التقاريرتقارير الغازتقارير دوريةسلايدر الرئيسيةغازوحدة أبحاث الطاقة

حقل غرونينغن.. كيف حرمت الزلازل أوروبا من مصدر مهم للغاز؟

غرونينغن هو أكبر حقول الغاز في القارة العجوز

وحدة أبحاث الطاقة - أحمد شوقي

اقرأ في هذا المقال

  • غرونينغن يُعَد أكبر حقل للغاز الطبيعي في أوروبا ومصدرًا مهمًا للإمدادات.
  • هولندا اكتشفت حقل غرونينغن عام 1959 بواسطة شل وإكسون موبيل.
  • إنتاج الغاز في غرونينغن بلغ ذروته في السبعينيات عند 88 مليار متر مكعب.
  • نشاط الزلازل أجبر الحكومة الهولندية على وضع خطط لإغلاق الحقل.
  • استمرار الإنتاج في غرونينغن يعني تخفيف أضرار التخلي عن الغاز الروسي.

قبل أكثر من 60 عامًا، كانت هولندا على موعد مع اكتشاف حقل غرونينغن، الذي بات منذ ذلك الحين أحد المصادر الرئيسة لإمدادات الغاز المحلي في أوروبا، قبل أن يغلق رسميًا.

واستفادت هولندا كثيرًا من تزايد إنتاج الحقل خلال أول عقدين تقريبًا مع بدء تدفق الغاز من أكبر الحقول في أوروبا؛ سواء لتلبية الطلب المحلي أو تحقيق إيرادات من التصدير إلى العديد من الدول الأوروبية.

وفي السنوات التالية، قررت الحكومة الهولندية طواعيةً الحفاظ على احتياطيات الحقل للمستقبل والتركيز على الإنتاج من الحقول الصغيرة، لكنها لم تكُن تعلم أن تزايد نشاط الزلازل في أوائل العقد الماضي جراء أعمال الحفر، سوف يجبرها على خفض إنتاج حقل غرونينغن للغاز (Groningen gas field)، حفاظًا على حياة المجتمعات في المنطقة.

وهنا كانت بداية النهاية للحقل، الذي تعتزم هولندا إغلاقه في وقت لاحق، لتُحرم أوروبا من مصدر رئيس لإمدادات الغاز، التي تتهافت عليها الآن في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وترصد وحدة أبحاث الطاقة في السطور التالية أبرز المعلومات عن حقل غرونينغن وتأثيره في إمدادات الغاز الأوروبية.

اكتشاف حقل غرونينغن

في عام 1947، كانت هناك رغبة مشتركة من قبل شركتي شل الأنغلو هولندية وإكسون موبيل الأميركية في التنقيب عن النفط وإنتاجه في هولندا؛ ما أدى بهما إلى الاستثمار في شركة جديدة تُعرف باسم (إن إيه إم)، NAM هو اختصار لكلمة (Nederlandse Aardolie Maatschappij).

وكان إنتاج الغاز لأول مرة منذ عدة حقول صغيرة في مدينة كوفوردن (Coevorden) عام 1948، هو باكورة العمل المشترك بين شل وإكسون موبيل.

ورغم ذلك؛ فقد كان اكتشاف حقل غرونينغن بالقرب من سلوتشتيرين (Slochteren) عام 1959 -أحد أكبر حقول الغاز في عالميًا- هو اللحظة الأهم في تاريخ شركة (إن إيه إم)، ونقطة فارقة في تحولها إلى التركيز على استخراج الغاز الطبيعي.

منذ اكتشاف الحقل الهولندي، أجرت الشركة المُشغلة عدّة مراجعات لتقييم حجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج، بداية من 60 مليار متر مكعب عام 1959، مرورًا بتقديرات عام 1962 عند 470 مليار متر مكعب، لينتهي الأمر باحتياطي يُقدّر بأنها تقارب 2800 مليار متر مكعب.

وتقع احتياطيات الغاز في الحقل على أعماق تتراوح بين 2600 و3200 متر، ويضمن الحقل أكثر من 250 بئر إنتاج موزعة على 22 موقع إنتاج.

وتختلف جودة الغاز المُكتشف في حقل غرونينغن عن معظم الحقول الأخرى في العالم، كونه يحتوي على نسبة عالية نسبيًا من النيتروجين تبلغ 14%، وكمية أقل من الطاقة لكل متر مكعب، مقارنة بمعظم حقول الغاز الأخرى.

ونتيجة لذلك؛ فإن الأجهزة المنزلية (التدفئة والطهي)، باتت تصنع خصيصًا لتتلاءم مع هذا النوع من الغاز، وبات حقل غرونينغن يزود 98% من سكان هولندا بالغاز.

وأنتجت البلاد بالفعل أكثر من 75% من الغاز في الحقل منذ عام 1963، وأداء دور كبير في دعم الاقتصاد الهولندي.

