أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطسلايدر الرئيسيةنفط

أنس الحجي: أسواق النفط لم تصدق ترمب.. وهذا أثر عقوباته ضد إيران

أحمد بدر

تأثرت أسواق النفط بتطورات العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، لكنها أظهرت ردّ فعل معاكسًا للتوقعات التي رافقت الإعلان، بعدما تراجعت الأسعار بنحو 4%، في إشارة إلى شكوك المتعاملين بشأن قدرة الإجراءات الجديدة على خفض الإمدادات.

وفي هذا الإطار، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن العقوبات الأميركية الجديدة قُدِّمَت بوصفها نقطة تحول حاسمة، غير أن الأسواق لم تتعامل معها بكونها إجراءً قادرًا على إحداث صدمة كبيرة في المعروض.

وأوضح أن أسواق النفط كانت أمام توقُّع منطقي يقضي بأن تؤدي العقوبات المشددة إلى تضييق صادرات إيران بصورة كبيرة، ومن ثم تقليص الإمدادات العالمية ورفع الأسعار، إلّا أن ما حدث جاء مختلفًا بصورة واضحة.

وأضاف أن التراجع الكبير في الأسعار عكسَ عدم اقتناع المتعاملين بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخزانة، مشيرًا إلى أن الرسائل الصادرة عن الإدارة الأميركية بشأن التطبيق التدريجي للعقوبات أثارت شكوكًا واسعة حول فاعليتها.

جاءت تصريحات أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، قدّمها عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "العقوبات الأميركية الجديدة: إيران الواجهة... والصين الهدف؟".

تراجع رهانات الأسواق على العقوبات

أكد أنس الحجي أن تسمية العقوبات الأميركية الجديدة بـ"D-Day" حملت دلالة رمزية كبيرة في الخطاب الأميركي، إذ ارتبط المصطلح بإنزال نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية، بوصفه بداية مرحلة قادت لاحقًا إلى الانتصار.

وأشار إلى أن أسواق النفط تعاملت مع الإعلان بطريقة مختلفة عن الرسالة السياسية المقصودة، إذ هبطت الأسعار بنحو 4% بدلًا من الارتفاع المتوقع، وهو ما عكسَ تقييمًا سلبيًا لتأثير العقوبات في الإمدادات الإيرانية.

ولفت إلى أن العقوبات طالت عددًا كبيرًا من الأشخاص والشركات داخل إيران وخارجها، وشملت كذلك شخصيات وشركات في بعض دول الخليج، إلّا أن اتّساع نطاقها لم يكن كافيًا لإقناع الأسواق بأنها ستوقف الصادرات الإيرانية.

النفط الإيراني

وقال أنس الحجي، إن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أدلى بتصريح خلال المؤتمر الصحفي حول العقوبات، عندما سُئل عن سبب تأجيل التنفيذ وتطبيق الإجراءات على مراحل، وأجاب بما يفيد أنه لا يريد تفجير أسواق المال العالمية.

ورأى أن هذا التصريح أعطى المتعاملين انطباعًا بأن الإدارة الأميركية لا تريد تنفيذ إجراءات تؤدي إلى صدمة مالية عالمية، وهو ما أضعف الثقة في مدى استعدادها لتحمُّل التداعيات الاقتصادية للعقوبات الجديدة.

وأضاف أن أسواق النفط قرأت الرسالة بوصفها امتدادًا لنمط العقوبات السابقة المفروضة على إيران وروسيا، التي لم تنجح -وفق تقييمه- في تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية التي فُرِضت من أجلها.

وأوضح أن التعبير الأميركي الذي يشبه العقوبات بـ"وحش بلا أسنان" يلخّص المشكلة، فالإجراءات قد تبدو ضخمة وقوية في ظاهرها، لكنها تفقد جانبًا مهمًا من تأثيرها عندما تكون أدوات تنفيذها محدودة أو تدريجية.

فشل العقوبات في تغيير مواقف الدول

استشهد أنس الحجي بالعقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، موضحًا أن الاتحاد الأوروبي يناقش حاليًا حزمة جديدة تمثّل الدورة الـ21، بعد 20 حزمة سابقة تحولت إلى قوانين وإجراءات رسمية.

وقال، إن أسواق النفط لم تتعامل مع العقوبات بصفتها قادرة وحدها على تغيير واقع إمدادات النفط الروسية، مشيرًا إلى أن موسكو ما زالت تُصدّر كميات كبيرة قريبة من طاقتها الإنتاجية، رغم العقوبات المتتالية.

وأشار إلى أن الضرر الأكبر الذي أصاب صادرات الطاقة الروسية ارتبط بالدمار الفعلي الناجم عن الطائرات المسيّرة الأوكرانية، وليس بالعقوبات الاقتصادية وحدها، مؤكدًا أن الحرب نفسها أحدثت تأثيرًا مباشرًا في بعض منشآت الطاقة.

ناقلة النفط الروسية يونيفرسال
ناقلة النفط الروسية يونيفرسال – الصورة من ذا تيليغراف

وأوضح أنس الحجي أن دراسات تمتد لأكثر من 110 سنوات تناولت العقوبات الاقتصادية والحصارات التي فُرضت عبر التاريخ، وخلصت في مجملها -وفق عرضه- إلى نتيجة أساسية مفادها أن العقوبات نادرًا ما تحقق أهدافها السياسية بصورة كاملة.

وبيّن أن تأثير العقوبات شهدَ تغيرًا ملحوظًا منذ تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تبنّي العولمة، إذ عُمِّمَ النظام المالي الأميركي عالميًا، ما منح واشنطن قدرة أكبر على استخدام أدوات مالية مؤثّرة ضد الدول.

وأضاف أن الولايات المتحدة حققت هدفين رئيسين من العولمة، تَمثَّل أولهما في نشر النظام المالي الأميركي عالميًا، وارتبط الثاني بتعميم القواعد الأميركية الخاصة بالملكية الفكرية، بما وسّع نطاق أدوات الضغط المتاحة لواشنطن.

وأكد أن أسواق النفط تأثرت بصورة غير مباشرة بهذا التحول، لأن العقوبات أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى الأنظمة المالية العالمية، لكن زيادة قوّتها لم تعنِ بالضرورة نجاحها في إجبار الدول المستهدفة على تغيير مواقفها السياسية.

ولفت إلى أن تعميم قوانين الملكية الفكرية سمحّ باستعمال أدوات قانونية وعقابية في مواجهة سرقة التقنيات والمنتجات، موضحًا أن هذه القواعد توسعت عالميًا وأصبحت قادرة على ملاحقة انتهاكات تقع خارج الولايات المتحدة.

ما أثر العقوبات على إيران؟

تحدث أنس الحجي عن تجربة إيران مع العقوبات، مشيرًا إلى أنها تمتدّ لنحو 45 عامًا، ومع ذلك بقي النظام السياسي قائمًا، بل توسَّع نفوذه الإقليمي وازدادت المواجهات والحروب والتوترات خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن أسواق النفط لم تجد في العقوبات الجديدة عاملًا كافيًا لتوقُّع تغير جذري في صادرات إيران، خصوصًا أن البلاد واجهت خلال العقود الماضية إجراءات أميركية وأوروبية وأممية واسعة، دون أن تؤدي إلى تغيير جوهري في موقفها.

وقال، إن فرض عقوبات جديدة بعد عقود من العقوبات السابقة يثير سؤالًا أساسيًا بشأن الإضافة التي يمكن أن تحققها هذه الإجراءات، مستشهدًا بالمثل الأميركي الذي يقول، إنه لا يمكن قتل الحصان مرتين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب - الصورة من ساكسفول فارمينغ

وبيّن أنس الحجي أن الاقتصاد الإيراني وصل -وفق توصيفه- إلى مستويات شديدة الصعوبة، مع تراجع قيمة العملة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ولذلك فإن تشديد العقوبات لا يعني بالضرورة وجود مساحة كبيرة إضافية للضغط.

وأضاف أن التعامل مع اقتصاد موجود بالفعل في القاع يختلف عن التعامل مع اقتصاد يتمتع بهوامش واسعة يمكن للعقوبات أن تستنزفها تدريجيًا، مؤكدًا أن هذه النقطة تحدّ من التأثير الإضافي للإجراءات الجديدة.

ورأى الحجي أن أسواق النفط التقطت هذه الحقيقة سريعًا، وهو ما انعكس في الانخفاض القوي للأسعار عقب إعلان العقوبات، بدلًا من حدوث موجة صعود نتيجة مخاوف نقص المعروض الإيراني.

ورأى أن ما أعلنته إدارة ترمب يمثّل -في جانب منه- استهلاكًا سياسيًا وإعلاميًا داخليًا يستهدف جمهور المعلومات الأميركي قبل الانتخابات، أكثر مما يمثّل إجراءً قادرًا على إحداث تحول كبير في سوق الطاقة العالمية.

وخلص الحجي إلى أن تأثير العقوبات الجديدة على إيران في السوق سيظل ضعيفًا، ما لم تترافق الإجراءات مع خطوات فعلية تؤدي إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بصورة ملموسة وتستمر مدة كافية لتغيير توقعات المتعاملين.

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق