علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين.. كيف غيّرت العقوبات خريطة الطاقة؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- روسيا حافظت على موقعها بوصفها موردًا رئيسًا للنفط إلى الصين والهند في مارس 2026
- روسيا استحوذت على 20% من إجمالي واردات الصين من النفط في الربع الأول
- روسيا هي المورد الرئيس للنفط لأكبر دولتين مستوردتين للطاقة في العالم النامي
- علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين تجاوزت عتبة المنفعة التبادلية لتصبح ترابطًا هيكليًا
تمضي علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين وفق مسار تحدده العقوبات والضغوط الجيوسياسية وتوجهات أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية، يضاف إلى ذلك قدرات الإنتاج والتصدير لدى موسكو، التي تواجه تحديات تقنية ولوجستية.
ولم تعد علاقات الطاقة بين روسيا والصين مجرد استغلالٍ لفرص التجارة في أعقاب العقوبات الغربية، بل أصبحت المحور الهيكلي الرئيس لنموذج موسكو لتصدير الطاقة.
وستحدد علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين القدرة المالية لموسكو، ونفوذها الجيوسياسي، ومرونتها الاقتصادية لما تبقى من هذا العقد، إذ تؤكد البيانات -التي ستظهر في النصف الأول من عام 2026- أن هذا المحور يترسخ ليصبح دائمًا.
ويتشكل هذا المحور في آنٍ واحد بفعل التزامات البنية التحتية لخطوط الأنابيب، وتغيرات أنظمة الدفع، وأزمة الشرق الأوسط التي عززت بصورة استثنائية موقف روسيا التفاوضي في أسواق الطاقة الآسيوية.
صادرات النفط الروسي إلى الصين والهند
بحسب بيانات منظمة أوبك (OPEC)، حافظت روسيا على موقعها بوصفها موردًا رئيسًا للنفط إلى الصين والهند في مارس/آذار 2026.
وبلغت صادرات النفط الروسي إلى الهند مليوني برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى لها منذ يونيو/حزيران 2025، في حين استحوذت الصين على 20% من إجمالي صادرات روسيا من النفط في الربع الأول.
وجاءت السعودية في المرتبة الثانية بوصفها موردًا رئيسًا لكلا البلدين، في حين احتلت ماليزيا المرتبة الثالثة بنسبة 11% من الواردات الصينية، وهو رقم يُفهم على نطاق واسع من قبل المشاركين في السوق أنه يشمل براميل النفط الإيراني المعاد تسميتها.
وأصبحت الصورة واضحة لا لبس فيها، فروسيا هي المورد الرئيس للنفط لأكبر دولتين مستوردتين للطاقة في العالم النامي، ولم ينجح أي مزيج من العقوبات أو الضغوط الدبلوماسية من واشنطن في تغيير هذا المسار.

إنتاج النفط الروسي: القيود الكامنة وراء الأرقام
نشرت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية توقعاتٍ تُصوّر إنتاج النفط حتى عام 2029 على أنه استقرار مُدار، وليس نموًا أو انكماشًا.
في السيناريو الأساسي، سيستقر إنتاج النفط الروسي عند نحو 511 مليون طن هذا العام، وهو مستوى عام 2025 نفسه، ليرتفع بصورة طفيفة إلى 525 مليون طن بحلول عام 2029.
أما السيناريو المتحفظ فيتوقع انخفاضًا طفيفًا إلى 497.2 مليون طن في عام 2026، ليتعافى إلى 512.2 مليون طن بنهاية فترة التوقعات.
وعند تحويل الأرقام إلى أرقام يومية، يبلغ الفرق بين السيناريوهين نحو 280 ألف برميل يوميًا، وهو هامش ضئيل يُبرز النطاق الضيق الذي يعمل ضمنه الإنتاج الروسي.
ولا يُعزى هذا الاستقرار إلى استنزاف الموارد الجيولوجية أو قصور في الطموح.
وتتمتع روسيا بقاعدة موارد وفيرة، وبيئة الأسعار الحالية -إذ بلغ متوسط سعر خام الأورال 94.87 دولارًا للبرميل في أبريل/نيسان 2026 مقابل سعر متوقع في الموازنة قدره 59 دولارًا- تُشير نظريًا إلى ضرورة توسيع الإنتاج، إلا أن المعوقات تشغيلية وهيكلية.
وحسب ما يرى محلل الطاقة دانييل تيون، فإن العائق الرئيس أمام روسيا ليس السعر، بل القدرة الفعلية على تصدير وتكرير واستثمار النفط الخام المستخرج.
وأدت العقوبات إلى إضعاف الأسطول غير الرسمي، وخلق صعوبات في قنوات التأمين والدفع، وتضييق نطاق المبيعات الجغرافية، وإبطاء حركة ناقلات النفط.
وأدت هشاشة البنية التحتية، بما في ذلك الهجمات على المصافي ومحطات التصدير، إلى تعطيل دورة التكرير والتصدير.
ويعني عدم موثوقية التكرير المحلي أن بعض البراميل الإضافية لا تجد لها منفذًا داخل البلاد.
وعلى الرغم من وجود طلب خارجي رسمي، فإنه يتركز بصورة متزايدة في آسيا، إذ يتفاوض المشترون على الأسعار بقوة.
ويُفهم توقع الوزارة على نحو أفضل ليس على أنه تشاؤم، بل اعتراف صريح بسقف إنتاجي تفرضه عوامل لوجستية، وتراجع العقوبات، ومخاطر البنية التحتية.
وتنتج روسيا حاليًا ما بين 9.06 و9.25 مليون برميل يوميًا (من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2026)، وهو أقل من حصتها في تحالف أوبك+، ما يعني وجود هامش إنتاجي يتراوح بين 400 ألف و800 ألف برميل يوميًا من حيث المبدأ، لكن لا يمكن تفعيله بسهولة عمليًا.
اعتماد الصين على الطاقة الروسية
بلغ اعتماد الصين على الطاقة الروسية مستوىً يجعل فك الارتباط غير عملي من الناحية الهيكلية.
وعبّر رئيس صندوق أمن الطاقة الوطني الروسي كونستانتين سيمونوف عن ذلك بوضوح: إن اعتماد الصين على النفط الروسي "أكبر من أن تتخلى عنه" بكين، بغض النظر عن ضغوط العقوبات التي تفرضها واشنطن.
وبالنظر إلى أن النفط الروسي يشكل أكثر من 20% من الواردات الصينية في الربع الأول من عام 2026، ومع وجود بديل النفط الإيراني الذي يتدفق حاليًا تحت غطاء ماليزي، لا يوجد لدى بكين أي حافز لإعادة هيكلة نظام الإمداد الذي يوفر النفط بأسعار مخفضة وعلى نطاق واسع.
في غضون ذلك، تسير علاقة الصين بالغاز على المنطق الهيكلي نفسه، فقد حقق خط أنابيب "باور أوف سيبيريا" هدفه السنوي البالغ 38 مليار متر مكعب في عام 2025، وهناك اتفاقية قائمة حاليًا لزيادة الإنتاج إلى 44 مليار متر مكعب سنويًا.
ومن المقرر أن تبدأ الإمدادات عبر "طريق الشرق الأقصى"، وهو خط أنابيب جديد قيد الإنشاء يمتد من جرف بحر أوخوتسك، بمعدل 10 مليارات متر مكعب سنويًا، مع اتفاق على توسيعه إلى 12 مليار متر مكعب.

وبلغ إجمالي إمداد روسيا للصين 101 مليون طن من النفط و49 مليار متر مكعب من الغاز، عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال، في عام 2025.
أما نقطة التحول التالية فهي "باور أوف سيبيريا 2"، مشروع خط الأنابيب الضخم الذي سينقل الغاز من حقول غرب سيبيريا إلى الصين عبر منغوليا.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، وقّعت شركة غازبروم الروسية (Gazprom) مذكرة تفاهم ملزمة قانونًا مع شركائها الصينيين بشأن إنشاء هذا الخط، بالإضافة إلى جزء عبور "سويوز-فوستوك" عبر منغوليا.
وأشار الرئيس بوتين علنًا إلى أن روسيا والصين على مستوى عالٍ من الاتفاق على اتخاذ خطوة جادة ومهمة للغاية نحو الأمام في التعاون في قطاعي النفط والغاز، مع حلّ القضايا الرئيسة، بحسب التقارير، قبل زيارته المقررة إلى بكين في أواخر مايو/أيار أو يونيو/حزيران 2026.
بدوره، ذهب سيمونوف أبعد من ذلك، معربًا عن شبه يقينه بتوقيع عقد مشروع "باور أوف سيبيريا 2" خلال الزيارة.
على الرغم من ذلك، فإن المحللين السياسيين ينصحون بالتريث، فقد أُعلن عن اتفاقيات تعاون في مجال النفط والغاز بين موسكو وبكين عدة مرات دون أن تتجاوز مرحلة الإعلان.
وفي أفضل الأحوال سيُنجز مشروع "باور أوف سيبيريا 2"، لكن تاريخ هذه العلاقة الثنائية يشهد فجوة كبيرة بين مذكرات التفاهم وفرق الإنشاء.
توقعات روسيا لإنتاج الغاز
تبدو توقعات روسيا لإنتاج الغاز أكثر تفاؤلًا من توقعاتها لإنتاج النفط، إذ تتوقع وزارة التنمية الاقتصادية ارتفاع الإنتاج من 688.4 مليار متر مكعب في عام 2025 إلى 750.4 مليار متر مكعب بحلول عام 2029 في كلا السيناريوهين، مع توقع أن يأتي الجزء الأكبر من الزيادة من قدرة إنتاج الغاز المسال الجديدة.
ومن المتوقع أن تنمو صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب بمقدار 12 مليار متر مكعب فقط خلال هذه المدة، لتصل إلى 127.5 مليار متر مكعب بحلول عام 2029.
في المقابل، من المتوقع أن تتضاعف صادرات الغاز المسال أكثر من مرتين، من 30.3 مليون طن في عام 2025 إلى 66.2 مليون طن في عام 2029.
وعلى الرغم من أن الطموح واضح، يواجه التنفيذ عقبات هائلة، إذ يخضع مشروعا "آركتيك إل إن جي 2" و"مورمانسك إل إن جي" (الذي لم يُبنَ بعد)، واللذان من المتوقع أن يحققا هذا النمو، لعقوبات أميركية.
ويضم مشروع "أركتيك إل إن جي 2" خطين إنتاجيين من أصل 3 قيد التشغيل، تبلغ قدرة كل منهما 6.6 مليون طن سنويًا، إلا أنه لم يشحن سوى 1.17 مليون طن طوال عام 2025.
وشهدت الكميات ارتفاعًا في عام 2026، مقتربةً من إجمالي عام 2025، إلا أن هذا التسارع يعود في معظمه إلى أزمة الشرق الأوسط التي أدت إلى نقص عالمي في الغاز، أكثر من كونه نتيجةً لأي حلول للعوائق التجارية المرتبطة بالعقوبات.
وبمجرد استقرار الأوضاع في الخليج العربي، سينخفض الطلب على الغاز المسال من المشروعات الروسية الخاضعة للعقوبات.
بعبارة أخرى، يفترض مسار تصدير الغاز المسال الذي وضعته الوزارة ضمنيًا، إما استمرار انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط، وإما تخفيف نظام العقوبات، وكلاهما لا يمكن اعتباره فرضية أساسية في التخطيط.
مضيق هرمز والتخلص من الدولار
أدت الأزمة في مضيق هرمز إلى تسارع قوي في العلاقات الروسية الصينية في مجال الطاقة، من اتجاه غير متوقع: هيكلة العملة.
وصرّح وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف بأنه في ظل تصاعد الوضع في المضيق، تتجه الدول تدريجيًا إلى التخلي عن مدفوعات النفط المقومة بالدولار والتوجه إلى عملات بديلة، وعلى رأسها اليوان.
وعزا هذا التحول إلى البحث عن أدوات دفع أكثر استقرارًا في ظل عدم الاستقرار العالمي، مشيرًا إلى أن المشترين الصينيين يستعملون حاليًا مدفوعات اليوان، وأن دولًا أخرى -لا سيما تلك التي تواجه ضغوطًا سياسية- تستكشف بصورة متزايدة ترتيبات مماثلة.
وقد لا تبدو العلاقة بين أزمة مضيق هرمز والتخلص من الدولار بديهية للوهلة الأولى، لكنها ذات أهمية هيكلية بالغة، إذ أدى تعطل عبور ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميًا عبر المضيق إلى ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار للبرميل، وأجبر الدول المستوردة على البحث عن علاقات إمداد بديلة.

في ظل هذه الظروف، يكتسب البائعون الذين يملكون طرق توصيل برية أو شمالية آمنة، وفي مقدمتهم روسيا، نفوذًا ليس فقط على السعر، بل على شروط الدفع.
وفي حال كان المشترون الصينيون يسددون باليوان، وحذت دول أخرى حذوهم، فإن أزمة مضيق هرمز تُحفز تحولًا في هيكلية الدفع يتجاوز أي وقف لإطلاق النار.
وبالنسبة لروسيا، يعني هذا أن إيرادات صادراتها من الطاقة المتجهة إلى الصين أصبحت أكثر عزلة عن النظام المالي المُقوّم بالدولار الذي استعملته واشنطن سلاحًا من خلال العقوبات.
وتُعدّ التداعيات المالية كبيرة، إذ لا يزال النفط المصدر الرئيس لإيرادات روسيا من النفط والغاز، إذ يُمثل ما بين 78.5% و90% من إجمالي إيرادات النفط والغاز في المدة الأخيرة.
ومن المتوقع أن تنخفض حصة قطاع النفط والغاز من الناتج المحلي الإجمالي من 7.9% في عام 2025 إلى ما بين 7.2% و6.6% بحلول عام 2029، وقد تنخفض إيرادات التصدير بنسبة 12% في السيناريو الأكثر تحفظًا.
تجدر الإشارة إلى أن روسيا لا تدخل عصر الوفرة المدفوعة بالهيدروكربونات، لكنها تدخل وقتًا من الاعتماد المُدار، إذ يتقارب السعر الذي تتلقاه، والعملة التي تُدفع بها، والطرق المادية التي تُسلّم من خلالها، جميعها نحو شريك واحد: الصين.
ترابط علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين
تجاوزت علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين عتبة المنفعة التبادلية لتصبح ترابطًا هيكليًا.
ويعني استقرار الإنتاج أن موسكو لا تستطيع تنويع قاعدة صادراتها بالسرعة الكافية للحد من مخاطر التركيز، وتُعدّ التزامات خطوط الأنابيب -بدءًا من توسعة خط "باور أوف سيبيريا"، وصولًا إلى عقد "باور أوف سيبيريا 2" المرتقب، وخط "الطريق الشرقي الأقصى"- استثماراتٍ في البنية التحتية تمتد لعقود، تربط فعليًا الغاز الروسي بالطلب الصيني.
وقد وفرت أزمة مضيق هرمز مكاسب سعرية غير متوقعة، وحفزت على التخلص من الدولار، ما عزز البنية المالية الثنائية.
أما نظام العقوبات، فبدلًا من أن يُعيق العلاقة جعلها الممر التصديري الوحيد واسع النطاق والقابل للتطبيق للمواد الهيدروكربونية الروسية.
وبالنسبة لبكين، فإن الحسابات هيكلية بالقدر نفسه، فحصة 20% من واردات النفط من مورد واحد خاضع للعقوبات تُنشئ مخاطر على سلسلة التوريد، لكنها في الوقت نفسه تُوفر نفوذًا سعريًا وخيارات إستراتيجية لا يُمكن لأي مورد آخر مُضاهاتها.
والصين ليست مُحاصرة في هذه العلاقة، لقد اختارت هذا المسار، وستُحدد شروط هذا الاختيار ملامح الجغرافيا السياسية للطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ خلال العقد المقبل.
وستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت التصريحات الثنائية ستُترجم إلى عقود موقعة وتدفق فعلي للطاقة.
وفي حال انتقل مشروع "باور أوف سيبيريا 2" من مرحلة المذكرة إلى مرحلة التنفيذ، فسيكون ذلك أوضح مؤشر حتى الآن على انقسام بنية الطاقة في منطقة أوراسيا إلى كتلتين متنافستين، إحداهما مُنظمة على أساس الدولار والإمدادات المنقولة بحرًا، والأخرى على أساس اليوان وخطوط الأنابيب البرية.
وقد بدأت ملامح هذا الانقسام تتضح، ولم يعد السؤال ما إذا كان هذا التحول يحدث، بل إلى أي مدى سيُعيد تشكيل نظام الطاقة العالمي.
* فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- إيرادات روسيا من النفط والغاز تهبط 24%.. والتحديات تتفاقم بسبب الهند
- إيرادات روسيا من النفط والغاز تتراجع.. وغموض يخيّم على 2026 (مقال)
- علاقات الطاقة بين روسيا والصين.. كيف تتأثر بزيارة بوتين إلى بكين؟ (مقال)