إنتاج الغاز في حقل غرونينغن

بدأ إنتاج الغاز الطبيعي من حقل غرونينغن عام 1963، وشهد ارتفاعًا قويًا خلال الستينيات والسبعينيات؛ إذ عملت الحكومة الهولندية على تعزيز الإمدادات، لبيع الكثير من الغاز إلى الخارج، خاصة بلجيكا وألمانيا وفرنسا.

وبات إنتاج حقل غرونينغن مصدرًا رئيسًا للغاز في أوروبا منذ ذلك الحين، وبلغ ذروته عند 88 مليار متر مكعب عام 1976، قبل أن ينخفض إلى 54 مليار متر مكعب في عام 2013، قبل خطط خفض الإنتاج بسبب نشاط الزلازل.

وعملت الحكومة الهولندية على تعزيز إنتاج الغاز من حقل غرونينغن في السنوات الأولى، من أجل الاستفادة من احتياطياته وتعزيز الصادرات وجني الموارد المالية؛ نظرًا لاعتقادها أن الطاقة النووية ستتجاوز مصادر الطاقة الأخرى مثل الغاز في غضون عقدين مقبلين من الزمن.

ورغم ذلك؛ فقد قررت هولندا بعد أزمة النفط عام 1973 والمقاومة ضد الطاقة النووية -نظرًا لمخاوف السلامة- تقليص إنتاج الغاز من غرونينغن من أجل ضمان استمرارية الإمدادات في المستقبل، والتركيز على الحقول الصغيرة، التي وصل عددها إلى 175 حقلًا تحت قيادة شركة (إن إيه إم).

وهنا بدأت الحكومة الهولندية تستخدم كميات الغاز المنتجة من الحقل؛ لموازنة الطلب فقط؛ فإذا كانت الحاجة إلى الغاز أعلى مما يمكن أن تتعامل معه الحقول الصغيرة، فستعمل الحكومة على تعزيز إمدادات أكبر حقل غاز بها.

وتجلى ذلك بين عامي 2000 و2013، عندما بدأ الإنتاج في الارتفاع مرة أخرى؛ بسبب استمرار انخفاض مساهمة حقول الغاز الصغيرة، قبل خطط خفض الإنتاج بسبب نشاط الزلازل.

ومنذ فرض هذه الخطط، تراجع إنتاج غرونينغن من الغاز بنسبة 73% من 42 مليار متر مكعب في عام 2014 إلى 11 مليار متر مكعب عام 2019، قبل وباء كورونا، الذي كانت له تداعيات على الإنتاج بخلاف خطط خفضه.

كما انخفضت حصة حقل غاز غرونينغن في إجمالي الإنتاج الهولندي من 62% في 2014 إلى 38% في 2019، وفق بيانات منتدى الدول المصدرة للغاز.

وبصفة عامة، بلغ إنتاج الغاز الطبيعي في هولندا 27.8 مليار متر مكعب في عام 2019، قبل أن يهبط إلى 20.1 و18.1 مليار متر مكعب في عامي 2020 و2021 على التوالي، وفق بيانات شركة النفط البريطانية بي بي.

إنتاج الغاز الطبيعي في هولندا

خطط إغلاق الحقل

كان تاريخ 16 أغسطس/آب 2012، نقطة تحول في مستقبل إنتاج الغاز من حقل غرونينغن الهولندي؛ إذ وقع زلزال بقوة 3.6 درجة على مقياس ريختر في منطقة الحقل، أدّى إلى تدمير المباني والطرق وتعريض حياة السكان للخطر، بعد عدة زلازل وقعت لكن بشدة أقل بداية من 1991.

ودفع ذلك البلاد إلى وضع خطط لتقليص إنتاج الغاز من الحقل، بعد عدة أبحاث أثبتت أن الإنتاج في غرونينغن يتسبب في حدوث زلازل تؤثر في الحياة اليومية للمجتمعات التي تعيش في المنطقة؛ ما دفع وزارة الشؤون الاقتصادية الهولندية لإعطاء تصريح إنتاج الغاز على أساس خطة تتضمن الإنتاج بطريقة آمنة.

وبعد زلزال عام 2012، قدمت شركة (إن إيه إم) خطة إنتاج معدلة لحقل غرونينغن في نهاية عام 2013؛ استجابةً لطلب الوزارة.

وفي نهاية عام 2016، ارتفع نشاط الزلازل في منطقة الحقل؛ ما دفع الهيئة المشرفة على المناجم في هولندا إلى إبلاغ وزارة الشؤون الاقتصادية الهولندية بضرورة خفض إنتاج حقل غرونينغن في عام 2017، بنسبة 10% من 24 إلى 21.6 مليار متر مكعب.

وفي أعقاب زلزال آخر عام 2018، جاءت المطالبات بضرورة خفض إنتاج الحقل إلى 12 مليار متر مكعب سنويًا في أقرب وقت ممكن؛ لتقليل النشاط الزلزالي وتأمين سلامة السكان.

ووضعت الحكومة الهولندية آنذاك -عام 2018- خطة لخفض إنتاج الغاز من حقل غرونينغن إلى 12 مليار متر مكعب بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2022، على أن يستمر الانخفاض التدريجي ليتوقف الإنتاج تمامًا بحلول عام 2030.

ورغم ذلك؛ فقد أسفر زلزال قوي في مايو/أيار 2019 عن قرار الحكومة الهولندية بخفض إنتاج الغاز بشكل كبير بهدف إغلاق الحقل بحلول عام 2022؛ أي قبل 8 سنوات من الموعد الأصلي.

ودفعت مخاوف نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية أواخر عام 2021، الحكومة الهولندية للإشارة في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إلى احتمال أن تضطر لزيادة إنتاج الغاز في حقل غرونينغن في العام الذي يمتد من أكتوبر/تشرين الأول 2021 إلى سبتمبر/أيلول 2022.

وبالفعل، أعلنت هولندا، في يناير/كانون الثاني 2022، السماح بإنتاج 7.6 مليار متر مكعب سنويًا من الحقل، ارتفاعًا من التقديرات السابقة البالغة 3.9 مليار متر مكعب.

وأشارت التوقعات الحكومية -وفق ما نقلته وكالة رويترز- بعد ذلك إلى أن متوسط إنتاج الحقل قد يبلغ 4.5 مليار متر مكعب هذا العام، قبل أن يتوقف بشكل شبه كامل لاحقًا.

غرونينغن ومشكلة الغاز في أوروبا

أسهم خفض إمدادات الغاز الطبيعي من حقل غرونينغن في تراجع إنتاج الغاز داخل أوروبا إلى 210.4 مليار متر مكعب في 2021، انخفاضًا من ذروته البالغة 337.4 مليار متر مكعب والمسجلة عام 2004، وفق بيانات شركة النفط البريطانية بي بي، التي رصدتها وحدة أبحاث الطاقة.

إنتاج الغاز الطبيعي في أوروبا

وبدأ تراجع إنتاج الغاز في حقل غرونينغن في وقت لم تكُن فيه هولندا ودول أوروبا مستعدة بصورة كافية لتوفير مصادر بديلة، خاصة فيما يتعلق بالطاقة المتجددة؛ ما جعلها تعتمد على روسيا في 35% تقريبًا من احتياجاتها من الغاز، التي بلغت 571.1 مليار متر مكعب خلال 2021، وفق بيانات شركة النفط البريطانية بي بي.

وفي عام 2013، قبل خطط خفض إنتاج غرونينغن، كانت أوروبا تعتمد على أكثر من 10% من إمدادات الغاز في الحقل، بعيدًا عن استهلاك هولندا، بحسب بيانات منتدى الدول المصدرة للغاز.

وبعد غزو أوكرانيا، ورغبة أوروبا في تقليل الاعتماد على الغاز الروسي، تزايدت الدعوات لإحياء إنتاج الغاز في حقل غرونينغن، خاصة أن احتياطياته المتاحة تبلغ 450 مليار متر مكعب تقريبًا، وهذا يعادل جميع احتياجات الاتحاد الأوروبي لمدة عام واحد، وفق تقديرات وكالة بلومبرغ.

وترى شركة أبحاث الطاقة، ريستاد إنرجي، أن التغيير الرئيس الوحيد الذي سيعزز إمدادات الغاز الأوروبية، لتعويض نقص الغاز الروسي، هو اتجاه هولندا إلى زيادة إنتاج حقل غرونينغن.

وقبل خطط خفض الإنتاج، بلغ إنتاج الغاز في غرونينغن 55 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما يعادل إمدادات خط أنابيب الغاز نورد ستريم 1، وحاليًا ما زال الحقل قادرًا على تعزيز الإنتاج بنحو 20 مليار متر مكعب، إذا رغبت هولندا في ذلك، وفق ما نقلته وحدة أبحاث الطاقة عن ريستاد إنرجي.

ورغم الضغوط، التي يُسببها الغزو الروسي لأوكرانيا؛ فإن هولندا لم تتخذ أيّ قرار حتى الآن بشأن تعزيز إنتاج أكبر حقول الغاز في أوروبا، لكنها أكدت فقط أنه يمكن استمرار استخراج الغاز في عامي 2023 و2024، في حالة الحاجة إليه لتعبئة مخزون الطوارئ.

وتأتي المخاوف من عودة إنتاج الغاز في غرونينغن بطاقته الكاملة في أن ذلك يعرّض حياة السكان للخطر من جهة، ويرتبط بمليارات الدولارات من مطالبات التعويض وإصلاحات المساكن جراء نشاط الزلازل من ناحية أخرى، خاصة أن أعمال الحفر تسببت في حدوث أكثر من ألف زلزال منذ عام 1963.

ومع ذلك؛ فإن هناك حاجة إلى موازنة المخاطر والمزايا وإعادة النظر في قرار إغلاق حقل غرونينغن في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى كل متر مكعب من الغاز.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق