
أصبح نفط جزر فوكلاند محور نزاع جديد بين المملكة المتحدة والأرجنتين، لتعود إلى الأذهان حرب انتهت منذ أكثر من 4 عقود.
واندلعت حرب جزر فوكلاند عام 1982 بسبب صراع على السيادة بين الأرجنتين والمملكة المتحدة على أرخبيل جزر فوكلاند في جنوب المحيط الأطلسي، وانتهت بعد 74 يومًا بانتصار القوات البريطانية واستعادة سيطرتها على الجزر.
وبعد مرور أكثر من 40 عامًا على الحرب التي دارت حول هذه الجزر، ما تزال السيادة على الأرخبيل الواقع في جنوب غرب المحيط الأطلسي محل نزاع حاد بين البلدين، ولكن تحركها هذه المرة دوافع نفطية.
ووفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة، صعّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي التوتر مع المملكة المتحدة بشأن جزر فوكلاند، محذرًا من فرض عقوبات اقتصادية على الشركات التي تستغل النفط بالقرب من هذه المنطقة البريطانية ما وراء البحار.
ثروات نفط جزر فوكلاند
تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن البحار المحيطة بجزر فوكلاند لا تحتوي على حقل نفطي واحد، بل على عدة حقول نفطية كبيرة محتملة.
وأحد هذه الحقول، المسمى "سي لايون" (أسد البحر)، وهو الأكثر دراسة حتى الآن، قد يحتوي على ما يصل إلى 1.7 مليار برميل من النفط، وفقًا لنتائج الحفر التجريبي والمسوحات الزلزالية، وهو ما يفوق أي احتياطي نفطي متبقٍ في المياه البريطانية.
ويقع حقل "سي لايون" على بعد 136 ميلًا شمال جزر فوكلاند، تحت نحو 500 متر من الماء و2000 متر أخرى من الصخور، ما يسهل الوصول إليه نسبيًا بواسطة تقنيات الحفر الحديثة.
هذا يعني أن مليارات الدولارات قد تذهب إلى الدول أو الشركات التي تسيطر على هذا النفط، وقد تكون هذه الثروات مجرد بداية، إذ تشير الدراسات الاستقصائية إلى وجود عدة حقول رئيسة أخرى جنوب شرق الجزر.
حاليًا، تسيطر على الوضع شركة روكهوبر إكسبلوريشن البريطانية (Rockhopper Exploration)، وشركة نافيتاس الإسرائيلية (Navitas).
وتمتلك روكهوبر، التي رصدت الإمكانات الكبيرة حول جزر فوكلاند منذ سنوات عديدة، حصة تزيد قليلًا على الثلث في 8 تراخيص رئيسة تغطي حقل "سي لايون"؛ واضطرت إلى التنازل عن الباقي لشركة نافيتاس مقابل توفير رأس المال اللازم للتطوير.
وسيذهب جزء من الأموال التي تجنيها "نافيتاس" و"روكهوبر" إلى الجزر نفسها، على أمل تحقيق مكاسب غير متوقعة تعادل مليون جنيه إسترليني لكل فرد من سكان الجزر، أما باقي الأرباح فستذهب شمالًا إلى مساهمي الشركتين، ولن يصل أي منها إلى الأرجنتين.
وأثار هذا الوضع غضب رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، الذي حوّل المطالبة بالسيادة على الجزر إلى قضية شخصية، على الرغم من أنها تقع على بعد 300 ميل على الأقل من الساحل الأرجنتيني.
وتصاعدت التوترات مع تزايد وضوح أرباح نفط جزر فوكلاند، ففي العام الماضي (2025) وقّعت شركة نافيتاس عقودًا لنقل سفينة الإنتاج العائمة "أوكا ميزو" من شتلاند إلى الجزر، مع خطط لحفر ما يصل إلى 23 بئرًا وإنتاج 55 ألف برميل من النفط الخام يوميًا في المراحل الأولى من التطوير.

وأشارت التقارير الأولية إلى إمكان استخراج نحو 791 مليون برميل من النفط، ولكن ارتفع هذا الرقم إلى 917 مليون برميل العام الماضي (2025)، أي ضعف الإنتاج السنوي لبحر الشمال بأكمله.
ودفعت هذه الزيادة شركة "نافيتاس" إلى استقدام سفينة إنتاج ثانية أكبر بكثير، وفي الأسبوع الماضي أعلنت الشركة استحواذها على السفينة "أو إس إكس 1" مقابل 125 مليون دولار، التي ستنتج 125 ألف برميل يوميًا.
خلاف حول السيطرة على جزر فوكلاند
في الواقع، لا تسيطر بريطانيا على جزر فوكلاند ولا على سياستها النفطية، فهي أرخبيل يتألف من جزيرتين كبيرتين -فوكلاند الشرقية وفوكلاند الغربية- بالإضافة إلى ما يقارب 800 جزيرة أصغر، وهي إقليم بريطاني ما وراء البحار.
وهذا يعني أنها دولة ديمقراطية مستقلة، وتتولى المملكة المتحدة مسؤولية الدفاع عنها بصورة رئيسة، وأشرفت بريطانيا عليها منذ عام 1833 باستثناء مدة وجيزة خلال حرب 1982.
وصوّت سكان الجزر بأغلبية ساحقة لصالح الحفاظ على هذا الارتباط مع بريطانيا، إذ صوّت 1513 من أصل 1517 في استفتاء عام 2013 لصالح البقاء إقليمًا ما وراء البحار.
لكنهم أظهروا استقلاليتهم في سياسة الطاقة، إذ رفضت جزر فوكلاند طلب الحكومة البريطانية التصديق على اتفاقية باريس للمناخ، التي تلتزم بموجبها الدول بخفض انبعاثاتها من الوقود الأحفوري للحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض دون 1.5 درجة مئوية.
وفي عام 2024، صوّتت الجزر أيضًا لصالح دعم تطوير النفط، وستفرض حكومة جزر فوكلاند رسومًا بنسبة 9% على الإيرادات، بالإضافة إلى ضريبة شركات بنسبة 26% على الأرباح.
وأعقب هذه الإعلانات تصعيدٌ في التصريحات الأرجنتينية، فقد حذّر الرئيس "ميلي" المملكة المتحدة صراحةً من أن إدارته ستدافع عن سيادة الأرجنتين الإقليمية "بكل قوة".
وحظي "ميلي" بدعم دونالد ترمب، الذي حذّر من أن إدارته تُراجع بجدية الموقف الأميركي التقليدي، المحايد رسميًا، بشأن سيادة جزر فوكلاند؛ ما أثار شكوكًا حول تفكير الرئيسين في إبرام صفقات مستقبلية بشأن نفط جزر فوكلاند.

وفي الوقت الراهن، يتمسك وزير الخارجية البريطاني الجديد إد ميليباند بموقفه، فقد صرّح مكتبه قائلًا "حق سكان الجزر في تقرير مصيرهم هو الأهم"، ما يعني أن مستقبل جزر فوكلاند ونفطها أصبح من القضايا القليلة التي يتفق عليها معظم السياسيين البريطانيين إلى حدٍ ما.
ويُؤدي تصاعد التوتر إلى وضع "ميليباند" في موقف حرج، إذ يُضطر إلى الدفاع عن مشروع تطوير حقل نفطي جديد، في حين بذل قصارى جهده في منصبه السابق (وزيرًا للطاقة) لعرقلة مشروعات النفط في بحر الشمال بصورة نهائية، بحسب ما نقلته صحيفة "ذا تيليغراف" (The Telegraph).
وقال وزير الطاقة في حكومة الظل أندرو بوي إنه يجب رفض مزاعم الأرجنتين، لكنه أشار إلى التناقض في دعم حزب العمال مشروعات النفط في جزر فوكلاند، في حين يُعرقل مشروعات النفط في بحر الشمال.
وتابع: "جزر فوكلاند بريطانية.. المفارقة الكبرى هنا هي أن الحكومة البريطانية تسمح لجزر فوكلاند باستغلال مواردها الطبيعية الهائلة المتاحة لها، في أراضيها البريطانية في جنوب المحيط الأطلسي، في حين تعوق صناعة النفط والغاز في بحر الشمال".
كما شدد على أنه "من حق جزر فوكلاند بالطبع أن تستفيد من ثروات مياهها، ولكنني أتمنى لو تسمح الحكومة البريطانية لصناعتنا المحلية بفعل الشيء نفسه".
موضوعات متعلقة..
- أوبك: إنتاج النفط الصخري في الأرجنتين قد يقفز إلى 1.8 مليون برميل يوميًا
- إغلاق مصافي النفط في بريطانيا يزيد اعتماد البلاد على الواردات (تقرير)
- نقص الغاز في بريطانيا يهدد بأزمة وقود خلال الشتاء (تقرير)
نرشح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية
- 3 دول تقود صفقات الحفر العربية في أغسطس 2026 (مسح)
- أنس الحجي: أزمة مضيق هرمز أوجدت 4 مديرين لأسواق النفط
المصدر:





