حقيقة احتياطيات النفط الفنزويلي و"خدعة" الاستثمارات الأميركية (تقرير)
أحمد بدر

يحتلّ النفط الفنزويلي موقعًا محوريًا في الجدل الدائر حول ثروة البلاد وقدرتها على جذب الاستثمارات، خصوصًا مع حديث إدارة ترمب عن اتفاقات ضخمة لإعادة تشغيل الحقول وزيادة الإنتاج، وهو ما أعاد تقييم الاحتياطيات والعوائد المنتظرة.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الكميات الموجودة تحت الأرض تختلف جذريًا عن الاحتياطيات القابلة للاستخراج، مؤكدًا أن هذا التفريق أساس لفهم حقيقة الأرقام المتداولة.
وأوضح أن مكامن النفط الفنزويلي في المنطقة الغربية من البلاد تحتوي على نحو 65 مليار برميل تحت الأرض، لكن ما يمكن استخراجه اقتصاديًا أقل كثيرًا، إذ تتراوح النسبة القابلة للاستخراج بين 15 و18%، وفق تقديراته.
وأضاف أن الاحتياطيات المؤكدة القابلة للاستخراج من النفط الفنزويلي تبلغ قرابة 11 مليار برميل، مشيرًا إلى أن الحسابات المالية المتداولة تتّسق مع هذا الرقم أكثر من توافقها مع 65 مليار برميل، ما يضع تصريحات ترمب موضع شكّ.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "ترمب والنفط الفنزويلي.. صفقة القرن أم سراب؟".
احتياطيات النفط الفنزويلي.. أرقام متباينة
كشف أنس الحجي أن تقدير احتياطيات النفط الفنزويلي الفعلية يستند إلى الكميات التي يمكن استخراجها، وليس إجمالي النفط الموجود داخل المكامن، موضحًا أن هذه القاعدة تنطبق على مختلف المناطق المنتجة، وتكتسب أهمية خاصة عند تقييم الثروة النفطية في البلاد.
وأشار إلى أن المنطقة الغربية من البلاد تضم كميات ضخمة من النفط الفنزويلي الموجود تحت الأرض، إلّا أن طبيعة المكامن والخصائص الجيولوجية تحدّ من الجزء القابل للاستخراج، ولذلك لا يمكن التعامل مع إجمالي الموارد بوصفه احتياطيات مؤكدة.
وذكرَ أن النفط الفنزويلي الموجود في تلك المكامن يصل إلى 65 مليار برميل من حيث الكمية الجيولوجية، لكن معدل الاستخراج المتوقع يتراوح بين 15 و18%، ما يقود إلى احتياطيات فعلية تقترب من 11 مليار برميل.

وأكد أنس الحجي أن الحسابات المالية المرتبطة بالمشروع تُقدّم قرينة إضافية على الرقم الأقل، إذ إن العوائد والإيرادات المفترضة لا تتوافق مع احتساب 65 مليار برميل احتياطيات قابلة للاستخراج، في حين تنسجم بصورة أكبر مع تقدير 11 مليارًا.
ولفت إلى أن تصريحات ترمب بشأن حجم الثروة النفطية الفنزويلية تضمنت خلطًا بين النفط الموجود في المكامن وبين الاحتياطيات القابلة للاستخراج، وهو خلط قد يؤدي إلى تضخيم تقديرات القيمة الاقتصادية للمشروعات المرتقبة.
وأوضح أن الحديث عن 65 مليار برميل بصفتها احتياطيات مؤكدة لا يعكس الواقع الفني للصناعة، لأن شركات النفط والمستثمرين يعتمدون في تقييم المشروعات على الكميات القابلة للإنتاج، وتكاليف التطوير، والجدوى الاقتصادية.
وبيّن أن تقدير الاحتياطيات عند حدود 11 مليار برميل ينسجم مع الحسابات التي جرى تداولها بشأن العوائد المحتملة، ويكشف أن الأرقام المعلنة سياسيًا لا تعكس بالضرورة التقييم الفني الذي تستند إليه الاستثمارات النفطية.
الاستثمارات الأميركية وحقيقة الشراكة
قال أنس الحجي، إن الحديث عن استثمارات أميركية بقيمة 100 مليار دولار يتضمن مبالغة كبيرة عند تقديم الرقم بوصفه حجمًا ضخمًا وفوريًا، موضحًا أن هذه الاستثمارات موزعة على مدة طويلة تمتد لـ10 سنوات أو أكثر.
وأوضح أن توزيع 100 مليار دولار على 10 سنوات يعني متوسط استثمارات سنويًا يبلغ 10 مليارات دولار فقط، وهو رقم لا يبدو استثنائيًا عند مقارنته بحجم الاستثمارات العالمية في صناعة النفط والطاقة خلال العقد الماضي.
وقارن الحجي ذلك بحجم استثمارات صناعة النفط العالمية بين عامي 2010 و2020، التي بلغت نحو 6 تريليونات دولار، موضحًا أن ضخ 100 مليار دولار خلال عقد كامل يمثّل جزءًا محدودًا من الإنفاق العالمي على الصناعة.

وأكد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن النفط الفنزويلي لا يمثّل استثناءً من قواعد الاستثمار المعروفة في الصناعة، إذ إن أرقامًا مثل 50 مليارًا أو 100 مليار أو 150 مليار دولار قد تبدو ضخمة سياسيًا، لكنها ليست غير مسبوقة نفطيًا.
وأضاف أن الشراكة المقترحة تقوم -وفق التصريحات الفنزويلية- على ثلاثة أطراف رئيسة، إذ تُقدّم فنزويلا النفط، في حين توفر الشركات الأميركية والخاصة الفنزويلية التكنولوجيا ورأس المال اللازمين لتطوير الحقول ورفع الإنتاج.
وأشار إلى أن الحديث عن الحصص التي ستحصل عليها الأطراف أثار جدلًا واسعًا بين خبراء فنزويليين خارج البلاد، بعدما أوحت الأرقام الأولية بأن نصيب فنزويلا من كل برميل سيكون منخفضًا للغاية.
وأوضح أن الحسابات التي جرى تداولها أولًا أشارت إلى حصول فنزويلا على نحو 3.25 دولار فقط عن البرميل، وهو ما أثار انتقادات واسعة، قبل أن تُقدّم ديلسي رودريغيز حسابات مختلفة رفعت العائد المتوقع.
وبيّنَ أن تقديرات رودريغيز تشير إلى حصول فنزويلا على نحو 19 دولارًا للبرميل عند سعر 65 دولارًا، أي قرابة 17% من قيمة الخام، وهي نسبة تقارب الريع الذي تحصل عليه دول نفطية عديدة عالميًا.
النفط الفنزويلي والمخزون الإستراتيجي الأميركي
أوضح أنس الحجي أن الحديث عن حصول الولايات المتحدة على الخام الفنزويلي مجانًا لا يستند إلى طبيعة الاتفاق المعلنة، لأن العلاقة المقترحة تقوم على شراكة توفر فيها فنزويلا الخام، في حين يقدّم الجانب الأميركي التمويل والتكنولوجيا.
وقال، إن خطة تعويض السحب من المخزون الإستراتيجي الأميركي تضيف عنصرًا آخر إلى الجدل، بعدما جرى الحديث عن سحب نحو 120 مليون برميل، ثم إعادة ملء المخزون وصولًا إلى قرابة 700 مليون برميل.
وأشار إلى أن المخزون الإستراتيجي الأميركي يضم حاليًا نحو 280 مليون برميل، ما يعني أن الوصول إلى المستوى المستهدف يتطلب كميات كبيرة، إلّا أن طبيعة الخام المتاح تُمثّل عائقًا أمام استعمال الإمدادات الفنزويلية.

وأكد أنس الحجي أن الخام المُنتَج من الحقول السبعة عشر التي يجري الحديث عنها في غرب فنزويلا ثقيل للغاية، في حين إن النفط الموجود حاليًا في منشآت التخزين الأميركية من النوع المتوسط، ما يخلق عدم توافق بين النوعين.
وشدد على أن فكرة خلط الخام الثقيل الفنزويلي مع خام آخر لإنتاج مزيج مناسب للمخزون لا تتوافق مع القواعد المعمول بها في عقود شراء الخام للمخزون الإستراتيجي الأميركي منذ تأسيسه.
ولفت إلى أن أحد الشروط الأساسية في عقود الشراء منذ عام 1977 يتمثل في عدم خلط النفط، لأن المزج قد يؤدي إلى مشكلات في خصائص الخام واستقراره خلال فترات التخزين الطويلة، ما يحدّ من إمكان استعماله.
وأضاف أن الحديث عن استعمال الإمدادات الفنزويلية لتعويض المخزون الإستراتيجي يتجاهل الفارق في خصائص الخام، ومن ثم فإن طرح الفكرة بوصفها مسارًا مباشرًا لملء المخزونات يحتاج إلى تدقيق فني أكبر.
وبيّنَ أن تقدير عوائد فنزويلا بنحو 209 مليارات دولار لا يتوافق مع افتراض امتلاكها 65 مليار برميل من الاحتياطيات القابلة للاستخراج، بل يبدو أقرب إلى الحسابات المبنية على احتياطيات تبلغ قرابة 11 مليار برميل.
إعادة الإعمار وأسعار البنزين
قال أنس الحجي، إن تصريحات ديلسي رودريغيز بشأن استعمال الاستثمارات المرتقبة لإعادة إعمار كاراكاس والمناطق المتضررة من الزلزال تواجه مشكلة زمنية، لأن تطوير الحقول وزيادة الإنتاج يحتاجان إلى سنوات قبل توليد الإيرادات المتوقعة.
وأوضح أن الاستثمارات لا تتحول فورًا إلى إنتاج أو عوائد، إذ تتطلب عمليات التطوير والحفر والبنية التحتية وقتًا طويلًا، ومن ثم فإن ربط أموال المشروعات بإعادة الإعمار الفورية يتجاهل التسلسل الزمني الطبيعي للصناعة.
وأشار إلى أن تنفيذ الخطط الاستثمارية يفترض استمرار الظروف السياسية والاقتصادية والتشغيلية على حالها، وهو أمر لا يمكن ضمانه مسبقًا، ما يجعل التقديرات المتعلقة بتوقيت الإيرادات بحاجة إلى قدر كبير من الحذر.

وأكد أنس الحجي أن تصريحات ترمب بشأن إسهام المشروع في خفض أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة تواجه عقبتين رئيستين، الأولى تتعلق بالتوقيت، والثانية بطبيعة الخام الذي سيُنتَج من الحقول المستهدفة.
ولفت إلى أن بدء المشروع في أقرب وقت ممكن لا يعني وصول أول كميات كبيرة إلى الأسواق خلال الولاية الرئاسية الحالية، لأن تطوير الحقول الثقيلة يحتاج إلى سنوات، ما يُضعف أثر المشروع في الأسعار الحالية.
وأضاف أن النفط الثقيل جدًا لا يتحول مباشرة إلى كميات كبيرة من البنزين، ولذلك فإن الربط بين تطوير الحقول الفنزويلية وخفض أسعار البنزين الأميركية يتجاهل الخصائص التشغيلية للخام ومسارات تكريره.
وشدّد الحجي على أن المبالغة في تقدير الاحتياطيات والاستثمارات والعوائد المستقبلية قد تمنح المشروع حجمًا سياسيًا أكبر من حجمه الاقتصادي الفعلي، في حين تكشف الحسابات الفنية أن تطوير الثروة يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل وتقييم واقعي.
وخلصَ إلى أن الجدل حول المشروع لا يتعلق فقط بحجم الثروة النفطية، بل أيضًا بنوعية الخام، وتكاليف التطوير، وهيكل الشراكة، وتوقيت الإنتاج، وحصة فنزويلا من العوائد، وهي عوامل تحدد القيمة الحقيقية لأيّ اتفاق نفطي مرتقب.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





