أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطتقارير منوعةسلايدر الرئيسيةمنوعاتنفط

كيف تتأثر تجارة الأسمدة والأمن الغذائي بأزمة مضيق هرمز والممرات البحرية؟ (تقرير)

أحمد بدر

تواجه تجارة الأسمدة ضغوطًا متزايدة مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، ما يهدد بزيادة أعباء القطاع الزراعي وانعكاسها على أسعار الغذاء والتضخم عالميًا خلال المواسم المقبلة.

وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي إن المشكلة لم تظهر بالكامل خلال الموسم الزراعي الحالي، لأن معظم المزارعين والشركات الزراعية الكبرى كانوا مستعدين مسبقًا ولديهم مخزونات كافية.

وأوضح أن الأزمة الحقيقية تتعلق بالموسم الزراعي المقبل، في ظل استمرار الاضطرابات البحرية، مشيرًا إلى أن تكاليف الأسمدة والطاقة والشحن تتزايد بصورة متزامنة، وهو ما يجعل تداعيات الأزمة أوسع من مجرد اضطراب في أسواق النفط والغاز.

وتأتي هذه التطورات في وقت شهدت فيه أسواق الأسمدة ارتفاعات حادة بالأسعار، بالتزامن مع زيادة تكاليف الديزل المستعمل في المعدات الزراعية، في حين انعكست اضطرابات النقل البحري على تكاليف وصول السلع والمواد الأولية إلى الأسواق العالمية.

وجاءت تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدمه على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وجاءت بعنوان "أزمة تتناسل: من هرمز إلى البحار الثلاثة فالمَزارع.. حتى المواصلات والكهرباء والتدفئة والتبريد".

أزمة الأسمدة والموسم الزراعي المقبل

أشار د.أنس الحجي إلى أن أغلب المزارعين حول العالم، وكذلك الشركات الزراعية الكبرى، دخلوا الموسم الحالي وهم يمتلكون مخزونات من الأسمدة، ما ساعد على استمرار العمليات الزراعية رغم بداية الأزمة، لكن هذه الحماية المؤقتة قد لا تستمر بالموسم المقبل.

وقال إن المشكلة الأساسية تتمثل في السؤال المتعلق بالموسم الزراعي التالي، خصوصًا أن أزمة مضيق هرمز لم تنتهِ، وكذلك اضطرابات باب المندب، ما يعني استمرار المخاطر أمام تدفقات السلع ومدخلات الإنتاج الزراعي عبر الممرات البحرية.

وخلال المدة الماضية، أظهرت تطورات الأسواق أن عددًا كبيرًا من المزارعين والشركات خفضوا المساحات المزروعة أو الكميات المنتجة، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة من جهة، وزيادة أسعار مدخلات الإنتاج، وفي مقدمتها الأسمدة من جهة أخرى.

مصنع لإنتاج الأسمدة
مصنع لإنتاج الأسمدة - الصورة من شركة نوتريان

ولفت د.أنس الحجي إلى أن أسعار الأسمدة شهدت خلال المدة السابقة ارتفاعات كبيرة، قبل أن تتراجع من مستوياتها القياسية، لكنها بقيت عند مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل تصاعد اضطرابات الطاقة والنقل العالمية.

وتزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الديزل في الولايات المتحدة، إذ أوضح الحجي أن السعر كان في حدود 4 إلى 4.5 دولارًا للغالون عند بداية الأزمة، قبل أن يصل إلى نحو 6.5 دولارًا، بزيادة تقارب 50%.

وأوضح أن التركيز على الديزل يعود إلى اعتماده الواسع داخل المزارع، إذ تعمل معظم المعدات الزراعية به، ومن ثم فإن ارتفاع سعره يرفع تكلفة عمليات الحرث والزراعة والحصاد والنقل، ويضغط مباشرة على هوامش المنتجين الزراعيين.

وبحسب الحجي، فإن زيادة أسعار الأسمدة والوقود لا تمثل العبء الوحيد على المزارعين، إذ تضاف إليها قفزة كبيرة في تكاليف الشحن البحري، ما يرفع تكلفة نقل المواد الخام والسلع الزراعية بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.

الشحن البحري يضاعف الضغوط

أوضح د.أنس الحجي أن تكاليف الشحن لبعض الناقلات ارتفعت بصورة هائلة، مشيرًا إلى حالات قفزت فيها التكلفة اليومية من نحو 100 ألف دولار إلى مليون دولار، وهو فارق يضيف أعباء كبيرة إلى التجارة العالمية.

ويرى أن هذه الزيادة لا تتوقف عند شركات النقل، بل تنتقل إلى أسعار السلع النهائية، إذ تضطر الشركات إلى تحميل جزء من تكاليف النقل المرتفعة على المستوردين والموزعين، ما يزيد تكلفة المنتجات في الأسواق المختلفة.

وأشار إلى أن أسعار بعض المحاصيل ارتفعت بالفعل خلال المدة الأخيرة، إذ سجل القمح زيادة بنحو 24%، في حين ارتفعت أسعار محاصيل أخرى بنسب تراوحت بين 15% و18%، وفق الأرقام التي استعرضها خلال الحلقة.

مستودع تخزين الأسمدة في إحدى منشآت سابك - الصورة من موقع الشركة

ومع ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة والنقل، تتسع دائرة الضغوط لتصل إلى المستهلك النهائي، خصوصًا أن الغذاء يمثل عنصرًا أساسيًا في سلة الإنفاق، ومن ثم فإن ارتفاع تكاليف إنتاجه ونقله ينعكس سريعًا على معدلات التضخم.

وقال د.أنس الحجي إن ارتفاع التضخم يضع البنوك المركزية أمام تحديات صعبة، مستشهدًا بالولايات المتحدة، إذ يتزامن ارتفاع الأسعار مع مطالب الرئيس ترمب بخفض أسعار الفائدة، في حين يفرض التضخم ضغوطًا معاكسة على السياسة النقدية.

وأضاف أن تراجع عملات عدد من الدول أمام الدولار يزيد المشكلة تعقيدًا، لأن انخفاض قيمة العملة المحلية يرفع تكلفة الواردات، في وقت ترتفع فيه أصلًا أسعار الطاقة والسلع والشحن، ما يضاعف الأعباء على الاقتصادات المستوردة.

وضرب مثالًا بالين الياباني، موضحًا أن السلطات اليابانية تدخلت لدعم العملة بعد تراجعها، لكن التحسن كان محدودًا قبل عودة الضغوط، ما يعكس صعوبة مواجهة آثار ارتفاع تكاليف الواردات في بيئة عالمية مضطربة.

ويرى الحجي أن أزمة الأسمدة تكشف أن تداعيات اضطرابات هرمز لا تقتصر على سوق النفط، وإنما تمتد إلى الزراعة والغذاء والنقل والصناعة، ضمن سلسلة مترابطة من التأثيرات التي تتوسع كلما طال أمد اضطراب الممرات البحرية.

من مضيق هرمز والبحار الـ3 إلى المزارع

أوضح د.أنس الحجي أن الأزمة الحالية أكبر من كونها أزمة نفط أو غاز مسال، مشيرًا إلى ما وصفه بأزمة "البحار الثلاثة"، إلى جانب تأثيرات الجفاف وانخفاض مناسيب المياه في عدد من الأنهار الأوروبية.

وأشار إلى أن انخفاض مناسيب المياه أدى في بعض المناطق الأوروبية إلى صعوبة حركة السفن الصغيرة والبوارج، وهو ما تسبب في تعطيل عمليات النقل، وانعكس بدوره على تدفقات الطاقة والوقود وبعض الإمدادات الصناعية.

وفي السياق نفسه، أدى انخفاض منسوب المياه في قناة بنما إلى تقليص عدد السفن التي يمكنها العبور، في حين يواجه أصحاب السفن طوابير انتظار طويلة، قد تصل إلى 11 أو 12 يومًا، وفق شرح الحجي.

وبيّن أن تكلفة الانتظار تصبح كبيرة عندما تدفع السفينة نحو 200 ألف دولار يوميًا، خصوصًا بالنسبة إلى الشحنات العاجلة أو السلع التي ترتبط بعقوبات أو مواعيد تسليم محددة، ما يضيف تكاليف جديدة إلى التجارة.

جانب من قناة بنما
جانب من قناة بنما - الصورة من الموقع الرسمي للقناة

وتحدث د.أنس الحجي عن آلية تتيح لبعض السفن تجاوز طوابير الانتظار عبر دفع مبالغ إضافية، موضحًا أن نقل سفينة من ترتيب متأخر، مثل المركز 75، إلى المركز الأول قد يتطلب أكثر من 5 ملايين دولار.

وتنعكس هذه الزيادات على مختلف القطاعات، بما فيها القطاع الزراعي، لأن تكاليف نقل المواد الخام ومدخلات الإنتاج ترتفع قبل وصولها إلى المزارع، وهو ما يضاف إلى ارتفاع تكلفة الأسمدة والوقود والمعدات الزراعية.

كما لفت الحجي إلى أهمية الكبريت في عدد من الصناعات، ومن بينها صناعة الأسمدة، مؤكدًا أن نقص الكبريت لا يؤثر فقط في تجارة المادة نفسها، بل يحد كذلك من الاستفادة من الفوسفات المستعمل في الإنتاج.

وأوضح أن دولًا تمتلك موارد فوسفاتية وتصدرها -مثل المغرب وسوريا- تحتاج إلى الكبريت في عمليات التصنيع، ومن ثم فإن اضطراب إمداداته أو ارتفاع أسعاره يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سلاسل توريد الأسمدة العالمية.

وخلص الحجي إلى أن الأزمة انتقلت من مضيق هرمز إلى الممرات البحرية، ثم إلى الحقول والمزارع والقطاع الزراعي، بالتوازي مع امتداد تداعياتها إلى قطاعات أخرى، بينها الحواسيب والهواتف الذكية، التي قد تواجه ارتفاعًا في الأسعار خلال المدة المقبلة.

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق