أسواق الطاقة خلال حرب إيران.. 6 أشهر تحت وطأة اضطرابات هرمز (ملف خاص)
أحمد شوقي - مي مجدي

دخلت أسواق الطاقة خلال حرب إيران واحدة من أعتى صدمات الإمدادات في التاريخ الحديث، خصوصًا مع تحوّل مضيق هرمز إلى محور الأزمة.
وبعد 6 أشهر، ما تزال الأوضاع هشّة، ولا تلوح في الأفق أي انفراجة؛ إذ يُصدَّر النفط والغاز، لكن بكميات أقلّ بكثير من قبل الحرب، وأسعار الوقود مرتفعة للغاية، ونمو الاقتصاد العالمي يتباطأ.
ويمر عبر المضيق عادة نحو 20% من تجارة النفط والغاز المسال، فضلًا عن كونه ممرًا حيويًا لسلاسل توريد سلع إستراتيجية، مثل الهيليوم والأسمدة والأمونيا، إلى جانب الألومنيوم والصلب، ما يُنذر بأزمة اقتصادية تتجاوز النفط والغاز، بحسب تحليل وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن).
ومنذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ألقى تعطل الملاحة في المضيق بظلاله على أسواق الطاقة، إذ ارتفعت تكاليف الإمدادات المنقولة بحرًا، وتسابقت الدول المستوردة نحو بدائل أكثر تكلفة.
وقدّر مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف التكاليف الإضافية على مستوردي النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز المسال بأكثر من 330 مليار دولار بين مارس/آذار وأغسطس/آب 2026.
وكشفت اضطرابات أسواق الطاقة خلال حرب إيران تفاوتًا صارخًا في قدرة الدول والمناطق على الصمود، ففي الوقت الذي استنزفت فيه ميزانيات المستوردين في آسيا وأوروبا وأفريقيا، حصدت بعض الدول المنتجة ثمار صعود الأسعار.
في المقابل، بزغ نجم الطاقة النظيفة، إذ أثبتت المشروعات المضافة خلال السنوات الماضية قدرتها على تقليل الحاجة إلى الوقود الأحفوري المستورد، وتوفير قدر من الحماية أمام تقلبات السوق العالمية.
وبينما وفّرت بعض التدابير ملاذًا قصير الأجل للمستهلكين، أظهرت الأزمة أن تقليل الاعتماد على الواردات وتنويع مزيج الطاقة يتحولان من أهداف بيئية إلى ركائز لتعزيز أمن الطاقة.
تأثر أسواق الطاقة خلال حرب إيران
في السطور الآتية، تستعرض وحدة أبحاث الطاقة أبرز التداعيات التي طالت أسواق الطاقة خلال حرب إيران على مدار الأشهر الـ6 الماضية.
ويتضمّن هذا الملف، آثار الأزمة في أسواق النفط والغاز وأبرز الرابحين والخاسرين، وكيف كانت الطاقة النظيفة حائط صدّ لبعض الدول أمام ارتفاع أسعار الوقود.
أسواق النفط خلال حرب إيران
-
ارتفاع أسعار النفط الخام والوقود
ارتفعت أسعار النفط بنسبة 25% لخام برنت، وبنحو 28% لخام غرب تكساس الأميركي، منذ بداية الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، وحتى نهاية أغسطس/آب 2026.
ورغم أنه ارتفاع كبير، فإن حجم التقلبات التي شهدتها الأسعار خلال 6 أشهر كان أكبر؛ فقد تأرجح خام برنت بين 70 دولارًا و120 دولارًا، كما يستعرض الرسم البياني الآتي:

وأغلق خام برنت جلسة 27 فبراير/شباط -قبل الحرب- عند 72.48 دولارًا للبرميل، ومع اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ارتفعت الأسعار تدريجيًا حتى بلغت ذروتها عند 119.50 دولارًا خلال تعاملات الإثنين 9 مارس/آذار، لكنها تراجعت في نهاية اليوم نفسه تحت 99 دولارًا.
وهدأت الأسعار بعدما قررت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية سحب أكثر من 400 مليون برميل من النفط من المخزونات الإستراتيجية، منها 172 مليون برميل من الولايات المتحدة فقط، في إجراء غير مسبوق لمواجهة اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز.
ومع تصاعد الضربات العسكرية، عاود خام برنت الارتفاع الكبير، ليحقّق في الشهر الأول للحرب أعلى مكاسب شهرية على الإطلاق، بلغت 46 دولارًا، ما يعادل 63%، بعدما أغلق شهر مارس/آذار عند 118.35 دولارًا للبرميل.
ولم يصل سعر خام برنت لهذا المستوى منذ ذلك الحين، إذ تكيّفت الأسواق مع ضبابية الوضع في المنطقة، وشهدت الأسعار موجات صعود وهبوط، متأثرةً بعدّة عوامل، على رأسها: اتفاقات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران خُرِقت عدّة مرات، وحصار أميركي على المواني الإيرانية، ونجاح بعض دول الخليج في التصدير عبر طرق بديلة، وتراجع الطلب مع تخفيض الصين وارداتها من الخام.
يمكن تلخيص تحركات سعر خام برنت خلال الأشهر الـ6 من حرب إيران على النحو الآتي:
- قبل الحرب (27 فبراير/شباط): 72.48 دولارًا.
- أول يوم تداول بعد اندلاع الحرب (2 مارس/آذار): 77.74 دولارًا.
- أعلى مستوى خلال الحرب (31 مارس/آذار): 118.35 دولارًا.
- أقل مستوى خلال الحرب (1 يوليو/تموز): 71.57 دولارًا.
- نهاية 6 أشهر من الحرب (31 أغسطس/آب): 90.49 دولارًا.
أمّا أسعار الوقود فقد ارتفعت بصورة كبيرة، خصوصًا الديزل، لتكون تداعياتها هي الأكثر تأثيرًا في أسواق الطاقة خلال حرب إيران، متجاوزةً قفزات أسعار النفط الخام، مع انقطاعات كبيرة في مصافي التكرير بالشرق الأوسط من جهة، وتضرّر المصافي الروسية جراء الهجمات الأوكرانية من جهة أخرى.
فمقارنة بمتوسط 93 دولارًا لأسعار الخام ارتفع متوسط أسعار الديزل بالجملة عالميًا بنسبة 59% إلى 161 دولارًا للبرميل خلال المدة من مارس/آذار إلى أغسطس/آب 2026، مقارنة بتوقعات أسواق العقود الآجلة قبل الحرب (101 دولار).
كما صعد متوسط أسعار البنزين بنسبة نحو 43% خلال المدة نفسها إلى 133 دولارًا للبرميل، مقابل 93 دولارًا في توقعات قبل الحرب، وفق بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف.
وارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 59%، وقفزت أسعار غاز النفط المسال بصورة كبيرة، مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط، خاصة السعودية، من 1.5 مليون برميل يوميًا في 2025 إلى 0.3 مليونًا في الشهر الأول للحرب، ما أضر بنحو 3.4 مليار نسمة حول العالم يعتمدون عليه في الطهي، منهم نحو 1.14 مليار نسمة في الهند وحدها.
ونتيجة لارتفاع أسعار النفط الخام والوقود عالميًا، بلغت التكلفة الإضافية على الدول المستوردة نحو 293.6 مليار دولار في 6 أشهر، توزعت حسب نوع الوقود على النحو الآتي، اعتمادًا على حجم الواردات والسعر:
- النفط الخام: 164.1 مليار دولار.
- الديزل: 73.8 مليار دولار.
- البنزين: 35.7 مليار دولار.
- وقود الطائرات: 20 مليار دولار.
ويوضح الرسم البياني الآتي، الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة، قائمة الدول الأكثر تضررًا من حرب إيران والتكلفة الإضافية التي تكبّدتها خلال المدّة من مارس/آذار إلى أغسطس/آب 2026، حسب أنواع الوقود:

-
صادرات النفط وأبرز الرابحين والمتضررين
أدّى الإغلاق شبه الكلي لمضيق هرمز، الذي يمثّل 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى تراجع صادرات العالم من النفط الخام المنقول بحرًا بنسبة 9%، ما يعادل 3.9 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الـ6 الأولى من حرب إيران، لتصل إلى 38.22 مليونًا، بحسب بيانات وحدة أبحاث الطاقة.
وانخفض عدد السفن المارة عبر مضيق هرمز إلى 40 سفينة أسبوعيًا (أكثر من نصفها ناقلات نفط وغاز) خلال المدة من 28 فبراير/شباط إلى 16 أغسطس/آب 2026، مقارنة بـ422 سفينة أسبوعيًا قبل الحرب (أول شهرَيْن من العام)، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.
وفي الوقت الذي انهارت فيه صادرات دول الشرق الأوسط المارة عبر المضيق (الكويت والعراق وقطر والإمارات والسعودية وإيران)، استفادت عدّة دول من الأزمة ورفعت صادراتها، على رأسها الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل، ما خفّف من الأثر الكبير لعرقلة مرور الإمدادات عبر هرمز.
وعلى الرغم من تحول المنتجين في الخليج إلى تخزين النفط مؤقتًا، فمع استمرار أزمة هرمز ووصول مرافق التخزين إلى طاقاتها القصوى، اضطرت الدول إلى خفض الإنتاج.
- أكبر المتضررين
في الأشهر الـ6 الأولى من حرب إيران، تراجعت صادرات دول الشرق الأوسط (السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان والعراق وإيران) من الخام المنقول بحرًا إلى 9.89 مليون برميل يوميًا، مقابل 16.68 مليونًا في المدة نفسها من 2025، بانخفاض 41%.
وتوضح القائمة الآتية الدول الأكثر انخفاضًا من حيث النسبة المئوية خلال المدة من مارس/آذار إلى أغسطس/آب 2026:
- العراق: 76.1%.
- الكويت: 65.2%.
- قطر: 63.9%.
- إيران: 36.8%.
- السعودية: 32.9%.
- الإمارات: 12.3%.
- سلطنة عمان: 12.2%.
ومن حيث حجم الصادرات، يستعرض الرسم البياني الآتي من بيانات وحدة أبحاث الطاقة، صادرات دول الشرق الأوسط خلال الأشهر الـ6 الأولى من حرب إيران، مقارنة بالمدة نفسها من 2025:

القائمة أعلاه أكبر دليل على أهمية تنوّع مسارات التصدير، فالعراق الأكثر تضررًا لكونه يُصدر 90% من شحنات الخام بحرًا عبر مضيق هرمز، وسعى خلال الأزمة إلى تعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب المتصل بميناء جيهان التركي من جهة، إلى جانب تصدير زيت الوقود برًا إلى سوريا ومن ثم إلى الأسواق العالمية، مع التفكير في إنشاء خط أنابيب لنقل الخام.
بينما الكويت وقطر لا تملكان أي مسار للتصدير سوى عبر مضيق هرمز، وهذا ما جعل، على سبيل المثال، صادرات الكويت تسجل "صفرًا" في شهر مايو/أيار 2026.
أمّا إيران فرغم أنها عزّزت صادراتها في الأشهر الأولى من الحرب، فإنها هبطت بشدة بداية من مايو/أيار المنصرم مع الحصار الأميركي على المواني الإيرانية.
في المقابل، كان الضرر من إغلاق مضيق هرمز أقلّ حدة في السعودية والإمارات وسلطنة عمان، فالمملكة تمتلك خط أنابيب (شرق-غرب) يربط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع على البحر الأحمر، بقدرة 7 ملايين برميل يوميًا، ورفعت صادراتها عبره من 700 ألف برميل يوميًا في 5 مارس/آذار 2026، إلى 4.1 مليونًا بحلول يوم 20 من الشهر نفسه.
وعلى النهج نفسه، عزّزت الإمارات اعتمادها على خط أنابيب نفط (حبشان-الفجيرة) لتجاوز هرمز، بطاقة استيعابية تتراوح من 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا، وتعمل -حاليًا- على إنشاء خط جديد بقدرة 1.5 مليونًا يُسمّى (غرب-شرق).
أمّا سلطنة عمان فتمتلك مواني مستقلة تقع على بحر العرب بعيدة عن مضيق هرمز، ما منحها قدرتها على تجاوز التوترات الإقليمية.
- أكبر الرابحين
تؤكد البيانات كافّة أن الولايات المتحدة أكبر الرابحين من تداعيات حرب إيران؛ فقد ارتفعت صادراتها من النفط الخام المنقول بحرًا بأكثر من 23% إلى 4.46 مليون برميل يوميًا، خلال الأشهر الـ6 الأولى من الحرب، بل سجلت مستويات شهرية غير مسبوقة في مايو/أيار المنصرم بلغت 5.64 مليونًا.
كما استفادت المصافي الأميركية بصورة كبيرة، وعزّزت صادراتها من المنتجات النفطية، خاصة الديزل، وسط نقص حاد في الأسواق العالمية.
أمّا روسيا -التي كانت تُكافح لتصدير نفطها بسبب العقوبات الغربية- فقد رفعت صادراتها خلال المدّة نفسها بنسبة 12% إلى 5.69 مليون برميل يوميًا، مستفيدة من تخفيف بعض العقوبات الأميركية.
-
الطلب على النفط
مع الانخفاض الحاد في إمدادات النفط من دول الشرق الأوسط، تراجع الطلب على النفط عالميًا إلى 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من العام الجاري، كما انخفض 2.8 مليونًا في الربع الثالث، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وتتوقع الوكالة الدولية انكماش الطلب على النفط في 2026 بنحو 1.55 مليونًا، وهي التوقعات الأكثر تشاؤمًا بين المؤسسات الكبرى الفاعلة في السوق، كما يرصد الجدول الآتي، وفق أحدث البيانات الشهرية:

ومع نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، لجأت العديد من الدول إلى خفض الطلب ومن ثم الواردات، على رأسها الصين، فقد انخفضت وارداتها بأكثر 27% إلى 7.54 مليون برميل يوميًا في الأشهر الـ6 الأولى من حرب إيران، مقارنة بـ10.33 مليونًا في المدة نفسها من 2025.
وفي يونيو/حزيران 2026، انخفضت واردات الصين لأقل من 6 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ 10 سنوات تقريبًا.
أسواق الغاز المسال خلال حرب إيران
شهدت أسواق الغاز المسال خلال حرب إيران اضطرابًا غير مسبوق، بعدما أدى تعطل الملاحة عبر المضيق إلى تقييد صادرات قطر والإمارات، أحد أكبر الموردين عالميًا، ودفع المشترين في آسيا وأوروبا للبحث عن شحنات بديلة.
-
صادرات الغاز المسال
خلال الأشهر الـ6 الأولى من الصراع، تراجع إجمالي صادرات الغاز المسال العالمية بنسبة 6% على أساس سنوي، لتسجّل 195.5 مليون طن، حيث حالت إمدادات بديلة من دول أخرى دون اتساع الفجوة.
وتُظهر بيانات وحدة أبحاث الطاقة أن صادرات قطر، التي كانت توفّر نحو خُمس الإمدادات العالمية قبل الحرب، تراجعت خلال هذه المدة إلى 18 شحنة، مقابل 509 شحنات في المدة نفسها من العام الماضي، بانخفاض يقارب 96%.
ومن مارس/آذار وحتى نهاية أغسطس/آب 2026، تراجعت صادرات قطر من الغاز المسال إلى 5.9 مليون طن، مقابل 40 مليونًا في المدة المقابلة من العام الماضي.
وعلى أساس شهري، سجّلت الصادرات أكبر تراجع سنوي في أبريل/نيسان الماضي بنسبة 92%، إذ انخفضت إلى 457 ألف طن، وأعقب ذلك تعافٍ تدريجي لكنه محدود، كما يوضح الرسم البياني أدناه:

أما الإمارات فقد هبط إجمالي صادرات الغاز المسال بنسبة 54% على أساس سنوي، لتبلغ 1.1 مليون طن، خلال الأشهر الـ6 الأولى من حرب إيران.
وفي المقابل، قفزت صادرات الولايات المتحدة بنحو 21% على أساس سنوي إلى 63 مليون طن، لتصبح أحد روافد السوق في مواجهة نقص الإمدادات، ولا سيما في آسيا، وفق الرسم البياني الآتي:

-
ارتفاع أسعار الغاز المسال وتأثيره في الدول المستوردة
في الوقت نفسه، ارتفع متوسط أسعار الغاز المسال بحوض المحيط الهادئ 75% فوق مستويات التوقعات ما قبل الحرب، إلى 18.62 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقابل 10.62 دولارًا.
كما ارتفعت أسعار الغاز في حوض الأطلسي بنحو 60%، لتسجل 16.99 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بـ10.65 دولارًا قبل الحرب.
ونتيجة لذلك، بلغت التكلفة الإضافية التي تحمّلها مستوردو الغاز المسال عالميًا نحو 38 مليار دولار.
وتوزّعت بين 21.5 مليار دولار في حوض الأطلسي و16.5 مليار دولار في المحيط الهادئ، كما يظهر الرسم البياني الآتي:

وتمثّل مصر أبرز الدول المتأثرة في المنطقة العربية، حيث ارتفعت تكلفة فاتورة واردات الغاز المسال خلال هذه الأشهر الـ6 الأولى من الحرب إلى 2.6 مليار دولار.
وخلال هذه الأشهر، ارتفعت واردات مصر إلى 7.5 مليون طن، مقارنة بقرابة 4 ملايين في المدة نفسها من 2025.
وعالميًا، كانت اليابان أبرز المتضررين، إذ قفزت التكلفة الإضافية 3.8 مليار دولار، وتحمّلت اليابان والصين وكوريا الجنوبية 64% من التكلفة البالغة 16 مليار دولار.
وعلى مدار الأشهر الـ6 الماضية، كانت باكستان من بين الدول الآسيوية المتضررة من اضطرابات هرمز، إذ تراجعت الواردات من 3.4 مليون طن خلال المدة المقابلة من عام 2025 إلى قرابة مليون طن، بانخفاض يقارب 71%.
وتعتمد إسلام آباد على الواردات القطرية بموجب عقود طويلة الأجل، لكنها لجأت إلى السوق الفورية مع استمرار الاضطرابات، واشترت في يوليو/تموز أغلى شحنة غاز مسال منذ 4 سنوات.
أمّا بنغلاديش، ورغم كمية وارداتها من الغاز المسال لم تتأثر كثيرًا (انخفضت 7% فقط)، فإن ميزانياتها تكبّدت تكاليف ضخمة، حيث لجأت إلى السوق الفورية، واقتنصت القدر الأكبر من أغلى 10 شحنات غاز مسال في 2026، منها شحنة بسعر 28 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
دور الطاقة النظيفة ومكاسبها خلال حرب إيران
استفادت الطاقة النظيفة من حرب إيران، بعدما تحولت من قضية مناخية إلى أداة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل التعرّض لتقلبات أسواق الوقود.
وتظهر أحدث البيانات أن التوسّع في توليد الكهرباء النظيفة منذ 2020 مكّن الدول المستوردة من تجنّب 36 مليار دولار من واردات الفحم والغاز والنفط خلال الأشهر الـ5 الأولى من الأزمة، منها 22 مليار دولار للغاز، و10 مليارات دولار للفحم، و5 مليارات دولار للنفط.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تصبح الطاقة المتجددة المصدر الرئيس لتوليد الكهرباء عالميًا للمرة الأولى خلال العام الجاري، مع نمو توليد الكهرباء المتجددة 8.5%، مقابل 1.4% للفحم، وفق الرسم أدناه:

وعلى صعيد القطاعات، استفادت الطاقة الشمسية على الأسطح منذ اندلاع الأزمة بفضل انخفاض تكلفة التركيب وسرعة التنفيذ، خاصة في الفلبين وأستراليا وأوروبا.
كما اقتربت مبيعات السيارات الكهربائية الشهرية من الضعف في الفلبين وإندونيسيا خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2026، وسجّلت الهند نحو 30 ألف سيارة كهربائية شهريًا، مقابل أقل من 20 ألف وحدة خلال المدة نفسها من 2025.
وفي هذا السياق، سلّطت أزمة الطاقة الأخيرة الضوء على هشاشة الدول والمناطق المعتمدة على واردات النفط والغاز، ورفعت قيمة تنويع مصادر الطاقة.
على سبيل المثال، أثبت قطاع الطاقة في الصين قدرة على الصمود خلال الشهور الأخيرة رغم اعتماده هيكليًا على واردات النفط والغاز، بفضل سياسة وضعت أمن الطاقة في الصدارة.
وساعدت مشروعات الطاقة النظيفة المضافة منذ 2020 البلاد على تجنّب نحو 7.9 مليار دولار من واردات النفط والغاز بين مارس/آذار إلى يوليو/تموز 2026.
بالإضافة إلى ذلك، سجّلت بكين 5 أشهر متتالية من الصادرات القياسية لتقنيات الطاقة النظيفة منذ بداية الحرب، قبل أن تتراجع لاحقًا.
في المقابل، ارتفعت قيمة صادرات بطاريات الليثيوم الصينية 30% على أساس سنوي إلى 9.4 مليار دولار في يوليو/تموز 2026.
وتجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن التي تصدّرها الشركات الصينية إلى الأسواق الخارجية نصف مليون سيارة في يوليو/تموز 2026، بزيادة تقارب 150% على أساس سنوي.
على النقيض، تكشف اليابان وكوريا الجنوبية عن الوجه الآخر للأزمة، إذ كان نحو 90% من إمدادات النفط اليابانية و70% من إمدادات كوريا الجنوبية يمر عبر المضيق قبل الحرب.
واضطرت الدولتان إلى اللجوء لاحتياطيات النفط، وزيادة الاعتماد على الفحم وشراء شحنات غاز مسال فورية مرتفعة التكلفة للحفاظ على استقرار الكهرباء، ما فرض زاوية جديدة للنظر إلى الطاقة النظيفة.
ففي كوريا الجنوبية، أصبح أمن الطاقة جزءًا من سياسة التحول، وربطت الحكومة الصراع بخطة تستهدف الوصول إلى 100 غيغاواط من الطاقة المتجددة وأكثر من 20% من توليد الكهرباء المتجددة بحلول 2030، إلى جانب الاستثمار في الشبكات والتخزين والكهربة والسيارات الكهربائية.
أما اليابان فدعّمت الأزمة مبررات إعادة تشغيل الطاقة النووية وزيادة المصادر المتجددة المحلية ضمن إستراتيجية الطاقة حتى 2040.
وساعدت مشروعات الطاقة النظيفة، التي أُضيفت منذ 2020، اليابان على تجنّب نحو 4.9 مليار دولار خلال مارس/آذار وحتى يوليو/تموز 2026.
نظرة على تداعيات الحرب حسب المناطق
-
أوروبا
سبق للأزمة الناجمة عن حرب أوكرانيا أن دفعت أوروبا إلى تقليل الاعتماد على الغاز الروسي وتسريع مشروعات الطاقة النظيفة.
ومع ذلك، جاءت أزمة هرمز لتضيف العديد من المخاطر، خاصة أن الاتحاد الأوروبي تحمّل 54 مليار دولار من صافي التكلفة الإضافية للوقود الأحفوري بين مارس/آذار وأغسطس/آب.
وأصبحت الطاقة المتجددة توفّر 35% من الكهرباء في 5 من الأسواق الأوروبية الرئيسة، ارتفاعًا من 24% في 2021.
وحاليًا، تركز الاستجابة للحرب على حماية المستهلكين من ارتفاع التكاليف بدلًا من تسريع التحول إلى مصادر طاقة بديلة، وهو ما يوفّر متنفسًا قصير الأجل، لكنه يُضعف الحوافز لخفض استهلاك الوقود الأحفوري ويزيد الضغط على المالية العامة.
-
الشرق الأوسط وأفريقيا
أما منطقة الشرق الأوسط فكشفت الحرب عن أن تداعياتها على منتجي النفط ترتبط بقدرتهم على تجاوز مضيق هرمز.
فقد استفادت السعودية والإمارات من قدرات تصدير تتجاوز المضيق، وسلطنة عمان بفضل وصولها المباشر إلى المحيط، في حين واجهت دول أخرى خيارات محدودة.
ومع تحول مرونة الإمدادات وتقليل مخاطر هرمز إلى أولوية إقليمية، يمكن للطاقة الشمسية والرياح وتخزين الكهرباء خفض استهلاك الوقود الأحفوري محليًا في قطاع الكهرباء، وإتاحة كميات أكبر للتصدير.
بالإضافة إلى ذلك، أدت الحرب إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض في المنطقة، ما أضعف الجدوى الاقتصادية لمشروعات الطاقة النظيفة على المدى القصير، وقد يدفع بعض المشروعات إلى التأجيل، لكنها قد تتحول إلى حافز طويل الأجل أمام مرحلة جديدة من نمو الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط.
أمّا أفريقيا فالتداعيات أكبر، فقد تحمّلت 32 دولة من أصل 41 دولة أفريقية تكاليف إضافية لواردات النفط والغاز المسال والمنتجات النفطية بلغت 21.9 مليار دولار بين مارس/آذار وأغسطس/آب، وفق الرسم أدناه:

وتزداد وطأة الصدمة لاعتماد نسبة كبيرة من المنازل والشركات على مولدات البنزين والديزل، التي ارتفعت تكلفة تشغيلها مع صعود أسعار الوقود، ما فاقم أزمات الإمدادات في العديد من الدول.
وعلى غرار ما حدث خلال أزمة الكهرباء في جنوب أفريقيا عام 2022 وإلغاء نيجيريا لدعم الوقود في 2023، دفعت الحرب الطلب على الطاقة الشمسية إلى مستويات قياسية، حيث أسهم انخفاض أسعار معدات الطاقة الشمسية، خاصة الصينية، في تعزيز الطلب.
وارتفعت واردات أفريقيا من معدات الطاقة الشمسية الصينية 37% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالنصف الأول من 2025، وهو أكبر معدل نمو بين جميع مناطق العالم خلال المدة نفسها.
ولم تنحصر الطفرة في أسواق أفريقية محددة، بل امتدت عبر القارة من جنوب أفريقيا ونيجيريا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر والمغرب.
-
الأميركتان
بدت أميركا اللاتينية أقل تعرّضًا لتداعيات الحرب بفضل محدودية اعتمادها على واردات النفط.
فقد سجّلت البرازيل والأرجنتين وغايانا إيرادات نفطية قياسية مع ارتفاع الأسعار واتجاه المشترين إلى تنويع مصادر الإمدادات بعيدًا عن الخليج، في حين استفادت تشيلي وبيرو من ارتفاع أسعار النحاس والليثيوم.
وأدت تداعيات حرب إيران إلى تسارع نمو السيارات الكهربائية، بفعل خفض رسوم الاستيراد والحوافز الضريبية وتراجع أسعار البطاريات.
وقفزت مبيعات السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات في البرازيل من أكثر من 15 ألف سيارة في أبريل/نيسان إلى أكثر من 25 ألفًا في يوليو/تموز، في حين بلغت واردات السيارات الكهربائية الصينية نحو 166 ألف سيارة كهربائية خالصة وهجينة قابلة للشحن خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار.
وتمكّنت الولايات المتحدة من امتصاص تداعيات الحرب حتى الآن، بفضل وفرة إنتاج الغاز الطبيعي محليًا ووصول محطات تصدير الغاز المسال إلى طاقتها القصوى، ما ساعد على استقرار أسعار الغاز والكهرباء نسبيًا.
وفي المقابل، استفاد منتجو النفط والمصافي الأميركية من ارتفاع أسعار الوقود، لكن الزيادة نفسها غذّت التضخم وأثارت استياء المستهلكين.
ومع ارتفاع أسعار البنزين، زاد الإقبال على السيارات الهجينة التقليدية والسيارات الكهربائية المستعملة، لكن انتهاء الدعم الفيدرالي السخي لشراء السيارات الكهربائية الجديدة حدّ من الطلب.
وفي كندا، تسارع التحول في قطاع النقل والكهرباء النظيفة مع نمو مبيعات السيارات الكهربائية، بالتزامن مع سعي أوتاوا إلى الاستفادة من ارتفاع الطلب العالمي على النفط والغاز من خارج الشرق الأوسط.
-
أستراليا
نجت أستراليا نسبيًا من التداعيات الكارثية للحرب الإيرانية، لكنها لم تسلم من آثارها.
فمع ارتفاع أسعار البنزين والديزل، بدأ أول نظام للسيارات الكهربائية في أستراليا يُؤتي ثماره، لتقترب مبيعات السيارات الكهربائية خلال النصف الأول من 2026 من إجمالي مبيعات عام 2025 بأكمله.
ومع تراجع دعم السيارات الكهربائية واستمرار الحرب، تتزايد المخاوف بشأن تأمين شحنات نفط منخفضة التكلفة، خاصة أن النقل والزراعة والموارد ما تزال شديدة التأثر بالأسعار العالمية.
اقرأ أيضًا..
- ملف حقول النفط والغاز العربية والعالمية
- ملف الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة






تحليل ممتاز