السيارات الكهربائية أم سيارات الهيدروجين.. من يقود مستقبل النقل؟
داليا الهمشري

تبرز السيارات الكهربائية والسيارات العاملة بخلايا وقود الهيدروجين بوصفها من أبرز الحلول المطروحة لخفض انبعاثات قطاع النقل، في ظل التحول العالمي المتسارع نحو مصادر الطاقة النظيفة وتشديد السياسات البيئية الرامية إلى الحدّ من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ويشهد قطاع النقل تحولًا متسارعًا مع تنامي الاستثمارات في تقنيات المركبات منخفضة الانبعاثات، إذ تتنافس البطاريات وخلايا وقود الهيدروجين على أداء دور رئيس في مستقبل التنقل، مع اختلاف واضح بينهما في طريقة تخزين الطاقة وكفاءة استعمالها وتكلفة التشغيل والبنية التحتية اللازمة.
وفي حين قطعت السيارات الكهربائية شوطًا كبيرًا في الانتشار بفضل انخفاض تكاليف البطاريات وتوسُّع شبكات الشحن وارتفاع كفاءة استهلاك الكهرباء، يحتفظ الهيدروجين بمزايا مهمة، أبرزها سرعة التزود بالوقود والمدى الطويل؛ ما يجعله خيارًا محتملًا في بعض تطبيقات النقل التي يصعب تشغيلها بالبطاريات.
ولا تبدو المنافسة بين النوعين محسومة لصالح تقنية واحدة، إذ تشير الاعتبارات الفنية والاقتصادية إلى أن مستقبل النقل المستدام قد يعتمد على تكامل التقنيتين، بحيث تؤدي كل منهما الدور الأنسب لطبيعة الاستعمال، سواء في السيارات الخاصة والمركبات الخفيفة أو الشاحنات والنقل الثقيل والقطاعات التي تتطلب مدى طويلًا وتشغيلًا متواصلًا.
آلية عمل السيارات الكهربائية
قال الباحث بمعهد بحوث الإلكترونيات، الدكتور محمد صابر التهامي، في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، إن السيارات الكهربائية تعتمد على تخزين الكهرباء مباشرة داخل بطاريات الليثيوم أيون، ثم استعمالها لتشغيل محرك كهربائي عالي الكفاءة.
وأوضح أن هذه المنظومة تتميز بالبساطة الميكانيكية مقارنةً بالمركبات التقليدية، إذ يحتوي هذا النوع من السيارات على عدد أقل بكثير من الأجزاء المتحركة؛ وهو ما يسهم في خفض تكاليف الصيانة ورفع مستوى الاعتماد.
في المقابل، تعتمد المركبات العاملة بخلايا وقود الهيدروجين على تخزين الغاز في خزانات مضغوطة قد تصل إلى نحو 700 بار، إذ يُحوَّل الهيدروجين داخل خلية الوقود إلى كهرباء من خلال تفاعل كهروكيميائي مع الأكسجين الموجود في الهواء.

وينتج عن هذه العملية كهرباء تُستعمل لتشغيل المحرك، في حين يكون الناتج المباشر من التفاعل بخار الماء، ما يعني عدم وجود انبعاثات كربونية مباشرة من المركبة في أثناء التشغيل.
وتعتمد التقنيتان في النهاية على تشغيل محرك كهربائي، إلّا أن طريقة توفير الطاقة تختلف جوهريًا بينهما، وهو ما ينعكس على كفاءة استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل ومتطلبات البنية التحتية.
أفضلية واضحة
أشار التهامي إلى أن كفاءة استعمال الطاقة تمثّل أحد أهم العوامل عند مقارنة التقنيتين، موضحًا أن السيارات الكهربائية تتمتع بأفضلية واضحة في هذا الجانب.
ولفت إلى أنه عند شحن بطارية السيارة بالكهرباء، تنتقل نسبة كبيرة من الطاقة مباشرة إلى المحرك والعجلات، لتتراوح الكفاءة الكلية للمنظومة بين 70% و90%، وفقًا لنوع المركبة وظروف التشغيل.
أمّا الهيدروجين، فتبدأ رحلته باستعمال الكهرباء لإنتاج الغاز من خلال التحليل الكهربائي للمياه، قبل ضغطه أو تسييله ونقله وتخزينه، ثم إعادة تحويله إلى كهرباء داخل خلية الوقود.
وأضاف التهامي -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن هذه المراحل المتعددة تؤدي إلى فقد جزء كبير من الطاقة، لتتراوح الكفاءة الكلّية لمنظومة الهيدروجين عادة بين 25% و40%.
ومن ثم، فإن السيارات الكهربائية تمتلك ميزة مهمة عندما يكون الهدف تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الكهرباء المتجددة، في حين قد يصبح الهيدروجين أكثر جاذبية في التطبيقات التي تتطلب خصائص لا توفرها البطاريات بسهولة.
انخفاض التكلفة
شهدت بطاريات الليثيوم أيون انخفاضًا كبيرًا في التكلفة خلال الأعوام الماضية، مدفوعة بالتوسع في الإنتاج والتطورات التقنيّة وتحسُّن كفاءة عمليات التصنيع، ما أسهم في دعم انتشار السيارات الكهربائية عالميًا.
كما تستفيد السيارات الكهربائية من انخفاض تكاليف التشغيل والصيانة؛ نتيجة الاستغناء عن تغيير زيوت المحركات وأنظمة العادم وعدد كبير من الأجزاء الميكانيكية الموجودة في السيارات التقليدية.
في المقابل، ما تزال مركبات الهيدروجين تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع التكلفة، سواء على مستوى خلايا الوقود أو إنتاج الهيدروجين الأخضر أو البنية التحتية اللازمة لتخزينه ونقله والتزود به.
ومن المتوقع أن تنخفض تكلفة الهيدروجين الأخضر مع توسُّع مشروعات الطاقة المتجددة وزيادة تصنيع المحللات الكهربائية، إلّا أن الوصول إلى مستويات تنافسية بصورة واسعة ما يزال يتطلب مزيدًا من الاستثمارات والتطور التكنولوجي والدعم خلال مراحل نمو السوق.
توسُّع البنية التحتية للشحن الكهربائي
أوضح الباحث بمعهد بحوث الإلكترونيات، الدكتور محمد التهامي، في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة، أن نجاح أيّ تقنية للنقل لا يتوقف على كفاءتها فقط، بل يرتبط كذلك بتوافر البنية التحتية وسهولة استعمالها.
وفي هذا الجانب، حققت السيارات الكهربائية تقدمًا كبيرًا، مع توسُّع شبكات الشحن في المنازل وأماكن العمل والطرق السريعة، إلى جانب زيادة الاستثمارات في محطات الشحن السريع وفائق السرعة.
أمّا البنية التحتية للهيدروجين فما تزال محدودة مقارنًة بالشحن الكهربائي؛ نتيجة ارتفاع تكلفة إنشاء محطات التزود، والحاجة إلى أنظمة خاصة للتخزين والنقل والتعامل مع الغاز تحت ضغوط مرتفعة، فضلًا عن متطلبات السلامة.
ومن ثم، فإن انتشار السيارات الكهربائية يبدو أكثر سهولة في المدى القريب، ولا سيما مع إمكان شحن المركبة في المنزل أو العمل، في حين يحتاج الهيدروجين إلى شبكة متكاملة من الإنتاج والنقل والتخزين ومحطات التزود حتى يصبح خيارًا واسع الانتشار.
في المقابل، يمتلك الهيدروجين ميزة رئيسة تتمثل في سرعة إعادة التزود بالطاقة، وهي نقطة قد تكون حاسمة في المركبات التي تعمل لساعات طويلة أو تقطع مسافات كبيرة يوميًا.
وأوضح التهامي أن شحن السيارات الكهربائية بالشواحن فائقة السرعة قد يستغرق نحو 20 إلى 40 دقيقة للوصول إلى مستوى شحن مرتفع، بينما قد يستغرق الشحن المنزلي عدّة ساعات.
أمّا تعبئة خزان مركبة الهيدروجين، فتستغرق عادةً ما بين 3 و5 دقائق، وهي مدة تقترب من زمن التزود بالوقود التقليدي.
كما يمكن لبعض مركبات الهيدروجين قطع أكثر من 600 كيلومتر بخزان واحد؛ ما يمنحها ميزة في التطبيقات التي تتطلب مدى طويلًا وتشغيلًا متواصلًا مع تقليل فترات التوقف.
خفض انبعاثات قطاع النقل
يرى التهامي أن المقارنة بين السيارات العاملة بالكهرباء ومركبات الهيدروجين لا ينبغي أن تقوم على فكرة أن تقنية واحدة ستحلّ محلّ الأخرى في جميع الاستعمالات، وإنما على مدى ملاءمة كل تقنية لطبيعة القطاع.
وتبدو السيارات الكهربائية أكثر ملاءمة للسيارات الخاصة وسيارات الأجرة والمركبات الخفيفة والنقل داخل المدن وخدمات التوصيل، ولا سيما في ظل توافر نقاط الشحن وقصر المسافات اليومية نسبيًا.
في المقابل، يبرز الهيدروجين بصفته خيارًا محتملًا للمركبات التي يصعب تشغيلها بالبطاريات بسبب الوزن أو الحاجة إلى مدى أطول، ومن بينها الشاحنات الثقيلة والحافلات بين المدن والقطارات غير المكهربة، فضلًا عن بعض تطبيقات النقل البحري والجوي مستقبلًا.
وبذلك، يمكن أن يؤدي الهيدروجين دورًا مهمًا في خفض الانبعاثات في قطاعات النقل الثقيل التي يصعب كهربتها مباشرةً، في حين تستمر البطاريات بقيادة التحول في النقل الخفيف.
الأثر البيئي
أشار الدكتور محمد التهامي إلى أن غياب الانبعاثات من عادم السيارة في أثناء التشغيل لا يعني أن المركبة خالية تمامًا من الانبعاثات طوال دورة حياتها، إذ يعتمد الأثر البيئي بصورة كبيرة على مصدر الطاقة المستعمل.
ولفت إلى أن السيارة تحقق أكبر فائدة بيئية عندما تُشحن بالكهرباء المنتجة من مصادر منخفضة الانبعاثات، مثل طاقتي الشمس والرياح، أمّا إذا كانت الكهرباء تعتمد بدرجة كبيرة على الفحم أو الوقود الأحفوري، فإن جزءًا من الانبعاثات ينتقل من المركبة إلى قطاع توليد الكهرباء.
وينطبق الأمر ذاته على الهيدروجين، إذ تختلف بصمته الكربونية وفقًا لطريقة إنتاجه، ويُعدّ الهيدروجين الأخضر، المنتج باستعمال الكهرباء المتجددة، من أبرز الخيارات منخفضة الانبعاثات، في حين يعتمد الهيدروجين الأزرق على الغاز الطبيعي مع احتجاز الكربون، وينتج الهيدروجين الرمادي من الوقود الأحفوري مع انبعاثات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون.
ومن ثم، فإن خفض الانبعاثات في قطاع النقل لا يرتبط بالمركبة وحدها، بل يتطلب في الوقت نفسه تسريع التحول نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون.
ويوضح الإنفوغرافيك التالي -من تصميم منصة الطاقة المتخصصة- مقارنة بين السيارات الكهربائية والسيارات العاملة بوقود الهيدروجين:

فرص مصر
أكد التهامي أن مصر تمتلك فرصًا للاستفادة من التقنيتين في إطار تحوُّلها نحو منظومة نقل وطاقة أكثر استدامة، لافتًا إلى أن التوسع في محطات شحن السيارات الكهربائية ودعم التصنيع المحلي للمركبات ومكوناتها يُعدّ من الخطوات المهمة لخفض الاعتماد على الوقود التقليدي في قطاع النقل، إلى جانب تطوير شبكات الكهرباء بما يتناسب مع نمو الطلب على الشحن.
وفي الوقت نفسه، تمتلك مصر مقومات مهمة لتطوير صناعة الهيدروجين الأخضر، في ضوء وفرة موارد الطاقة الشمسية والرياح وموقعها الجغرافي، إلى جانب المشروعات الجاري تطويرها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتوفر هذه المقومات فرصة لمصر، ليس فقط لاستعمال الهيدروجين في بعض تطبيقات النقل المحلية، بل كذلك لتطوير سلسلة قيمة للهيدروجين الأخضر تستهدف الأسواق الخارجية، خاصةً مع تزايد الاهتمام العالمي بالوقود منخفض الكربون.
وخلص التهامي إلى أن مستقبل النقل المستدام لن يعتمد بالضرورة على تقنية واحدة، إذ من المرجّح أن تواصل السيارات الكهربائية قيادة التحول في قطاع النقل الخفيف، مستفيدةً من ارتفاع كفاءتها وانخفاض تكلفتها واتّساع شبكة الشحن.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي الهيدروجين دورًا أكثر أهمية في قطاعات النقل الثقيل والبحري والجوي، حيث تصبح كثافة الطاقة وسرعة التزود بالوقود عاملين أكثر أهمية، مقارنًة بقطاع السيارات الخاصة.
ومن هذا المنطلق، فإن التحول إلى نقل منخفض الانبعاثات يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين السيارات العاملة بالكهرباء والهيدروجين والطاقة المتجددة والبنية التحتية الذكية، إلى جانب سياسات داعمة للاستثمار والتصنيع والابتكار.
موضوعات متعلقة..
- 3 عوامل قد تسرّع انتشار السيارات الكهربائية.. كيف تؤثر في الطلب على النفط؟
- الفرق بين السيارات الكهربائية وسيارات الهيدروجين (تقرير)
- شحن السيارات الكهربائية في مصر.. باحث يرصد أنواع المحطات والتحديات
اقرأ أيضًا..
- ترسية عقد بمشروع غاز عملاق في الشرق الأوسط.. و3 دول محتملة
- تكلفة نقل النفط الخليجي من هرمز.. وشركة تشتري البرميل بـ50 دولارًا
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة





