تكنو طاقةتقارير التكنو طاقةتقارير الهيدروجينسلايدر الرئيسيةهيدروجين

الهيدروجين المسال وتكلفة إنتاجه.. تفاصيل مشروع مصري قيد الدراسة

داليا الهمشري

يبرز الهيدروجين المسال بوصفه أحد الخيارات الواعدة لتخزين الطاقة النظيفة ونقلها عبر مسافات طويلة، في ظل التحول العالمي المتسارع نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، والحاجة إلى تطوير وقود بديل للوقود الأحفوري يدعم تحقيق الحياد الكربوني وتعزيز أمن الإمدادات.

ويُنتج الهيدروجين المسال من خلال تبريد الهيدروجين إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض تصل إلى نحو -253 درجة مئوية؛ ما يؤدي إلى تقليص حجمه بصورة كبيرة مقارنة بحالته الغازية، ويتيح تخزين كميات أكبر منه ونقلها في خزانات وناقلات متخصصة.

ومع تزايد الاهتمام العالمي بتجارة الهيدروجين بين الدول الغنية بموارد الطاقة المتجددة والأسواق الصناعية الكبرى، تتجه الأنظار إلى تطوير سلاسل إمداد متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والإسالة والنقل، وهو ما يفتح المجال أمام دول مثل مصر للاستفادة من مواردها الشمسية وموقعها الجغرافي في إنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره إلى الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، يطرح مشروع مصري يحمل اسم "الشمس السائلة" (Liquid Sun) تصورًا لتحويل الطاقة الشمسية المتاحة في مصر إلى هيدروجين أخضر مسال قابل للتخزين والنقل والتصدير، بما يفتح المجال أمام الاستفادة من الموارد المتجددة المحلية في إنتاج وقود منخفض الكربون ذي قيمة مضافة.

ويأتي المشروع، الذي قدّمه مدير دراسات الطاقة في شركة الإسكندرية للزيوت المعدنية "أموك"، المدرس بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية، الدكتور محمد عبدالسلام السيوفي، واطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- ضمن رؤية تستهدف الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر وإمكاناتها المتنامية في مجال الطاقة المتجددة.

تأمين إمدادات الطاقة

دُرس التصور المبدئي لتنفيذ المشروع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في ضوء ما تتمتع به من موقع إستراتيجي وبنية صناعية وموانٍ قادرة على دعم الأنشطة المرتبطة بإنتاج الوقود وتداوله، إلى جانب قربها من الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وتنسجم الفكرة مع طموحات مصر للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الهيدروجين ومشتقاته وتصديرهما، خاصة مع تزايد اهتمام الأسواق العالمية بتأمين إمدادات مستقبلية من الوقود منخفض الكربون.

وتعتمد منظومة "الشمس السائلة" (Liquid Sun) على إنشاء محطة للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 37 ميغاواط، لتوفير الكهرباء اللازمة لمعالجة المياه وإنتاج الهيدروجين الأخضر باستعمال محلل كهربائي من نوع غشاء تبادل البروتون (PEM).

تقنية لإنتاج الهيدروجين السائل من الطاقة الشمسية في مصر

وبعد إنتاج الهيدروجين، يمر بمراحل التنقية والضغط والتخزين، قبل نقله إلى وحدة الإسالة، لإنتاج نحو 100 كيلوغرام من الهيدروجين المسال في الساعة.

ويعتمد المشروع على تصميم متطور لعملية الإسالة باستعمال دورات التبريد المختلطة متعددة المراحل (Triple-Cascade Mixed-Refrigerant Cycles)، بهدف خفض استهلاك الطاقة اللازمة للوصول بالهيدروجين إلى الحالة السائلة.

وبحسب الدراسة المقدمة للمشروع، حقق التصميم المقترح استهلاكًا نوعيًا للطاقة يبلغ نحو 6.19 كيلوواط/ساعة لكل كيلوغرام من الهيدروجين المسال، في حين تبلغ القدرة المطلوبة لوحدة إسالة بطاقة 100 كيلوغرام في الساعة نحو 0.62 ميغاواط.

كما تشير الدراسة إلى أن التكلفة النوعية لعملية الإسالة قد تبلغ نحو 1.14 دولارًا لكل كيلوغرام من الهيدروجين المسال.

ولم يقتصر تطوير التصميم على الجانب النظري؛ إذ نُشرت أبحاث علمية مرتبطة به في مجلات دولية مصنّفة ضمن الربع الأول Q1.

تكلفة إنتاج الهيدروجين المسال

تشير الدراسة الاقتصادية المبدئية للمنظومة المتكاملة إلى أن تكلفة إنتاج الهيدروجين المسال قد تصل إلى نحو 6.8 دولارًا للكيلوغرام، وهو ما يعادل نحو 50.6 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية على أساس محتوى الطاقة.

وتظل تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر وإسالته أحد أبرز التحديات أمام التوسع التجاري؛ إذ تتطلّب عملية الإسالة استهلاكًا إضافيًا للطاقة، فضلًا عن الحاجة إلى بنية تحتية متخصصة للتخزين والنقل عند درجات حرارة شديدة الانخفاض.

ورغم ذلك، فإن المقارنة بين الهيدروجين المسال والوقود الأحفوري لا تعتمد فقط على الأسعار الحالية، في ظل توقعات بأن تشهد تكاليف تقنيات التحليل الكهربائي والطاقة المتجددة انخفاضًا تدريجيًا مع زيادة الإنتاج وتوسع الأسواق.

كما تختلف قيمة الهيدروجين الأخضر من سوق إلى أخرى، ولا سيما في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، مثل صناعة الحديد والصلب والكيماويات والتكرير، إلى جانب النقل البحري والجوي مستقبلًا.

تقنيات الهيدروجين المسال

تحظى تقنيات الهيدروجين المسال باهتمام متزايد في عدد من الأسواق العالمية، لا سيما اليابان وأستراليا وأوروبا، في إطار البحث عن طرق لنقل الهيدروجين بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك.

وشهدت الأعوام الماضية تنفيذ مشروعات وتجارب لنقل الهيدروجين المسال بحرًا، من بينها مشروعات ربطت أستراليا باليابان، في محاولة لتطوير سلسلة إمداد دولية للهيدروجين تشمل الإنتاج والإسالة والنقل وإعادة التغويز.

كما تنظر شركات ومؤسسات أوروبية إلى الهيدروجين المسال كونه أحد الخيارات المحتملة لاستيراد الطاقة النظيفة من المناطق التي تتمتع بموارد متجددة منخفضة التكلفة، إلى جانب الأمونيا ومشتقات الهيدروجين الأخرى.

وتكشف هذه التجارب عن أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على إنتاج الهيدروجين الأخضر، بل ستمتد إلى تطوير سلسلة القيمة بالكامل، بدءًا من الكهرباء المتجددة والمياه، مرورًا بالإنتاج والتخزين والإسالة، وصولًا إلى النقل والتوزيع.

ومن هنا، يمكن أن تمثّل خبرات الدول التي بدأت اختبار سلاسل إمداد الهيدروجين المسال فرصة أمام مصر لدراسة المتطلبات الفنية والاقتصادية لتطوير هذا المسار، والاستفادة من موقعها الجغرافي بالقرب من أسواق الاستهلاك المحتملة.

الاستفادة من الطاقة الشمسية

قال المدرس بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية، صاحب فكرة المشروع، الدكتور محمد عبدالسلام السيوفي، إن إحدى أبرز نقاط قوة منظومة "الشمس السائلة" (Liquid Sun) تتمثّل في السعي إلى تحويل الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية إلى منتج يمكن تخزينه ونقله وتداوله، بدلًا من الاعتماد على تصدير الكهرباء مباشرة.

ويمكن للهيدروجين الأخضر المسال، في حالة تطوير سلسلة إنتاجه ونقله بصورة اقتصادية، أن يوفّر وسيلة لتصدير الطاقة المتجددة المصرية في صورة وقود، والاستفادة من الموارد الشمسية المتاحة في إنتاج منتج ذي قيمة مضافة أعلى.

وأضاف السيوفي -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن هذا المسار قد يُسهم في دعم أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر الوقود مستقبلًا، وتقليل الانبعاثات الكربونية في القطاعات الصناعية، فضلًا عن توفير فرص جديدة للاستثمار في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.

وتبرز أهمية المشروع -أيضًا- في طرح خيار إضافي أمام إستراتيجية تصدير الهيدروجين المصرية؛ إذ تركز غالبية المشروعات المعلنة -حاليًا- على إنتاج الهيدروجين وتحويله إلى الأمونيا الخضراء لتسهيل النقل، في حين يقدم الهيدروجين المسال مسارًا مختلفًا يسمح بنقل الهيدروجين نفسه دون تحويله إلى مشتق آخر.

المنافسة مع الغاز المسال

ما يزال الغاز الطبيعي المسال يتمتع بميزة سعرية واضحة مقارنةً بالهيدروجين الأخضر المسال في الوقت الحالي، خاصة في ظل نضج بنيته التحتية واتساع سوقه العالمية.

ويمثّل الهيدروجين المسال أحد خيارات الطاقة المستقبلية، بفضل إمكان إنتاجه من مصادر الطاقة المتجددة وانخفاض انبعاثاته الكربونية، ما يعزّز فرصه في الأسواق التي تتجه نحو تشديد معايير خفض الانبعاثات.

وبالنسبة إلى مصر، فإن الرهان لا يتعلق فقط بتكلفة الوقود الحالية، وإنما بإمكان بناء صناعة جديدة تستفيد من وفرة الطاقة الشمسية والموقع الجغرافي والبنية التحتية للمواني والمناطق الصناعية.

خط أنابيب لنقل الهيدروجين المسال
خط أنابيب لنقل الهيدروجين المسال - الصورة من ريسيرتش وورلد

وفي هذا الإطار، يطرح مشروع "الشمس السائلة" (Liquid Sun) رؤية تقوم على أن الطاقة الشمسية يجب ألا تظل مجرد مصدر لإنتاج الكهرباء، بل يمكن تحويلها إلى وقود قابل للتخزين والتصدير.

وقال الدكتور محمد عبدالسلام السيوفي، في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة، إن الغاز الطبيعي المسال قد يظل أقل تكلفة في الوقت الراهن، إلا أن الاستثمار في إنتاج الهيدروجين الأخضر المسال يمثّل توجهًا إستراتيجيًا طويل الأجل لمصر، لما يمكن أن يوفره من فرص لتعزيز أمن الطاقة والاستدامة وفتح أسواق جديدة.

وأضاف أن الجدوى التجارية للهيدروجين الأخضر المسال ستتحدد بدرجة كبيرة وفق تطور تقنيات الإنتاج والإسالة، وانخفاض تكاليفها، إلى جانب نمو الطلب العالمي على الوقود منخفض الانبعاثات، مشيرًا إلى أن هذه العوامل ستحدد قدرة الهيدروجين المسال على المنافسة في الأسواق الدولية خلال الأعوام المقبلة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق