياسات ترمب تحبط المطورين (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- مشروعات طاقة الرياح البحرية غالبًا ما تتطلب عقدًا أو أكثر للتطوير
- مشروعات طاقة الرياح البحرية تتطلب موافقاتٍ اتحادية وولائية متعددة وسفنًا متخصصة
- العديد من المطورين سعوا إلى إعادة التفاوض على اتفاقيات شراء الكهرباء
- الولايات المتحدة تشهد اتّساع الفجوة بين التعامل مع الطاقة التقليدية ونظيرتها المتجددة
يواجه قطاع طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة تحديات عديدة، إذ تحبط سياسة إدارة ترمب طموحات المطورين، ما يعرقل الاعتماد على كهرباء المصادر المتجددة في البلاد.
في أوائل أغسطس/آب 2026، أعلنت شركة الطاقة الألمانية آر دبليو إي (RWE) أنها ستتخلى عن عقود استئجارها لـ3 مشروعات طاقة رياح بحرية في الولايات المتحدة، قبالة سواحل نيويورك وكاليفورنيا ولويزيانا، بعد التوصل إلى اتفاق بقيمة 1.22 مليار دولار مع وزارة الداخلية الأميركية في عهد إدارة ترمب.
وخلصت شركة آر دبليو إي إلى أنه لا سبيل للمضي قدمًا في ترخيص مشروعات طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور.
وستوجه الشركة رأس المال المسترَدّ نحو الطاقة التقليدية، بما في ذلك نحو 900 مليون دولار لحصة في محطة تصدير الغاز المسال في لويزيانا، و300 مليون دولار لتوربينات الغاز التي تدعم محطات توليد الكهرباء الاحتياطية.
إعادة هيكلة سياسة الطاقة الأميركية
إن قرار شركة آر دبليو إي ليس مجرد انسحاب من 3 مشروعات صعبة، بل هو دليل على إعادة هيكلة أوسع لسياسة الطاقة الأميركية في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.
وقد أصبحت طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة، التي روّجت لها إدارة بايدن بصفتها مصدرًا مهمًا للكهرباء النظيفة والاستثمار الصناعي، عرضة للخطر سياسيًا وغير مستقرة تجاريًا.
وعلى النقيض من ذلك، يحظى الغاز الطبيعي والغاز المسال، حاليًا، بدعم تنظيمي أقوى، ويُقَدَّمان على أنهما ضروريان لموثوقية الشبكة وأمن الطاقة و"هيمنة الطاقة" الأميركية.

المعوقات السياسية والتنظيمية أمام طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة
تطورت الظروف التي أدت إلى انسحاب شركة آر دبليو إي بشكل منهجي بعد عودة الرئيس ترمب إلى منصبه في يناير/كانون الثاني 2025.
ولطالما انتقد ترمب طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة ووصفها بأنها مكلفة، وغير موثوقة، ومشوهة بصريًا، وتعتمد على الدعم الحكومي.
وقد ترجمت إدارته هذا الاعتراض إلى سياسات من خلال تقييد تأجير مشروعات طاقة الرياح البحرية، وتأخير إصدار التراخيص، ومراجعة المشروعات التي أحرزت تقدمًا في عهد الرئيس جو بايدن.
وأصدرت مذكرة رئاسية قرارًا بسحب منطقة الجرف القاري الخارجي من عقود تأجير طاقة الرياح البحرية الجديدة أو المجددة.
بدوره، علّق مكتب إدارة طاقة المحيطات إجراءات الترخيص والموافقة المهمة في أثناء إجراء مراجعة شاملة، ورغم أن هذه الإجراءات لم تلغِ جميع المشروعات رسميًا، فإن تأثيرها المُجتمع كان تجميدًا لجزء كبير من إجراءات الترخيص.
وكان هذا الغموض مُضرًا خصوصًا بشركة آر دبليو إي، فقد أنفقت الشركة أكثر من مليار دولار أميركي للحصول على عقود إيجارها في الولايات المتحدة، بما في ذلك نحو 1.1 مليار دولار أميركي لعقد إيجار خليج نيويورك في مزاد فيدرالي عام 2022.
ونظرًا لأن مشروعات طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة غالبًا ما تتطلب عقدًا أو أكثر للتطوير، فقد كانت العمليات التجارية بعيدة المنال لسنوات.
وأصبح تبرير استمرار إنفاق الأموال دون جدول زمني موثوق للحصول على التراخيص أمرًا بالغ الصعوبة. وتمنح التسوية شركة آر دبليو إي فرصة لاسترداد جزء كبير من نفقات الإيجار بدلًا من الاحتفاظ بأصول قد تظل غير قابلة للاستعمال لسنوات.
ووصف وزير الداخلية الأميركي، دوغ بورغوم، الاتفاقية بأنها تدعم "الهيمنة على الطاقة"، وهي سياسة تتمحور حول توسيع إنتاج الوقود الأحفوري المحلي، وتعزيز صادرات الطاقة، وتقليص الدعم الحكومي للتقنيات المعتمدة عليه.

تراجعٌ أوسع نطاقًا في القطاع وليس قرارًا معزولًا
ليست شركة آر دبليو إي المطور الوحيد الذي يُعيد النظر في موقفه.
ويُقال، إن اتفاقها هو خامس تسوية من نوعها في عام 2026، بعد اتفاقيات شملت شركات توتال إنرجي (TotalEnergies) وإنفينرجي (Invenergy) وشركات أخرى تمتلك عقود إيجار قبالة سواحل ولايات كاليفورنيا، وماين، ونيوجيرسي، ونيويورك، ونورث كارولينا.
وقد بلغت قيمة هذه التسويات مجتمعةً ما يقارب 4 مليارات دولار، وأدت إلى استبعاد عدّة غيغاواط من القدرة الإنتاجية المحتملة من مشروعات التطوير.
ويُظهر هذا النمط أن المشكلة هيكلي، وليست خاصة بشركة آر دبليو إي.
وتتطلب مشروعات طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة موافقاتٍ اتحادية وولائية متعددة، وسفنًا متخصصة، وموانيَ مُطوَّرة، وخطوط نقل، وسلاسل إمداد معقدة وتمويلًا طويل الأجل.
وقد تنتهي العقود، وقد ترتفع أسعار المعدات، وقد لا تُغطي أسعار الكهرباء المُتفاوَض عليها سابقًا تكاليف التطوير والإنشاء.
بدورها، أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكاليف التمويل، في حين رفع التضخم أسعار التوربينات والصلب والعمالة والخدمات البحرية.
وقد سعى العديد من المطورين إلى إعادة التفاوض على اتفاقيات شراء الكهرباء، لأن العقود الموقّعة في ظل ظروف السوق السابقة لم تعد مُجدية اقتصاديًا.
وأضافت المعارضة الفيدرالية خطرًا جوهريًا آخر: وقد لا يحصل المشروع على الموافقة أبدًا.
ولا يمكن لمجالس إدارة الشركات الاستمرار في استثمار مليارات الدولارات في ظل عداء الحكومة الصريح للقطاع، وهي الجهة التي تتحكم في عقود الإيجار والتراخيص اللازمة.
لذا، يُعدّ انسحاب شركة آر دبليو إي محاولة منطقية للحدّ من الخسائر وتوجيه رؤوس الأموال نحو استثمارات ذات آفاق أوضح.

تباين الدعم الاقتصادي والسياسي
يعكس توجُّه رأس مال شركة آر دبليو إي نحو الغاز الطبيعي والغاز المسال اتّساع الفجوة بين التعامل مع الطاقة التقليدية ونظيرتها المتجددة، وتعتمد البنية التحتية للغاز على تكنولوجيا ناضجة، وإنتاج أميركي وفير، وسلاسل إمداد راسخة، ودعم سياسي واضح.
وتواجه طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة تعليقًا للتأجير، وعدم وضوح في التراخيص، وتقليصًا للحوافز، ومعارضة خطابية مستمرة.
وتعتزم شركة آر دبليو إي استثمار ما يقارب 900 مليون دولار أميركي للحصول على حصة 16% في مشروع للغاز المسال في ولاية لويزيانا.
وستخصص 300 مليون دولار أميركي إضافية لدعم توربينات 15 محطة توليد كهرباء تعمل بالغاز لتلبية ذروة الطلب.
ويمكن لهذه المحطات بدء إنتاج الكهرباء بسرعة عند ارتفاع الطلب أو انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة.
تتوافق هذه الاستثمارات بشكل وثيق مع أولويات الإدارة المتمثلة في توسيع صادرات الغاز المسال وزيادة القدرة التوليدية القابلة للتوزيع.
وتستجيب هذه المحطات للطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والكهرباء.
في غضون ذلك، تحظى محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز بقبول صانعي السياسات ومشغّلي الشبكات لقدرتها على العمل، بغضّ النظر عن الأحوال الجوية.
وتُخصص البنوك ومجالس إدارات الشركات علاوات مخاطر أقل للمشروعات المدعومة بسياسات فيدرالية، وعلاوات أعلى للمشروعات المعرضة للتأخير أو الإلغاء.
حتى مواقع طاقة الرياح البحرية ذات الموارد الممتازة قد تواجه صعوبة في تأمين التمويل إذا ما تغيرت تراخيصها أو معاملتها الضريبية أو جدول بنائها بعد الانتخابات.
من ناحيتها، استثمرت المواني والمصانع وبناة السفن والمجتمعات الساحلية في مرافق مصممة لدعم إنتاج التوربينات وتجميعها وتركيبها.
وقد يؤدي تقلُّص المشروعات قيد التنفيذ إلى عدم استغلال بعض البنية التحتية بشكل كامل، وانخفاض فرص العمل المتوقعة.
وقد تحتاج الولايات التي أدرجت طاقة الرياح البحرية في إستراتيجياتها المناخية إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة البرية، وتخزين الكهرباء، والطاقة النووية، والكهرباء المستوردة، أو توليد الكهرباء بالغاز.
وقد يُحسّن الاعتماد المتزايد على الغاز من موثوقية الإمداد على المدى القصير، ولكنه ينطوي على مخاطر طويلة الأجل.
وقد يُؤدي الاستثمار المكثّف حاليًا إلى حصر الولايات المتحدة في بنية تحتية إضافية للوقود الأحفوري، وتعقيد خفض الانبعاثات في المستقبل إذا ما تغيرت السياسة المناخية الوطنية مرة أخرى.

الآثار المترتبة على المستثمرين ومسارات الطاقة
تُقدّم تجربة شركة آر دبليو إي تحذيرًا لشركات الطاقة الأوروبية، فقد دخلت شركات مثل آر دبليو إي وأورستد (Ørsted) وتوتال إنرجي (TotalEnergies) وغيرها سوق طاقة الرياح البحرية الأميركية عندما قدّمتها إدارة بايدن بصفتها فرصة نمو هائلة.
ودفعت هذه الشركات أسعارًا باهظة مقابل عقود الإيجار، واستثمرت في شراكات محلية، وجهود بيئية، وتطوير سلاسل التوريد.
وتُظهر سرعة التراجع عن السياسة مدى تأثُّر مشروعات الطاقة الأميركية طويلة الأجل بالتغييرات الانتخابية.
لذا، يتعين على المستثمرين الأوروبيين الآن أن يأخذوا في الحسبان احتمال أن تُلغي إدارة جديدة سنوات من العمل من خلال تغيير سياسات التأجير، أو التراخيص، أو الدراسات البيئية، أو السياسات الضريبية.
وقد يبقى آخرون في الولايات المتحدة، لكنهم سيركّزون على قطاعات تحظى بدعم سياسي أوضح، بما في ذلك الغاز المسال، وتوليد الكهرباء بالغاز، وتخزين الكهرباء، أو مشروعات مختارة لشبكات الكهرباء.
وستعزز القدرة التصديرية الأميركية الإضافية مكانة أميركا موردًا عالميًا رائدًا للغاز.
وتواصل أوروبا تنويع مصادرها بعيدًا عن الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، ما يجعل مرونة الغاز المسال الأميركي أمرًا بالغ الأهمية لأمن إمداداتها.
قد تؤدي زيادة القدرة الإنتاجية الأميركية إلى تفاقم المنافسة مع قطر وأستراليا وروسيا والمصدرين الصاعدين الأفارقة.
وتواصل أوروبا مساعيها نحو خفض الانبعاثات الكربونية، معتمدةً في الوقت نفسه على الغاز المسال الأميركي لتأمين أمنها الطاقي على المدى القريب.
في المقابل، توجّه الولايات المتحدة استثماراتها نحو صادرات الوقود الأحفوري، بينما تحدّ من قطاعٍ كانت الشركات الأوروبية تتوقع أن يصبح مصدرًا مهمًا لنمو الطاقة المتجددة.
وتكمن المشكلة الأعمق في عدم استقرار السياسات، فمشروعات الطاقة التي تستغرق من 10 إلى 15 عامًا لا تستطيع استيعاب التغييرات الكبيرة التي تطرأ كل 4 سنوات بسهولة.
وعندما تتغير عقود الإيجار والتراخيص والإعانات والقوانين البيئية الفيدرالية بين الإدارات المتعاقبة، يطالب المستثمرون بإيرادات أعلى للتعويض عن المخاطر السياسية.
ويضرّ هذا التقلب بمشروعات الطاقة المتجددة كثيفة رأس المال أكثر من المشروعات التقليدية قصيرة الأجل أو تلك التي تحظى بدعم سياسي.
لذا، ينبغي فهم انسحاب شركة آر دبليو إي بصفته استجابة هيكلية، وليس مجرد توقُّف مؤقت حتى الانتخابات المقبلة.
وقد تعيد الإدارة المستقبلية دعم طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة، لكن الوقت الضائع وسلاسل التوريد الضعيفة وثقة المستثمرين المتضررة لن تُعوَّض على الفور.
ولقد غيّرت إدارة ترمب حسابات المخاطر والإيرادات في قطاع الطاقة.
وتحوّلت طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة من فرصة نموّ عالية إلى استثمار محفوف بالمخاطر السياسية، في حين يوفر الغاز الطبيعي والغاز المسال الآن قدرًا أكبر من اليقين التنظيمي.
رغم ذلك، يُسلّط هذا القرار الضوء على التكلفة الأوسع نطاقًا للتغييرات المفاجئة في السياسات: التخلي عن مشروعات الطاقة المتجددة، وتراجع ثقة المستثمرين، وتعطيل الخطط الصناعية، ونظام طاقة يتأثر بشكل متزايد بالدورات الانتخابية بدلًا من إستراتيجية ثابتة طويلة الأجل.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- طاقة الرياح البحرية العائمة في اليابان تنتظر تشغيل أول مزرعة (تقرير)
- سعة طاقة الرياح البحرية العالمية قد ترتفع إلى 420 غيغاواط بحلول 2035
اقرأ أيضًا..
- حرائق الغابات تحاصر قطاع الطاقة.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل الكهرباء؟ (مقال)
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة
- المناجم في الدول العربية (ملف خاص)
- تقارير مساحات أنسيات الطاقة





