أنسيات الطاقةالتقاريرالحرب الإسرائيلية الإيرانيةتقارير النفطسلايدر الرئيسيةملفات خاصةنفط

السيناريو الأسوأ لأزمة الديزل العالمية ومضيق هرمز.. قراءة بالأرقام (تقرير)

أحمد بدر

تتداخل تداعيات مضيق هرمز مع اضطرابات أسواق النفط والديزل العالمية، في أزمة تتجاوز تعطل الإمدادات المباشرة، لتكشف نقصًا في أنواع محددة من الخام اللازمة للتكرير، وتضع الأسواق أمام سيناريو أكثر تعقيدًا خلال المدة المقبلة.

وكشف مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن أزمة الديزل الحالية لا ترتبط فقط بخسائر المصافي، موضحًا أن فقدان الخام المتوسط الحامض يمثّل تحديًا يصعب تعويضه سريعًا.

وأوضح أن المضيق أدى إلى فقدان كميات كبيرة من النفط المتوسط الحامض، بالتزامن مع خسائر مماثلة نجمت عن استهداف المواني الروسية، ما قلّص قدرة مصافٍ أخرى على تعويض جزء من إمدادات الديزل المفقودة.

وأشار إلى أن مضيق هرمز كشف اختلافًا كبيرًا بين أنواع الخام وقدرتها على إنتاج المشتقات، مؤكدًا أن النفط الخفيف الحلو، ومنه الخام الصخري الأميركي، يناسب إنتاج البنزين والنافثا أكثر من الديزل.

جاءت تصريحات أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، قدّمها الثلاثاء 18 أغسطس/آب عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "هرمز وأزمة الطاقة.. دروس جديدة في إدارة أسواق النفط العالمية".

خسائر الخام المتوسط تعقد تعويض إمدادات الديزل

قال أنس الحجي، إن العالم يمتلك أنواعًا متعددة من النفط، لكن إنتاج الديزل يحتاج بصورة أكبر إلى الخام المتوسط، سواء كان حلوًا أو حامضًا، في حين يمثل الخام المتوسط الحامض الجزء الأكبر من الإمدادات العالمية المناسبة لهذا الغرض.

وأكد أن خسائر مضيق هرمز لم تقتصر على المصافي الموجودة في الخليج، كما شملت المصافي الروسية، لكن مصافي الهند والصين ودول أخرى تستطيع إنتاج الديزل، بشرط تَمكُّنها من الحصول على الخام المناسب لعمليات التكرير.

وأوضح أن المصافي العالمية الأخرى لا تستطيع تعويض جميع الخسائر الناجمة عن اضطرابات الإمدادات، لأن المشكلة الأساسية تكمن في توافر الخام المتوسط، وغالبًا المتوسط الحامض، وهو النوع الذي فقدته الأسواق من مصادر رئيسة خلال الأزمة.

صادرات النفط عبر مضيق هرمز

وبيّن خبير اقتصادات الطاقة أن استهداف المواني الروسية أدى بدوره إلى فقدان كميات من النفط المتوسط الحامض، ما زاد الضغط على سوق الديزل، وجعل تعويض الكميات المفقودة أكثر صعوبة، حتى مع استمرار عمل مصافٍ في دول أخرى.

وأشار الحجي إلى أن مضيق هرمز طرحَ كذلك تساؤلات بشأن مواقف القوى الكبرى من التطورات، متسائلًا عن أسباب الصمت الأميركي والأوروبي تجاه الخسائر التي تتعرض لها إمدادات النفط الروسية نتيجة الضربات الأوكرانية.

وقال: "الصمت الصيني يمكن تفسيره، في رأيي، بالمكاسب طويلة الأجل التي تحققها بكين من إعادة تنشيط طرق التجارة البرية البديلة، بعدما أدت اضطرابات الممرات البحرية إلى زيادة أهمية تلك المسارات".

وأضاف أن مضيق هرمز أسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز أهمية مشروعات النقل التي طورتها الصين منذ سنوات، إذ أصبحت السكك الحديدية والطرق السريعة عبر باكستان وإيران وآسيا الوسطى أكثر نشاطًا مع تزايد الحاجة إلى طرق بديلة.

وتساءل الحجي عن أسباب صمت الاتحاد الأوروبي أمام أزمة وصفها بالتاريخية، مؤكدًا أن تداعيات اضطراب طرق التجارة وإمدادات الطاقة لا تتوقف عند النفط الخام، بل تمتد إلى المشتقات والاقتصادات المستوردة.

المصافي الأميركية تحقق أرباحًا قياسية

قال أنس الحجي، إن قصة الديزل لا تنتهي عند خسائر المصافي أو نقص الخام، مشيرًا إلى أن المستفيد الأكبر من الأزمة كان المصافي الأميركية، التي سجّل إنتاجها من الديزل وصادراته مستويات وَصَفها بالتاريخية.

وأوضح أن مضيق هرمز لم يكن مصدر الخسائر الوحيد في سوق الديزل، إذ تزامنت التداعيات مع اضطرابات في البحر الأسود وباب المندب، ما ساعد على إعادة تشكيل تدفقات النفط والمشتقات عالميًا.

وأشار إلى أن سعر النفط الأميركي بلغ نحو 85 دولارًا للبرميل، في حين وصلت أرباح المصافي الأميركية من تكرير الخام للحصول على الديزل إلى 105 دولارات، في مستوى وصفه بأنه الأعلى في التاريخ.

مصفاة نفط تابعة لشركة ماراثون بتروليوم في مدينة أناكوريتس الأميركية
مصفاة نفط تابعة لشركة ماراثون بتروليوم في مدينة أناكوريتس الأميركية – الصورة من رويترز

وبيّن أنس الحجي أن هوامش أرباح المصافي كانت تدور عادةً حول 15 أو 14 أو 12 دولارًا للبرميل، وقد تنخفض أحيانًا إلى 8 أو 7 دولارات، لكن وصولها إلى 105 دولارات يمثّل تحولًا استثنائيًا.

وقال، إن مضيق هرمز كان جزءًا من مجموعة أزمات بحرية استفادت منها الولايات المتحدة، إذ أتاحت اضطرابات الإمدادات الخارجية للمصافي الأميركية فرصًا أكبر لتلبية الطلب العالمي على الديزل وتحقيق هوامش ضخمة.

وكشف أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السحب من المخزون الإستراتيجي كان عاملًا رئيسًا في تمكين المصافي الأميركية من الاستفادة من الوضع، بعدما سُحِب نحو 172 مليون برميل من المخزونات الإستراتيجية.

وأضاف أن المخزون الإستراتيجي الأميركي يحتوي على نوعين من النفط، الخفيف والمتوسط، وأن المصافي استعملت الخام المتوسط في إنتاج الديزل وتصديره إلى الأسواق العالمية، وهو ما دعمَ أرباحها خلال الأزمة.

سيناريو أسوأ مع تراجع المخزونات وبدء الصيانة

حذّر أنس الحجي من أن مضيق هرمز قد يتحول إلى عامل أكثر تأثيرًا في أزمة الديزل إذا استمرت الاضطرابات، موضحًا أن الكميات المتبقية القابلة للسحب من المخزون الإستراتيجي الأميركي لن تكون كافية لدعم المصافي طويلًا.

وقال، إن نحو 50 مليون برميل فقط تبقّى للسحب من المخزون الإستراتيجي، متوقعًا أن يكون الجزء المتوسط من الكميات المسحوبة في حدود 10 إلى 15 مليون برميل، ما يعني قرب نفاد أداة الدعم الأساسية للمصافي.

وأوضح أن السؤال الأهم بعد ذلك سيكون عن مصدر الخام المتوسط الحامض، في ظل استمرار الضربات الأوكرانية على روسيا، وعدم قدرة منتجين آخرين على زيادة الإمدادات بالسرعة المطلوبة لتعويض النقص في الأسواق العالمية.

المخزون النفطي الإستراتيجي
جانب من المخزون النفطي الإستراتيجي الأميركي - الصورة من tankstoragemag

يقول مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، إن إنتاج فنزويلا من النفط الثقيل، الذي يمكن أن يسهم في دعم إنتاج الديزل، وصل إلى أقصى مستوياته تقريبًا، كما أن كندا ودول أميركا اللاتينية والبرازيل لا تملك مساحة كبيرة لزيادة الإنتاج.

وأكد أن مضيق هرمز يأتي ضمن أزمة أوسع تتعلق بمحدودية القدرة الإنتاجية العالمية، مشيرًا إلى أن معظم المنتجين يعملون عند مستويات مرتفعة، ما يقلّص قدرة السوق على الاستجابة السريعة لأيّ فقد إضافي في الإمدادات.

وبيّنَ أن المشكلة الثانية ترتبط بدخول المصافي، خصوصًا الأميركية، موسم الصيانة في نهاية الصيف، وهي عمليات قد تستغرق من أسبوع إلى ستة أسابيع، ما يوقف شراء الخام ويخفض الطلب عليه مؤقتًا.

ولفت إلى أنّ توقُّف المصافي عن شراء الخام قد يدفع أسعار النفط إلى الانخفاض، لكنّ توقُّف إنتاج الديزل في الوقت نفسه سيزيد الضغط على المخزونات، التي وصفَها بأنها منخفضة جدًا في الولايات المتحدة.

وحذّر من أن استمرار الطلب والتصدير مع توقُّف جزء من الإنتاج قد يؤدي إلى ارتفاع حادّ في أسعار الديزل، حتى مع انخفاض أسعار النفط الخام، وهو سيناريو قد يضع الإدارة الأميركية أمام ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.

ربط أزمة الديزل بالنمو الاقتصادي العالمي

قال أنس الحجي، إن ارتفاع أسعار الديزل أو نقصه لا يمثّل مشكلة لقطاع الطاقة وحده، لأن الديزل يُستعمَل على نطاق واسع في الشاحنات الكبيرة، التي تُمثّل عنصرًا أساسًا في حركة البضائع على الطرق السريعة.

وأوضح أن الاقتصادات الأميركية والأوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على عمليات النقل بالشاحنات، ومن ثم فإن أيّ ارتفاع حادّ في تكلفة الديزل أو نقص في الكميات المتاحة يمكن أن ينتقل سريعًا إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.

وأشار إلى وجود مؤشرات على تراجع معدلات النمو الاقتصادي في مناطق مختلفة من العالم، مؤكدًا أن الأدلة المتاحة أصبحت أكثر وضوحًا بشأن ضعف أداء اقتصادات آسيوية وأوروبية، مع استمرار الضغوط على النشاط الاقتصادي.

وبيّنَ أن الاتحاد الأوروبي لم يدخل في ركود اقتصادي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن الحكومات الأوروبية أنفقت نحو 16 مليار دولار على دعم الوقود للمستهلكين، ما ساعد على احتواء تداعيات الأزمة.

أسعار الديزل العالمية

وتساءل أنس الحجي عن قدرة الحكومات الأوروبية على الاستمرار في تقديم هذه الإعانات لأوقات طويلة، موضحًا أن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال المطلوبة، بل بقدرة الحكومات على مواصلة دعم المستهلكين مع استمرار الضغوط.

وأكد أن مضيق هرمز أصبح جزءًا من منظومة أوسع للأزمات التي تضرب أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وأن استمرار اضطرابات الإمدادات قد يزيد صعوبة السيطرة على أسعار المشتقات رغم انخفاض أسعار الخام.

وختمَ الحجي تحليله بتأكيد أن أزمة الديزل قد تتحول إلى الشرارة التي تفجر أزمة اقتصادية عالمية أكبر، إذا تزامن نقص الخام المناسب للتكرير مع انخفاض المخزونات وتوقُّف المصافي للصيانة.

وشدد على أن السيناريو المقبل قد يكون أكثر سوءًا، في ظل صعوبة توفير الخام المتوسط الحامض، واستمرار اضطرابات الإمدادات، وتراجع مخزونات الديزل، بما يجعل الأسواق أمام مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق