خبراء: الهيدروجين الأخضر يعزز فرص مصر في السوق العالمية
داليا الهمشري
يمثّل الهيدروجين الأخضر أحد أبرز مسارات التحول في قطاع الطاقة، مع انتقال العالم من مرحلة التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على تكامل مصادر طاقتي الشمس والرياح مع أنظمة التخزين والشبكات الذكية والرقمنة، بما يعزّز أمن الطاقة.
وفي هذا السياق، ناقش عدد من المتخصصين، خلال جلسة بعنوان "الهيدروجين الأخضر والطاقة الهجينة.. حلول لرفع كفاءة الإنتاج وتعزيز التكامل الإقليمي"، ضمن فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (The Solar Show MENA)، فرص تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر في مصر.
أدار الجلسة -التي حضرتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- الباحث في استدامة وحوكمة الموارد والطاقة في جنوب أفريقيا فينسنت أودينيا-أورو، بمشاركة عدد من الخبراء في قطاعات الطاقة المختلفة.
وقال فينسنت أودينيا-أورو إن تعظيم الاستفادة من موارد الطاقة المتجددة يمثّل عاملًا أساسيًا في تطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر، ولا سيما في ظل الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها البلاد في قطاع الطاقة الشمسية وتعدد المواقع القادرة على استضافة مراكز إنتاج الهيدروجين.
جدوى مشروعات الهيدروجين الأخضر
أوضح أودينيا-أورو أن تقييم جدوى مشروعات الهيدروجين لا ينبغي أن يستند إلى توافر مصادر الطاقة المتجددة فقط، وإنما يجب أن يشمل مجموعة من العوامل، من بينها إمكانات استعمال الهيدروجين محليًا، وحجم الطلب، واحتياجات القطاعات المختلفة.
وأشار إلى أن دمج هذه العوامل ضمن عملية التخطيط يوفر مرونة أكبر في تقييم الجدوى الاقتصادية للمشروعات، ويساعد على الوصول إلى أفضل السيناريوهات الممكنة للإنتاج.
ولفت إلى أن مصر تتمتع بوفرة كبيرة في الطاقة الشمسية، مع وجود عدد من المواقع الواعدة لإنتاج الطاقة المتجددة، موضحًا أن لكل موقع خصائصه واحتياجاته التي تتطلّب تحسين التصميم واختيار النموذج الملائم للوصول إلى أفضل منظومة لإنتاج الهيدروجين النظيف.

وأكد أن التحدي لا يتمثّل فقط في امتلاك مصر موارد وفيرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وإنما في تحويل هذه الموارد إلى مشروعات صناعية وتجارية مربحة، بما يُسهم في تعزيز التصنيع المحلي وتحقيق قيمة اقتصادية أكبر من مشروعات الهيدروجين.
بناء قيمة مضافة محلية
من جانبه، أكد أستاذ الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المياه في المركز القومي للبحوث، عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لطاقة الهيدروجين (IAHE)، الدكتور حسام الناظر، أهمية تجاوز مصر مفهوم "إنتاج الهيدروجين وتصديره" إلى بناء قيمة مضافة محلية وإقليمية، من خلال دعم البحث العلمي والابتكار، وتوطين تقنيات الهيدروجين، وتنمية القدرات البشرية.
وشدّد على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتطوير معايير فنية وتشغيلية مشتركة، إلى جانب آليات موثوقة لتتبع الهيدروجين الأخضر وشهادات المنشأ، بما يعزّز فرص التكامل الإقليمي ويدعم قدرة المشروعات على النفاذ إلى الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية.
وأشار الناظر إلى أهمية دمج تقنيات تحلية المياه المعتمدة على الطاقة المتجددة ضمن التخطيط المتكامل لمشروعات الهيدروجين، بما يضمن توفير المياه اللازمة لعمليات التحليل الكهربائي بصورة مستدامة، ورفع كفاءة استعمال الموارد، ولا سيما في المناطق الساحلية والصحراوية.
وأوضح أن هذا التكامل يمكن أن يمثّل أحد المجالات التي تقدّم فيها مصر نموذجًا يجمع بين الطاقة المتجددة وتحلية المياه وإنتاج الهيدروجين ضمن منظومة متكاملة.
الذكاء الاصطناعي والرقمنة
تناولت المناقشات أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والنماذج الرقمية وأنظمة الإدارة الذكية للطاقة في تحسين تشغيل مشروعات الهيدروجين الأخضر.
وتساعد هذه التقنيات، وفقًا للمناقشات، في التنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة، وإدارة الأحمال والتخزين، وتقليل فترات التوقف، وتحسين عمليات الصيانة وإطالة العمر التشغيلي للمعدات، بما ينعكس على كفاءة المشروعات وتكاليف التشغيل.
وأكد الناظر أهمية تعزيز الربط بين البحث العلمي والصناعة، موضحًا أن مصر تمتلك كوادر أكاديمية وبحثية وخبرات جيدة، إلا أن هناك حاجة إلى تطوير آليات أكثر فاعلية لربط البحث والابتكار باحتياجات القطاع الصناعي.
وأشار إلى أن هذا الربط يجب أن يتحول إلى سياسة واضحة تسمح بتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات ومشروعات صناعية، مع الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية في تطوير منظومة الهيدروجين في مصر.
وأوضح أن التعاون مع الشركاء الدوليين يمكن أن يُسهم في نقل الخبرات والمعرفة والتقنية، بالتوازي مع العمل على توطين هذه المعرفة وتطوير منظومة محلية تتناسب مع احتياجات السوق المصرية، خاصةً في مجالات تصميم مشروعات الهيدروجين النظيف وتنفيذها وتشغيلها.
وأكد أن توطين التقنية وبناء القدرات المحلية يمثلان عنصرَيْن أساسيَّيْن لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من مشروعات الهيدروجين، بدلًا من الاكتفاء باستيراد التكنولوجيا والمعدات اللازمة لتنفيذ المشروعات.
مستقبل الهيدروجين في مصر
فيما يتعلق بمستقبل مصر في سوق الهيدروجين الأخضر، رأى الناظر أن البلاد تمتلك فرصة مهمة للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون، مستفيدة من مواردها المتجددة وموقعها الجغرافي وشبكات النقل والبنية التحتية القائمة.
وأشار إلى إمكان تعزيز موقع مصر في السوق خلال الأعوام المقبلة بالتوازي مع التطورات التي تشهدها دول أخرى، من بينها الصين والمغرب والدول الأوروبية، مؤكدًا أن تطوير الصناعة المحلية ونقل التكنولوجيا وربط البحث العلمي بالصناعة ستكون عوامل حاسمة في قدرة مصر على المنافسة.
بدوره، أوضح مستشار الطاقة والهيدروجين ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، الدكتور محمد عاطف كامل، أن الحل الأمثل لتوفير الطاقة اللازمة لمشروعات الهيدروجين يتمثّل في الاعتماد على أنظمة طاقة هجينة تجمع بين طاقتي الشمس والرياح وتخزين الطاقة، إذ تعمل جميع هذه المكونات من خلال أنظمة متقدمة لإدارة الطاقة.
وأشار إلى أن هذا النموذج يُسهم في تحقيق جدوى اقتصادية أفضل ورفع كفاءة التشغيل والاستفادة من قدرات الإنتاج، مؤكدًا أن مستقبل الطاقة يتجه نحو دمج مصادر متعددة ضمن نظام موحّد وأكثر كفاءة.
وأضاف أن التكامل بين مصادر الطاقة المختلفة، إلى جانب تقنيات التخزين والإدارة الذكية، يمكن أن يساعد في الوصول إلى النموذج الأمثل لتوفير الطاقة اللازمة لمشروعات الهيدروجين.
معايير موحدة للمشروعات
أكد كامل أن الاستفادة من موارد الطاقة المتجددة لا تتوقف على توافرها فقط، وإنما تحتاج إلى وضع معايير واضحة وموحدة لتنظيم تطبيقها، خاصة فيما يتعلق بعمليات النقل والتشغيل.
وأشار إلى أن تطبيق هذه المعايير يتطلّب عمليات تفتيش وتقييم ميدانية للتأكد من الالتزام بالمتطلبات المحددة، إلى جانب وجود جهات مسؤولة عن متابعة الأداء وتقييم مدى استيفاء المشروعات للمعايير.
وشدّد على أهمية تركيز المؤسسات والجهات الإقليمية على وضع مؤشرات واضحة لقياس الاستدامة والكفاءة التشغيلية والأداء، بما يساعد على تقييم المشروعات بصورة أكثر دقة.

وأضاف أن وجود معايير واضحة للأداء يمثّل عنصرًا مهمًا في دعم تطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر، ولا سيما مع سعي مصر إلى الاستفادة من مواردها المتجددة وتعزيز دورها في هذا القطاع.
متطلبات السوق الأوروبية
أشار مستشار الطاقة والهيدروجين إلى أن الأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، تضع معايير ومتطلبات متزايدة أمام المنتجات المستوردة، خاصة فيما يتعلق بالبصمة الكربونية والانبعاثات، مما يجعل توافق المنتجين مع هذه المتطلبات أمرًا ضروريًا للحفاظ على القدرة التنافسية في السوق الأوروبية.
وأوضح أن المنتجين، لا سيما في الدول الصناعية، أصبحوا مطالبين بإظهار مدى التزام منتجاتهم بخفض الانبعاثات، ليس فقط من خلال تحسين عمليات الإنتاج، وإنما -أيضًا- عبر تقييم الانبعاثات على امتداد سلسلة الإمداد والنقل والعمليات اللوجستية.
ولفت إلى أهمية وجود منهج واضح لحساب الانبعاثات الكربونية للمنتجات، بما يسمح بمقارنتها بمنتجات أخرى وعلامات تجارية مختلفة، وتحديد الفروق من حيث التكلفة والأثر البيئي.
وأكد أن مصر حقّقت خلال المدة الأخيرة تقدمًا في جهود إزالة الكربون من القطاع الصناعي، مشيرًا إلى عدد من مذكرات التفاهم والمشروعات المرتبطة بإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، التي تستهدف خفض الانبعاثات في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأضاف أن مجموعة من المتطلبات والمعايير تكتسب أهمية متزايدة، من بينها الإعلانات البيئية للمنتجات (Environmental Product Declarations) وتقييم دورة حياة المنتج (Life Cycle Assessment)، كونهما من الأدوات المهمة أمام الشركات الراغبة في التوافق مع متطلبات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالتصدير وخفض البصمة الكربونية.
خفض التكلفة
خلصت المناقشات إلى أن نجاح اقتصاد الهيدروجين لن يعتمد على توافر مصادر الطاقة المتجددة وحدها، وإنما على القدرة على دمج التقنية والبحث العلمي والرقمنة مع التخطيط الاقتصادي والتنظيمي.
وأكد المشاركون أن المرحلة المقبلة تتطلّب الانتقال من الحديث عن إمكانات الهيدروجين الأخضر إلى تطوير مشروعات عملية ومستدامة وقابلة للتوسع، مع التركيز على خفض التكلفة، ورفع كفاءة التشغيل، وتطوير البنية التحتية، وتوطين التكنولوجيا، ووضع أطر تنظيمية واضحة.
وأشاروا إلى أن قدرة مصر على المنافسة في سوق الهيدروجين الأخضر لن ترتبط فقط بحجم مواردها من الشمس والرياح، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى صناعة متكاملة ذات قيمة مضافة محلية، وقادرة على تلبية المعايير الدولية والوصول إلى الأسواق العالمية.
موضوعات متعلقة..
- خبير: مصر يمكنها قيادة سوق الهيدروجين الأخضر عالميًا
- خبير: الهيدروجين الأخضر مفتاح مصر لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمية
- قيمة سوق الهيدروجين الأخضر قد تصل إلى 166 مليار دولار بحلول 2037
اقرأ أيضًا..
- الطلب على الكهرباء في 4 دول عربية يتجاوز الأرقام القياسية
- استهداف منشآت النفط في ليبيا خط أحمر.. هذه ثروة الوطن (مقال)
- ملف عن أهم وأكبر محطات الطاقة الشمسية في الدول العربية
- بيانات قطاع الكهرباء العربي وأكبر المحطات - تغطية خاصة





