أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطسلايدر الرئيسيةنفط

أنس الحجي: أوبك تدير أسواق النفط ولا تحتكرها.. ودرس مهم تعلمته أميركا

أحمد بدر

تؤدي أوبك دورًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة، ليس بوصفها منظمة احتكارية، بل من منطلق أنها جهة قادرة على إدارة جانب مهم من سوق تتسم بارتفاع تكاليف الاستثمار الأولية، وبطء الاستجابة لتغيرات الأسعار.

وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن صناعة النفط احتاجت تاريخيًا إلى مدير للسوق، مشيرًا إلى أن فترات الاستقرار الطويلة ارتبطت بوجود جهة تضطلع بهذه المهمة.

وبيّن أن أوبك وأوبك+ اضطلعا بهذا الدور جزئيًا، لافتًا إلى أن طبيعة الصناعة النفطية تجعل المنتجين قادرين على مواصلة الإنتاج حتى عند انخفاض الأسعار، بسبب محدودية التكاليف المتغيرة بعد إتمام الاستثمارات الأولية.

وأشار إلى أن أزمة مضيق هرمز قدمت درسًا جديدًا في إدارة الأسواق، بعدما تعذّر على السعودية وروسيا، وهما قائدتا أوبك+، أداء دور المدير بصورة كاملة نتيجة تعرض مصالحهما لهجمات، ما دفع أطرافًا أخرى إلى التدخل.

جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي يوم الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2026 على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "هرمز وأزمة الطاقة.. دروس جديدة في إدارة أسواق النفط العالمية".

ضرورة وجود مدير للسوق

قال أنس الحجي إن تاريخ صناعة النفط الممتد لنحو 160 عامًا أظهر أن الاستقرار تحقق لمدة طويلة عندما وُجد مدير للسوق، في حين ارتبطت القلاقل والتذبذبات الكبيرة بالفترات التي غابت فيها جهة قادرة على إدارة المعروض.

وأوضح أن أوبك لا يمكن تصنيفها بوصفها منظمة احتكارية لمجرد اضطلاعها بدور إداري، مؤكدًا أن إدارة السوق تختلف جذريًا عن الاحتكار، وأن الهدف يتمثّل في الحد من الاختلالات وليس التحكم المطلق في الأسعار.

وأكد أن طبيعة أوبك تقوم على معالجة مشكلة هيكلية داخل صناعة النفط؛ إذ تتركز نسبة كبيرة من الاستثمارات في بداية المشروع، في حين تصبح تكاليف الإنتاج اليومية منخفضة نسبيًا بعد اكتشاف الحقل وبدء الإنتاج.

تحالف أوبك+

وأشار أنس الحجي إلى أن حفر بئر نفط في غرب تكساس قد يتطلب استثمارًا أوليًا يبلغ 12 مليون دولار، وقد ينتهي الأمر باكتشاف بئر جافة، ما يعني خسارة رأس المال المستثمر بالكامل، في حين تتحمّل الآبار المنتجة التكاليف مقدمًا.

وبيّن أن انخفاض الأسعار لا يدفع المنتجين بالضرورة إلى إغلاق الآبار، لأن تكاليف التشغيل المتغيرة تظل محدودة مقارنة بالاستثمارات الأولية، ولذلك يستطيع المنتج مواصلة الضخ عند مستويات سعرية منخفضة، ما يفاقم اختلالات السوق.

ولفت إلى أن التكلفة المتغيرة لإنتاج النفط في الولايات المتحدة تدور حاليًا حول 18 دولارًا للبرميل، ولذلك يستطيع كثير من المنتجين مواصلة الإنتاج حتى إذا هبطت الأسعار إلى 25 دولارًا، في حين تتوقف الاستثمارات الجديدة.

وأضاف أن استمرار الإنتاج رغم تراجع الأسعار يجعل السوق بحاجة إلى جهة لتنسيق قرارات المنتجين، لأن خفض الإمدادات في الوقت المناسب يمكن أن يمنع انهيار الأسعار، ويحافظ في الوقت نفسه على استدامة الاستثمارات النفطية مستقبلًا.

فوائد إدارة السوق

قال أنس الحجي إن أوبك لا تؤدي دورًا مرتبطًا بالأسعار والأرباح فقط؛ إذ تمتد فوائد الإدارة إلى رفع كفاءة استعمال الموارد، موضحًا أن فترات الأسعار المنخفضة شهدت تاريخيًا مستويات أكبر من الهدر داخل الصناعة.

وأوضح أن ارتفاع الأسعار مع وجود إدارة للسوق يدفع المنتجين إلى تحسين الكفاءة وتقليص الهدر، لأن الموارد تصبح أكثر قيمة، وهو ما يحقّق منفعة للمجتمع تتجاوز مصالح الشركات والدول المنتجة وحدها.

وأكد أن الدرس التاريخي الأساسي من صناعة النفط يتمثّل في الحاجة إلى مدير للسوق، مشيرًا إلى أن أزمة هرمز أظهرت أهمية هذه الوظيفة بصورة أوضح، بعدما تعرّضت قدرة القادة التقليديين على التدخل لقيود مباشرة.

صناعة النفط

وبيّن أنس الحجي أن أوبك+، بقيادة السعودية وروسيا، كان يمثّل المدير الرئيس للسوق، لكن تعرّض السعودية لضربات في الخليج والبحر الأحمر، وروسيا لهجمات في البحر الأسود، حدّا من قدرتهما على ممارسة الدور المعتاد.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة أدركت بدورها أهمية إدارة الأسواق عندما عجز القطاع الخاص عن تحقيق الاستقرار، موضحًا أن الحكومة الأميركية تدخلت تاريخيًا في أوقات مختلفة عندما رأت أن آليات السوق وحدها لا تكفي.

ولفت إلى أن إدارة السوق ظهرت خلال أزمة هرمز عبر أطراف متعددة؛ إذ تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال السحب من المخزون الإستراتيجي، كما تدخلت وكالة الطاقة الدولية والصين بأدوات مختلفة.

وأوضح أن هذه التطورات أكدت أن أوبك تظل ضرورة لإدارة سوق النفط، حتى مع ظهور أطراف أخرى قادرة على التدخل مؤقتًا، لأن تعدد أدوات الإدارة لا يلغي الحاجة إلى جهة دائمة تراقب التوازنات.

درس أميركا من المخزون الإستراتيجي

كشف أنس الحجي عن أن الولايات المتحدة ووكالة الطاقة الدولية لجأتا إلى السحب من المخزونات الإستراتيجية لتعويض جانب من نقص الإمدادات الناجم عن أزمة هرمز، موضحًا أن الكميات المسحوبة بلغت مستويات كبيرة مقارنة بتدخلات سابقة.

وقال إن خسائر الإمدادات المرتبطة بأزمة هرمز قُدّرت بنحو 18 مليون برميل يوميًا، قبل أن تُحوّل نحو 5 ملايين برميل يوميًا عبر خطوط الأنابيب، ما ترك فجوة تُقدر بنحو 13 مليون برميل يوميًا.

وأوضح أن السحب الأميركي بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية عوّض نحو 3 ملايين برميل يوميًا، في حين عوّضت الصين قرابة 6 ملايين برميل يوميًا من خلال خفض وارداتها من النفط، ثم عُوّض الجزء المتبقي بوسائل مختلفة.

المخزون النفطي الإستراتيجي
جانب من المخزون النفطي الإستراتيجي الأميركي - الصورة من tankstoragemag

وأشار أنس الحجي إلى أن أوبك+ لم يكن الطرف الوحيد القادر على التأثير في السوق خلال الأزمة؛ إذ دخلت الولايات المتحدة ووكالة الطاقة الدولية والصين على خط الإدارة، وهو ما كشف عن تعدّد أدوات التدخل في أسواق النفط.

وأكد أن نجاح إدارة السوق لا يعتمد فقط على امتلاك أدوات التدخل، وإنما يحتاج إلى شروط محددة، في مقدمتها استعمال كميات مؤثرة، وإيصال رسائل واضحة إلى الأسواق، وإدارة التوقعات بصورة مستمرة.

واستعاد الحجي بحثًا أرسله إلى البيت الأبيض قبل أكثر من 20 عامًا، خلال عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، وشرح فيه نظرية تقوم على استعمال السحب الكبير من المخزون الإستراتيجي لإدارة الأسعار.

وأوضح أن الدراسات التاريخية كانت تظهر تأثيرًا محدودًا للسحب من المخزون، لأن الكميات المستعملة كانت صغيرة، مثل 30 مليونًا أو 60 مليون برميل، فضلًا عن أن الرسائل المصاحبة للقرارات لم تكن قوية بما يكفي.

كيف تعلمت أميركا الدرس؟

قال أنس الحجي إن نظريته اشترطت سحب كميات ضخمة من المخزون الإستراتيجي، مع استعمال رسائل واضحة وبرنامج علاقات عامة يركز على استمرار السحب حتى حل المشكلة، بدلًا من إعلان كمية محددة ثم إنهاء العملية.

وأشار إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون أعلن في إحدى المرات سحب 30 مليون برميل فقط، ثم انتهى القرار دون إستراتيجية اتصال ممتدة، وهو ما عدّه الحجي نموذجًا ضعيفًا لإدارة تأثير المخزون.

وبيّن أن الفكرة لم تُطبّق عمليًا بالصورة التي اقترحها حتى عام 2022، عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن سحب نحو 180 مليون برميل، مصحوبًا برسائل تؤكد الاستعداد لمواصلة السحب إذا استدعت الظروف ذلك.

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن
الرئيس الأميركي السابق جو بايدن - الصورة من رويترز

وأكد أنس الحجي أن أوبك تظل عنصرًا أساسيًا في السوق رغم قدرة الولايات المتحدة والصين ووكالة الطاقة الدولية على التدخل عند الأزمات، لأن هذه الأطراف لا تستطيع بالضرورة توفير إدارة مستمرة ومتوازنة لكل المنتجين.

وأوضح أن تجربة 2022 أثبتت، وفق تقييمه، أن السحب الكبير من المخزون مع الرسائل المناسبة يمكن أن يكون أداة فعّالة لتخفيف صدمات الأسعار، بعدما ساعد التدخل الأميركي على الحد من الضغوط التضخمية.

ولفت إلى أن الأميركيين تعلموا من تجربة 2022، كما تعلم الجمهوريون من الديمقراطيين، في حين استفادت وكالة الطاقة الدولية من التجربة نفسها، ما أدى إلى انتقال النظرية من إطار بحثي إلى ممارسة قابلة للتطبيق.

واختتم الحجي تصريحاته بالقول إن أزمة هرمز قدمت درسًا أوسع بشأن إدارة الأسواق، مفاده بأن وجود أكثر من طرف قادر على التدخل لا يلغي الحاجة إلى مدير رئيس، بل يؤكد أهمية التنسيق بين الأدوات المختلفة لضمان استقرار السوق.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق