تقارير منوعةأنسيات الطاقةالتقاريررئيسيةمنوعات

كيف تجاوزت الصين نقص الكبريت عالميًا؟ أنس الحجي يكشف عن خطة بكين

أحمد بدر

كشفت أزمة الكبريت عن قلب اضطرابات إمدادات عالمية تتجاوز حدود سوق الطاقة، بعدما عرّت أزمة مضيق هرمز هشاشة سلاسل التوريد، ودفعت الصين إلى البحث عن بدائل بعيدة، في تحرك هادئ قد يُعيد رسم خريطة التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، لفت مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي إلى أن الصين بدأت التحرك خارج الخليج لتأمين احتياجاتها، بعدما تعذّر عليها الحصول على الكميات المعتادة بسبب تداعيات أزمة هرمز.

وكشف عن أن الشركات الصينية الموجودة في كندا منحت بكين منفذًا مهمًا للوصول إلى إمدادات بديلة، موضحًا أن تحركات جرت خلال الأسبوع الماضي لشراء شركات صغيرة تمتلك نسبًا مرتفعة من الكبريت، أو إبرام اتفاقات مشاركة معها.

وأوضح أن التحرك الصيني اتسم بالسرية، إذ لم ترغب بكين في إثارة ضجة حول صفقاتها الجديدة، مشيرًا إلى أن الهدف تمثّل في توقيع عقود سريعة وتأمين الإمدادات، مع تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد.

جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "هرمز وأزمة الكبريت العالمية.. الصين تتحرك بصمت".

تحرك صيني هادئ لتأمين الإمدادات

أشار أنس الحجي إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتعذر مرور الشحنات عبر هرمز، وإنما امتدت إلى حسابات طويلة الأجل، بعدما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين والمخاطر، وهو ما دفع الصين إلى تنويع مصادرها وتقليل تعرّضها للصدمات.

وأكد أن الشركات الكندية التي تنتج الكبريت شهدت ارتفاعًا كبيرًا في أسهمها، موضحًا أن بعض الشركات تضاعفت قيمتها، مع وجود مجال لمزيد من الصعود، نتيجة الطلب المتزايد ورغبة المشترين الآسيويين في بناء إمدادات أكثر تنوعًا واستقرارًا.

وبيّن أن اعتماد الصين على كندا يعكس تحولًا في استراتيجية الشراء، إذ تسعى بكين إلى بناء شبكة توريد متعددة بدلًا من انتظار عودة التدفقات الخليجية إلى مستوياتها السابقة، خصوصًا مع احتمال استمرار الاضطرابات لفترة طويلة.

نقل الكبريت المستورد في ميناء بمدينة نانتونغ بالصين
نقل الكبريت المستورد في ميناء بمدينة نانتونغ في الصين - الصورة من رويترز

وحذّر أنس الحجي من أن المنافسة على الإمدادات المتاحة من الكبريت قد تتصاعد خلال الفترة المقبلة، لأن الكميات التي ستتجه إلى الصين من مصادر جديدة ستؤثر في توازنات أسواق أخرى، وقد تدفع مستوردين آخرين إلى البحث عن بدائل إضافية.

وأوضح أن المشكلة ترتبط أيضًا بصناعة الأسمدة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على توافر المادة، مشيرًا إلى أن استمرار الأزمة قد يرفع تكاليف الإنتاج ويضغط على المزارعين، بما يضيف عبئًا جديدًا إلى أسعار الغذاء في الأسواق العالمية.

ولفت إلى أن تقديرات دولية حذّرت من مخاطر استمرار اضطرابات إمدادات الكبريت في الخليج، مع احتمال تأثر الأمن الغذائي في بعض المناطق نتيجة نقص الأسمدة أو ارتفاع أسعارها، مؤكدًا أن القضية تتجاوز أسواق الطاقة إلى حياة ملايين المستهلكين.

وذكر أن النمو السكاني الكبير خلال القرنَيْن الماضيَيْن ارتبط جزئيًا بقدرة الزراعة الحديثة على إنتاج كميات غذاء ضخمة، وكانت الأسمدة أحد العوامل الأساسية التي ساعدت على زيادة الإنتاج وتلبية الطلب المتصاعد في مناطق العالم المختلفة.

نقص الكبريت يضغط على الزراعة والغذاء

أكد أنس الحجي أن تراجع إمدادات الكبريت يضغط مباشرة على تكلفة الأسمدة، لأن ارتفاع سعره ينعكس على منتجات الفوسفات وغيرها، وقد ظهرت بالفعل زيادات في الأسعار، ما رفع أعباء الإنتاج الزراعي وأضعف قدرة بعض المزارعين على تحمل التكاليف.

وأضاف أن ارتفاع أسعار المدخلات دفع بعض المزارعين حول العالم، ومنهم مزارعون في الولايات المتحدة، إلى التوقف عن الزراعة خلال الموسم الحالي، بعدما أصبحت حسابات إنتاج الكبريت الزراعي أكثر صعوبة تحت ضغط تكاليف الأسمدة والطاقة والوقود.

وأكد أن أزمة هرمز تحولت إلى أزمة عالمية، لأنها لا تتعلق بالنفط والغاز فقط، بل تشمل الهيليوم والأسمدة والميثانول والألومنيوم والغاز المسال وسلعًا أخرى تدخل في صناعات واسعة، ما يجعل اضطرابها مؤثرًا في قطاعات متعددة.

مضيق هرمز

ولفت أنس الحجي إلى أن الكبريت يدخل في سلاسل صناعية واسعة، وأن تأثير نقصه يمكن أن يمتد من الأسمدة إلى قطاعات أخرى تعتمد على مشتقات الغاز والنفط، لذلك أصبحت متابعة أسواقه ضرورية لفهم الصورة الأوسع لأزمة هرمز.

وأوضح أن المستهلك العادي يلمس نتائج هذه السلاسل من حوله، فالمنتجات الإلكترونية والهواتف وأجهزة الحاسوب وغيرها ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمواد مشتقة من الطاقة، ما يجعل اضطراب الإمدادات أزمة تتجاوز القطاع النفطي التقليدي.

وحذّر من أن الكبريت أصبح جزءًا من معادلة أزمة هرمز، لأن استمرار حالة لا حرب ولا سلم قد يربك الأسواق ويرفع علاوات المخاطر والتأمين والشحن، ويجعل الشركات والمستوردين أمام قرارات صعبة بشأن المخزونات والتعاقدات المستقبلية.

وقال إن الصين ستتحرك بصمت لتأمين احتياجاتها، لكن ذلك يعني سحب إمدادات من دول ومصادر أخرى، ما قد يخلق منافسة إضافية على الكميات المتاحة، ويرفع احتمالات انتقال الضغوط إلى أسواق أخرى خلال المرحلة المقبلة.

كندا تتحول إلى بوابة جديدة للصين

أجاب أنس الحجي عن سؤال لأحد المتابعين بشأن مصادر واردات الصين، موضحًا أنها كانت تاريخيًا تستورد المادة من دول الخليج، لكن الأزمة الحالية دفعتها إلى البحث عن مصادر بديلة، وفي مقدمتها كندا لتأمين إمدادات أكثر تنوعًا واستقرارًا.

وأكد أن المستثمرين الذين يبحثون عن فرص في القطاع قد يجدون خيارات لدى شركات عالمية تنتج النفط والغاز، إلى جانب شركات كندية تملك إنتاجًا مرتفعًا من المادة، موضحًا أن التحركات الصينية قد تجعل هذه الشركات محط أنظار السوق.

وأشار إلى أن الصين ركزت، وفق المعلومات المتاحة، على شركات كندية مملوكة ملكية خاصة، في محاولة لبناء إمدادات هادئة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، في حين قد تستفيد الشركات العامة من ارتفاع أسهمها إذا انتشرت أخبار صفقات الاستحواذ.

أحد مواقع استخراج الكبريت
أحد مواقع استخراج الكبريت - الصورة من منصة "بي سي إنسايت"

وتوقع خبير اقتصادات الطاقة أن تستمر الضغوط على السوق مع استمرار مشكلات قطر والمنشآت المرتبطة بها، مؤكدًا أن طول الأزمة، سواء عُدّت صراعًا مباشرًا أم جزءًا من تنافس دولي أوسع، سيُبقي أسعار الكبريت عند مستويات مرتفعة.

وخلص إلى أن تنويع الصين لمصادرها يمثّل محاولة لتقليل المخاطر المستقبلية، لكنه في الوقت نفسه يضيف عنصرًا جديدًا إلى المنافسة العالمية على الإمدادات، ما قد يغيّر اتجاهات التجارة ويعيد توزيع الكميات بين المنتجين والمستهلكين، وسط مراقبة دقيقة من المشترين والمنتجين.

وشدّد على أن أزمة الإمدادات ستظل مرتبطة بتطورات هرمز وبقدرة المنتجين على زيادة المعروض، مؤكدًا أن استمرار حالة عدم اليقين سيجعل الشركات تراقب السوق من كثب، في حين تبقى الأسعار مرشحة للحفاظ على مستويات مرتفعة، مع استمرار الترقب في الأسواق الدولية.

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق