شحن السيارات الكهربائية في مصر.. باحث يرصد أنواع المحطات والتحديات
داليا الهمشري

يشكل شحن السيارات الكهربائية الركيزة الأساسية لنجاح التحول نحو النقل المستدام، إذ لم يعد انتشار المركبات الكهربائية مرتبطًا فقط بتطور البطاريات أو كفاءة السيارات، بل أصبح يعتمد بصورة كبيرة على توافر بنية تحتية متطورة تضم محطات شحن سريعة وآمنة ومنتشرة جغرافيًا.
وفي مصر، تتزايد الجهود للتوسع في إنشاء محطات شحن السيارات الكهربائية بالتوازي مع خطط الدولة لدعم الطاقة النظيفة، إلا أن تحقيق انتشار واسع للمركبات الكهربائية ما زال يتطلب مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الشبكات الكهربائية، وتبنّي أحدث تقنيات الشحن الذكي.
وفي هذا السياق، استعرض الباحث بمعهد بحوث الإلكترونيات الدكتور محمد صابر التهامي، في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، أنواع محطات الشحن، وأبرز التقنيات الحديثة، والتحديات التي تواجه السوق المصرية، ورؤيته لمستقبل هذا القطاع.
وأكد التهامي أن نجاح السيارات الكهربائية لم يعد يقاس بعدد المركبات المباعة فقط، وإنما بقدرة المستهلك على شحن سيارته بسهولة في المنزل أو العمل أو أثناء السفر، موضحًا أن توفير شبكة شحن متكاملة أصبح عاملًا حاسمًا في انتشار هذا النوع من المركبات.
أنواع شحن السيارات الكهربائية
لفت الدكتور محمد صابر التهامي إلى أن ما يُعرف عالميًا بـ"قلق المدى" يمثل أحد أكبر التحديات أمام المستهلكين، إذ يخشى كثير من السائقين نفاد شحنة البطارية قبل الوصول إلى أقرب محطة شحن، وهو ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية للشحن لا يقل أهمية عن الاستثمار في تصنيع السيارات الكهربائية نفسها.
وأوضح أن محطات شحن السيارات الكهربائية تختلف وفقًا لقدراتها الكهربائية، ونوع التيار المستعمل، وسرعة الشحن، بما يجعل كل فئة مناسبة لاستعمالات محددة.
وأشار إلى أن الشحن البطيء (AC Level 1) يُعد من أبسط وسائل الشحن، ويعتمد على التيار المتردد بقدرات تتراوح عادة بين 2 و3.7 كيلوواط، ويُستعمل غالبًا داخل المنازل أو مواقف السيارات الخاصة، إذ يستغرق شحن البطارية بالكامل ما بين 8 و20 ساعة بحسب سعتها، لكنه يتميز بانخفاض تكلفته وسهولة تركيبه، ويُناسب السائقين الذين يقطعون مسافات يومية محدودة.

وأضاف أن الشحن المتوسط (AC Level 2) يُعد الأكثر انتشارًا عالميًا، بقدرات تتراوح بين 7 و22 كيلوواط، ويوفر توازنًا بين سرعة الشحن والتكلفة الاستثمارية، لذلك ينتشر في المراكز التجارية، والجامعات، والفنادق، وأماكن العمل، ومواقف السيارات العامة، والمجمعات السكنية، إذ تتراوح مدة الشحن عادة بين 3 و8 ساعات.
وأكد التهامي أن الشحن السريع (DC Fast Charging) يمثل العمود الفقري للبنية التحتية الحديثة، إذ يعتمد على التيار المستمر بدلًا من التيار المتردد، وتصل قدراته إلى ما بين 50 و350 كيلوواط.
ويتيح هذا النوع شحن البطارية من 20% إلى 80% خلال نحو 20 إلى 40 دقيقة، ولذلك يُستعمل بصورة رئيسة على الطرق السريعة، ومحطات الوقود، والمطارات، ومراكز الخدمات، ومحطات النقل الجماعي.
وأشار إلى أن العالم يتجه حاليًا نحو الشواحن فائقة السرعة (Ultra-Fast Charging) التي تصل قدرتها إلى 350 كيلوواط، بل تتجاوز 500 كيلوواط في بعض التطبيقات الخاصة بالحافلات والشاحنات الكهربائية.
ولفت إلى أن هذه الشواحن تستطيع إضافة مئات الكيلومترات إلى مدى السيارة خلال 10 إلى 15 دقيقة فقط، لكنها تحتاج إلى شبكات كهربائية قوية، ومحولات خاصة، وأنظمة تبريد متطورة، إضافة إلى بطاريات تتحمل معدلات الشحن المرتفعة.
اختبار كفاءة البنية التحتية
أوضح الدكتور محمد صابر التهامي أن نجاح منظومة الشحن يعتمد أيضًا على توحيد أو تنويع معايير مقابس الشحن، مشيرًا إلى أن أكثرها انتشارًا عالميًا تشمل (Type 2) للشحن بالتيار المتردد، و(CCS) للشحن السريع بالتيار المستمر، إلى جانب (CHAdeMO) الياباني، و(NACS) الذي طورته شركة تسلا، مؤكدًا أن توفير محطات متعددة المنافذ يضمن توافقها مع مختلف أنواع السيارات الكهربائية.
وفيما يتعلق بالسوق المصرية، قال التهامي -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- إن مصر شهدت خلال الأعوام الأخيرة توسعًا ملحوظًا في إنشاء محطات شحن السيارات الكهربائية، سواء من خلال القطاع الخاص أو شركات الطاقة، إلا أن أعدادها ما تزال أقل من الطموحات المطلوبة لدعم النمو المتوقع لهذا القطاع.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب زيادة أعداد محطات شحن السيارات الكهربائية مع تحقيق توزيع جغرافي متوازن، إذ تمتد إلى المدن الجديدة والمحافظات، والطرق السريعة، والمناطق السياحية، بدلًا من تركزها في عدد محدود من المدن.
وأكد أن الطرق السريعة تمثل الاختبار الحقيقي لكفاءة البنية التحتية، موضحًا أن السفر لمسافات طويلة يتطلب إنشاء شبكة متكاملة من محطات الشحن السريع على الطرق الإقليمية والساحلية والصحراوية، مع إمكان دمجها داخل محطات الوقود الحالية لتقديم خدمات متكاملة للمستهلكين.
وأشار إلى أن الشحن المنزلي يظل الخيار الأكثر اقتصادية، إذ تُجرى معظم عمليات شحن السيارات الكهربائية عالميًا داخل المنازل، لكنه شدد على ضرورة تجهيز المباني السكنية الجديدة بالبنية الأساسية اللازمة لتركيب الشواحن مستقبلًا.
تقنيات الشحن الذكي
أوضح الدكتور محمد صابر التهامي أن زيادة أعداد السيارات الكهربائية تستلزم الاعتماد على تقنيات الشحن الذكي (Smart Charging)، التي تسمح بإدارة عمليات الشحن وفقًا لأحمال الشبكة وأسعار الكهرباء، بما يقلل الضغط على الشبكات الكهربائية خلال ساعات الذروة ويرفع كفاءة استغلال الطاقة، مؤكدًا أهمية العدادات الذكية في تطبيق هذا النظام.
وأكد التهامي أن مصر تمتلك فرصة كبيرة للاستفادة من مواردها الشمسية في إنشاء محطات شحن تعمل بالطاقة الشمسية بصورة كاملة أو جزئية، ما يسهم في خفض تكلفة الكهرباء، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتخفيف الضغط على الشبكة، ولا سيما في المناطق الصحراوية والنائية، مع إمكان دمج أنظمة تخزين الطاقة لضمان استمرارية التشغيل.

وأشار إلى أن من أبرز التقنيات الواعدة مستقبلًا الشحن ثنائي الاتجاه (Vehicle-to-Grid - V2G)، الذي يسمح للسيارة الكهربائية بإعادة ضخ الكهرباء إلى الشبكة عند الحاجة، وهو ما يوفر دعمًا إضافيًا للشبكات الكهربائية خلال أوقات الذروة، ويمنح مالكي السيارات فرصة للاستفادة اقتصاديًا من الطاقة المخزنة في بطارياتهم.
وحول أبرز التحديات، أوضح الباحث بمعهد بحوث الإلكترونيات أن التوسع في إنشاء محطات شحن السيارات الكهربائية ما يزال يواجه عددًا من العقبات، في مقدمتها ارتفاع التكلفة الاستثمارية لمحطات الشحن السريع، والحاجة إلى تطوير بعض شبكات التوزيع الكهربائي، ومحدودية الطلب الحالي مقارنة بحجم الاستثمارات المطلوبة.
كما دعا إلى ضرورة توحيد معايير الشحن، وتبسيط إجراءات الترخيص، وتوفير حوافز تشجع المستثمرين على دخول السوق.
واختتم التهامي تصريحاته -إلى منصة الطاقة المتخصصة- بالتأكيد على أن البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية تمثل حجر الأساس لنجاح هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن كل محطة شحن جديدة لا تمثل مجرد نقطة لتزويد السيارات بالطاقة، وإنما استثمار في مستقبل النقل المستدام، وتعزيز لجاذبية السوق المصرية أمام الشركات العالمية.
وأكد أن استمرار التوسع في الطاقة المتجددة، والشبكات الذكية، ومحطات الشحن يمنح مصر فرصة لبناء واحدة من أكبر شبكات شحن السيارات الكهربائية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
موضوعات متعلقة..
- هل تصبح مصر مركزًا إقليميًا لصناعة السيارات الكهربائية؟.. خبير يجيب
- ابتكار جديد لشحن السيارات الكهربائية.. الأعلى كفاءة في العالم
- تقنية مصرية لدعم شبكة الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية
اقرأ أيضًا..
- متى يغطي حقل الريشة استهلاك الأردن من الغاز؟
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





