هل يخضع النفط الفنزويلي للسيطرة الأميركية 100 عام؟ (تقرير)
أحمد بدر

يعود الجدل حول النفط الفنزويلي إلى الواجهة مع تصاعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن السيطرة عليه، وما رافقها من أرقام ضخمة وتفسيرات قانونية واقتصادية أثارت تساؤلات حول الملكية والاحتياطيات والعقود والعوائد ومستقبل العلاقة بين واشنطن وكاراكاس.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن تصريحات ترمب بشأن الملف الفنزويلي تتضمّن تناقضات وأخطاء متعددة، تبدأ من طبيعة الملكية ولا تنتهي عند مدة العقود وحجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج.
وأوضح الحجي أن النفط الفنزويلي لا يمكن وضعه ضمن الاحتياطيات الأميركية لمجرد توقيع عقود استثمارية، مشيرًا إلى أن الدستور الفنزويلي يمنع الأجانب من امتلاك الاحتياطيات الموجودة تحت الأرض، وهو ما يناقض جوهر الطرح الأميركي تمامًا.
وأضاف أن الرئيسة الفنزويلية بالنيابة ديلسي رودريغيز، أكدت مرارًا استمرار ملكية الدولة لجميع الموارد الطبيعية، مستندة إلى الدستور الذي عُدّل خلال عهد الرئيس الراحل هوغو شافيز، ما يجعل الحديث عن انتقال الملكية إلى الولايات المتحدة غير دقيق قانونيًا واقتصاديًا.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "ترمب ونفط فنزويلا.. صفقة القرن أم سراب؟"، مع التركيز على ملف النفط الفنزويلي.
الملكية ومدة العقود
أكد أنس الحجي أن هذه الادعاءات تحتاج إلى فصلها عن الواقعَيْن القانوني والصناعي، لأن طبيعة العقود النفطية لا تسمح بتفسيرها بالطريقة التي عرضها ترمب، فضلًا عن وجود تفاصيل تقنية في وثيقة البيت الأبيض تثير علامات استفهام واسعة.
وأشار الحجي إلى أن النفط الفنزويلي لا يصبح ملكية أميركية عبر عقود التطوير، موضحًا أن الشركات الأجنبية قد تشارك في الاستثمار والإنتاج، لكنها لا تملك الاحتياطيات الموجودة تحت الأرض وفق الإطار الدستوري الفنزويلي النافذ حاليًا.

وبدأ أنس الحجي من نقطة الملكية، موضحًا أن الدستور الفنزويلي ينص على بقاء الاحتياطيات والموارد الطبيعية تحت ملكية الدولة، وبالتالي لا تنتقل ملكية ما هو موجود تحت الأرض إلى الشركات أو الحكومات الأجنبية عبر عقود التطوير والاستثمار.
وبيّن أن تصريحات ترمب تجاه الملف الفنزويلي تتجاهل الفارق بين ملكية المورد وحقوق الاستثمار والإنتاج، فالشركات الأجنبية يمكن أن تشارك في تطوير الحقول وتحقيق عوائد، لكنها لا تصبح مالكة للاحتياطيات الموجودة في باطن الأرض قانونيًا.
ولفت الحجي إلى أن رودريغيز قدمت تفسيرًا مخالفًا تمامًا للرواية الأميركية، عندما شدّدت على أن الدولة الفنزويلية ستظل مالكة للاحتياطيات، وأن القيود الدستورية تشمل النفط وسائر الموارد الطبيعية، وليس موردًا بعينه أو منطقة إنتاج محددة.
وأوضح أن الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض تضمّنت تفاصيل يفترض أنها تشرح الاتفاقات المقبلة، غير أن بعضها كرر ما ورد في تصريحات ترمب، في حين بدت نقاط أخرى غير منسجمة مع الاعتبارات الفنية المعروفة في صناعة النفط.
وتناول خبير اقتصادات الطاقة نقطة مدة العقود، موضحًا أن ترمب تحدث عن 100 عام، في حين أشارت رودريغيز إلى 25 عامًا، قبل أن تظهر تسريبات من البيت الأبيض تتحدث عن المدة نفسها، ما يكشف عن تناقض واضح في الروايات المتداولة.
الاحتياطيات وقابلية الاستخراج
أكد أنس الحجي أن الحديث عن النفط الفنزويلي بعقد يمتد قرنًا يُثير اعتراضًا اقتصاديًا أيضًا، لأن المستثمر الرشيد لا يبني تقييمه لحقل على افتراض إنتاج ثابت أو التزام استثماري يمتد 100 عام، في حين تبدو مدة 25 عامًا أكثر منطقية.
لكنه أشار إلى إشكالية قانونية أخرى تتعلق بقدرة الحكومة المؤقتة على إلزام الدولة بعقود طويلة الأجل، مؤكدًا أن المسألة لا تتوقف على مدة العقد، بل تشمل شرعية الجهة التي توقعه وصلاحياتها الدستورية والقانونية.
وانتقل إلى ملف الاحتياطيات، بوصفه من أهم النقاط في الجدل حول الملف، بعدما تحدث ترمب عن 65 مليار برميل، وهو رقم يحتاج إلى التمييز بين النفط الموجود في المكامن والاحتياطيات القابلة للاستخراج اقتصاديًا.

وأوضح أنس الحجي أن وجود 65 مليار برميل في المكامن لا يعني إمكان إنتاج الكمية نفسها اقتصاديًا، فالصناعة النفطية تميز بين الكمية الأصلية الموجودة تحت الأرض والاحتياطيات المؤكدة التي يمكن استخراجها وفق التقنيات والظروف الاقتصادية المتاحة فعلًا.
وقال إن المنطقة الغربية من فنزويلا قد تسمح باستخراج ما يتراوح بين 15% و18% من الكميات الموجودة في المكامن، ولذلك فإن الاحتياطيات القابلة للاستخراج تقترب من 11 مليار برميل، وليس 65 مليارًا وفق التقديرات المطروحة.
وأضاف أن الحسابات المالية المرتبطة بالمشروع تعزّز هذا التفسير، لأن الأرقام المتداولة للعوائد والاستثمارات لا تتسق مع افتراض احتياطيات قابلة للاستخراج تبلغ 65 مليار برميل، في حين تبدو أكثر توافقًا مع نحو 11 مليارًا فقط.
ورأى أن النفط الفنزويلي يجب أن يُقرأ وفق مفاهيم صناعة الطاقة، لا وفق الأرقام السياسية وحدها، لأن الفرق بين الموارد الموجودة والاحتياطيات القابلة للاستخراج يؤثر مباشرة في قيمة العقود وحجم الاستثمارات والإنتاج المتوقع.
وأكد أن تضخيم رقم الاحتياطيات قد يقود إلى تقديرات غير واقعية بشأن حجم الصفقة وقيمتها، كما قد يخلق انطباعًا بأن الولايات المتحدة حصلت على مورد نفطي يعادل إضافة ضخمة إلى احتياطياتها الرسمية المعلنة.
العوائد وأوبك والأسعار
شدّد أنس الحجي على أن تقييم أي اتفاق نفطي يحتاج إلى معرفة حجم الاحتياطيات المؤكدة، ونسب الاستخراج، وتكاليف التطوير، وأسعار الخام، وآليات تقاسم الإيرادات، بدل الاكتفاء بالكمية الإجمالية للنفط الموجود في المكامن تحت الأرض.
وناقش بعد ذلك ما إذا كانت الاتفاقات المقترحة تحقق منفعة لفنزويلا، موضحًا أن الحديث عن النفط الفنزويلي المجاني للأميركيين لا يتفق مع طبيعة الاستثمارات والعقود النفطية، التي تقوم عادة على ترتيبات مالية وتقاسم للإيرادات.
وأوضح أن أي استثمار أميركي واسع يحتاج إلى استرداد تكاليف التطوير وتحقيق عائد للمستثمر، في حين تحصل الدولة المضيفة على إيرادات وحقوق مرتبطة بالإنتاج، ولذلك فإن وصف الإمدادات بأنها مجانية يحتاج إلى تدقيق قانوني واقتصادي.
وأشار إلى أن الحديث عن استعمال الإنتاج لملء المخزون الإستراتيجي الأميركي يفتح سؤالًا آخر بشأن الكميات الفعلية التي يمكن توفيرها، والمدة اللازمة لزيادة الإنتاج، ومدى توافق ذلك مع الاحتياجات المحلية والتزامات السوق الأميركية.

ولفت أنس الحجي إلى أن وعد خفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة عبر النفط الفنزويلي يحتاج إلى حسابات دقيقة، لأن أسعار الوقود لا تتحدد بسعر الخام وحده، بل تتأثر بالتكرير والضرائب والنقل وهوامش التسويق.
وأكد أن النفط الفنزويلي قد يضيف إمدادات إلى السوق الأميركية مستقبلًا، لكن أثره في الأسعار يعتمد على سرعة نمو الإنتاج وتكاليفه وجودة الخام وقدرة المصافي على استيعابه، وليس على مجرد إعلان صفقة كبيرة.
وتناول أنس الحجي كذلك احتمال خروج فنزويلا من منظمة أوبك إذا ارتفع إنتاجها بصورة كبيرة، مذكرًا بأن النفط ارتبط تاريخيًا بالمنظمة منذ تأسيسها، ما يجعل القرار ذا أبعاد سياسية وإستراتيجية تتجاوز حسابات الإنتاج وحدها.
واستعرض مكانة فنزويلا التاريخية في تأسيس أوبك، مشيرًا إلى أن الوزير الفنزويلي ألفونسو بيريز كان صاحب دور فكري في تطوير فكرة المنظمة، وأن تيارات سياسية داخل البلاد ما تزال تنظر إليها بوصفها إطارًا مهمًا لحماية مصالح الدول المنتجة.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





