استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة.. هل تكرر الصين "الثورة الأميركية"؟ (تحليل)
هبة مصطفى
يبرز في الصين خلال الآونة الأخيرة اتجاه واعد بالتوسع في استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة، وهي خطوة قد تقلب موازين السوق العالمية وتعيد ترتيب مشهد الصادرات والواردات من جديد حال نجاحها.
وتقوم هذه التقنية على التنقيب عن الغاز في طبقات عميقة أسفل أحواض الفحم، اعتمادًا على التكسير المائي (الهيدروليكي) بضخ الماء والرمال بضغط عالي، وهي تقنية قادت ثورة النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة قبل سنوات.
وتتيح إمكانات بكين، والتوزيع الجيولوجي لهذه الصخور، البناء على ما توصلت إليه شركات الطاقة حتى الآن.
وتطمح شركة بتروتشاينا أن يعزز تطوير موارد صخور الفحم بحلول 2035 تفوقها على الغاز الصخري، الذي شكّل 10% من الإنتاج الإجمالي للبلاد العام الماضي، وفق تحليل تابعته منصة الطاقة المتخصصة.
ورغم تحديات هذا التوسع، فإنه يدعم خفض واردات أكبر الاقتصادات الآسيوية، وسيناريوهات تعرض إمداداتها لمخاطر التقلبات الجيوسياسية العالمية.
تقنية استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة
يمكن استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة عبر الحفر على عمق يصل إلى آلاف الأمتار، وحتى الآن تنفرد الصين عالميًا بإنتاجه.
ويحتاج إنتاج الغاز بهذه الطريقة إلى استعمال الحفر الأفقي والتكسير المائي، وهي تقنيات عكفت أكبر منتج في البلاد (بتروتشاينا) على تطويرها منذ بدء استخراج الغاز الصخري قبل أكثر من 10 سنوات.
ويوضح الرسم البياني الآتي -من إعداد منصة الطاقة المتخصصة- واردات الصين من الغاز المسال منذ عام 2024 حتى الآن:

ويختلف هذا الغاز عن استخراج الميثان من الطبقات السطحية في مناجم الوقود الملوث، إذ صادفت الشركة الصينية ما يؤكد وجود موارد في طبقات أكثر عمقًا من أحواض الفحم.
وحاليًا تتركز غالبية فرص استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة في حوض "أوردوس"، الممتد عبر 3 محافظات.
وكانت "بتروتشاينا" قد ركّزت على إنتاج الميثان لعقود وطورت خبرتها في هذا الأمر، غير أن النتائج جاءت مخيّبة لطموحاتها بسبب التكلفة والموارد المنخفضة.
وخلال هذه المدة شكّل استخراج الميثان 5% فقط من إنتاج الغاز في الصين، حسب التحليل المنشور في رويترز.
احتياطيات واعدة
واصلت الشركة الصينية العمل في أعماق أكبر منذ عام 2021، واستعملت التكسير المائي لحفر بئر (جيشن 6-7) الأفقية بامتداد 3 آلاف متر في الصخور المستقرة على عمق 2200 متر تحت سطح الأرض، في حوض أوردوس.
وأسفرت تقنيات الحفر العميق بالتكسير المائي عن التوصل إلى اكتشاف (داجي Daji) بإنتاج 100 ألف متر مكعب يوميًا، وتحول إلى مرحلة الإنتاج التجاري.
وشجّع التوصل للاكتشاف على إطلاق حملة وبرنامج تنقيب توصلت الشركة من خلاله إلى تقديرات مهمة في مجال استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة.
وقدّرت "بتروتاشينا" امتلاك البلاد لاحتياطيات قابلة للاستخراج بنحو 13 تريليون متر مكعب، في صخور على عمق 6 آلاف متر، في 14 حوض فحم، وفق ما أُعلن رسميًا العام الماضي.
وبنهاية 2025، بلغ معدل استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة 4.2 مليار متر مكعب غالبيتها من اكتشاف "داجي"، بعد حفر البلاد ما يزيد على 700 بئر.
وتتوقع "بتروتاشينا" أن يرتفع الإنتاج إلى 30 مليار متر مكعب بحلول عام 2035.
تحديات رغم الريادة
لم تقتصر جهود الصين في مجال استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة على الحفر والتنقيب المحلي فقط، بل امتدت الجهود إلى مواقع خارج البلاد، إذ كشفت "بتروتشاينا" مصادفة طبقات غنية بالموارد، في بئرين بحوض "بوين" في ولاية كوينزلاند الأسترالية، ما دفع الشركة لإعلان رغبتها في التوسع العالمي للتقنية.
وأكد كبير جيولوجي معهد الاستكشاف التابع لمؤسسة "سي إن بي سي CNPC" النفطية، جانغ جونفنغ، أن الصين تُعدّ أولى دول العالم التي تطور استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة.
ورغم ذلك، تصطدم طموحات بكين والتوسع في إنتاج الغاز بهذه التقنية بتحدّي التكلفة المرتفعة، خاصةً فيما يتعلق بالحفر العميق، الذي تفوق تكلفته إنتاج الغاز الصخري.
واقترح محللون خفض التكلفة عن طريق:
- البناء على ما وصل إليه تطوير الغاز الصخري في حوض أوردوس، مع استمرار الحفر إلى أعماق أكبر وصولًا لطبقات الفحم المشبعة بالغاز.
- التحكم في تقنية التكسير المائي بتقليص استهلاك المواد المستعملة، واختبار محفزات جديدة للتكسير، مثل: الغاز، والنبضات الكهربائية.

ومع التوسع في استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة، قد تعادل تكلفته الإنتاج الصخري أو أقل.
ويمهّد هذا لاستحواذه على 10% من إنتاج الغاز في الصين، لكن بدعم:
- ضخ استثمارات كبيرة
- التوسع التقني بوتيرة متسارعة
- إقرار سياسيات ومعايير صناعية موحدة
- الاستكشاف والتنقيب في أحواض جديدة
تنويع مزيج الطاقة وأبعاد جيوسياسية
يمثّل التوجُّه نحو إنتاج الغاز من الطبقات العميقة للصخور الفحمية إحدى أبرز آليات الصين لتنويع موارد مزيج الطاقة.
ومن شأن هذه السياسة أن تقلّص اعتماد الدولة الآسيوية على الواردات، وحمايتها من مخاطر التقلبات الجيوسياسية، مثلما ظهر في تداعيات الحرب الأميركية الأخيرة على إيران.
ويأتي هذا تزامنًا مع قفزة توقعات استهلاك الغاز إلى 650 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2040، ارتفاعًا من 430 مليار متر مكعب في الآونة الحالية.
وبالتوسع في مزيج الطاقة، وإضافة مصادر جديدة مثل استخراج الغاز من صخور الفحم العميقة، يمكن تعويض تراجع الإنتاج الصخري والتقليدي الذي يضطر بكين إلى زيادة واردات الغاز المسال المتأثر بالأحداث العالمية، سواء في حرب روسيا ضد أوكرانيا، أو الحرب الإيرانية.
ومن جانب آخر، تعمل زيادة الموارد المحلية على تهدئة متطلبات زيادة واردات الصين من الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب، سواء من روسيا أو آسيا الوسطى.
على الصعيد الدبلوماسي، تمنح الموارد الوفيرة بكين موقفًا تفاوضيًا قويًا خلال التباحث مع موسكو بشأن اتفاق خط أنابيب "باور أوف سيبيريا 2".
موضوعات متعلقة..
- مزيج توليد الكهرباء في الصين خلال 2025.. حصة الفحم تواصل الانخفاض (إنفوغرافيك)
- تأثير حرب إيران في إمدادات الطاقة الصينية.. الغاز المسال الحلقة الأضعف
- علاقات النفط والغاز بين روسيا والصين.. كيف غيّرت العقوبات خريطة الطاقة؟ (مقال)
اقرأ أيضًا..
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة
- موسوعة الطاقة لحقول النفط والغاز العربية والعالمية
- شركة مصرية تحقق أكبر اكتشاف نفطي منذ 15 عامًا
المصدر:





