لماذا انخفضت أسعار النفط رغم نقص الإمدادات؟ الحجي يفسر حركة السوق ووضع الصين
أحمد بدر

انخفضت أسعار النفط رغم فقدان السوق ملايين البراميل يوميًا، بعدما أسهمت التحويلات عبر الأنابيب والسحب من المخزونات الإستراتيجية وتراجع الطلب في تقليص فجوة الإمدادات، لتتحول صدمة هرمز سريعًا من أزمة نقص إلى اختبار معقّد لتوازنات السوق.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن فهم حركة النفط يتطلّب النظر إلى خامات آسيا، وليس الاكتفاء ببرنت وغرب تكساس، لأن الأسعار الآسيوية تجاوزت مستويات قياسية خلال الأزمة.
وأشار إلى أن الأسواق الآسيوية شهدت قفزة تجاوزت 170 دولارًا للبرميل في خامَي دبي وعُمان، بعدما فقدت نحو 14 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار النفط كان أكبر مما أظهرته المؤشرات الأميركية والأوروبية.
وأضاف أن السعودية والإمارات حولتا بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا عبر الأنابيب إلى البحر الأحمر وميناء الفجيرة، في حين ضخت الدول المستهلكة كميات من المخزونات الإستراتيجية، ما خفّف نقص المعروض سريعًا وأعاد تشكيل توازن السوق.
جاءت تصريحات أنس الحجي، خلال حلقة من برنامجه "أنسيّات الطاقة"، قدّمها الثلاثاء 11 أغسطس/آب 2026 على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "هرمز ليست أزمة نفط فحسب.. لماذا تختلف عن كل الأزمات النفطية السابقة؟".
من نقص حاد إلى توازن جديد
قال أنس الحجي إن خسارة 11 إلى 14 مليون برميل يوميًا كانت كافية لرفع الأسعار بشدة، لكن السوق تلقت كميات بديلة من الأنابيب والمخزونات، فاختفت نسبة كبيرة من العجز، وتراجعت الأسعار مع انحسار الضغط الفعلي على الإمدادات.
وأوضح أن مستويات أسعار النفط في فبراير/شباط كانت الأعلى منذ عام 2017 قبل الحرب، نتيجة زيادة صادرات إيران، وضخ دول خليجية كميات إضافية إلى مواقع التخزين في مصر وأوروبا، من دون تجاوز حصص أوبك+، ما وفّر وسادة أولية للسوق.
وأكد أن تلك الكميات ساعدت في البداية على منع الأسعار من تجاوز 200 دولار للبرميل، لكنها لم تكن كافية وحدها أمام حجم النقص، قبل أن جاءت التحويلات السعودية والإماراتية لتضيف نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا.
وبيّن أن التحويلات عبر الأنابيب نقلت كميات، وأسهمت في تهدئة أسعار النفط، من الخام إلى البحر الأحمر وميناء الفجيرة، ما سمح بتجاوز جزء من أزمة هرمز، وقلّص تأثير توقف الإمدادات، خصوصًا مع استمرار تدفق النفط إلى الأسواق الآسيوية بطرق بديلة.

وأشار أنس الحجي إلى أن وكالة الطاقة الدولية قرّرت ضخ 400 مليون برميل من المخزون الإستراتيجي، منها 172 مليون برميل من الولايات المتحدة، وكانت عمليات السحب في بعض الفترات تتجاوز 3 ملايين برميل يوميًا، ما عزّز المعروض العالمي.
ولفت إلى أن اجتماع خسارة الإمدادات مع تحويل 4 إلى 5 ملايين برميل وضخ أكثر من 3 ملايين برميل من المخزونات، إلى جانب وجود كميات سابقة، أديا إلى تقليص العجز الحقيقي في السوق بصورة كبيرة، ودعم استقرار أسعار النفط في السوق.
وأضاف أن ارتفاع الخام فوق 170 دولارًا للبرميل دفع المصافي الصينية واليابانية وغيرها إلى تقليص المشتريات، لأن الأسعار المرتفعة أضعفت قدرة المصانع على الاستيراد، وبدأت صدمة الأسعار نفسها تتحول إلى صدمة طلب في السوق الآسيوية.
كما أوضح أن انخفاض الطلب بلغ مستوى كبيرًا، وضغط على أسعار النفط، بحيث عوّضت الكميات المحولة عبر الأنابيب والمخزونات جزءًا واسعًا من الفاقد، وأصبحت السوق عمليًا أمام إمدادات كافية، رغم استمرار الخسارة الأصلية في الإنتاج عبر مضيق هرمز.
الفرق بين الطلب والاستهلاك في الصين
فرّق أنس الحجي بين الطلب على النفط واستهلاكه، موضحًا أن الفارق أساسي لفهم حركة الخام، لأن الطلب يشمل الكميات المستهلكة فعليًا، بالإضافة إلى البراميل التي تشتريها الدول لبناء المخزونات، وهو ما يغيّر قراءة البيانات جيدًا.
وشرح أنه إذا كانت دولة تستهلك 10 ملايين برميل يوميًا وتخزّن مليونَي برميل إضافيين، فإن طلبها يبلغ 12 مليون برميل يوميًا، فتتأثر قراءة أسعار النفط، رغم بقاء الاستهلاك عند 10 ملايين، ولذلك لا يمكن تفسير تراجع الواردات باعتباره انخفاضًا مماثلًا في الاستهلاك.
وذكر أن الصين خفّضت وارداتها بنحو 6 ملايين برميل يوميًا، شاملة الخام والمنتجات النفطية، لكن ذلك لم يعنِ تراجع الاستهلاك بالمقدار نفسه، بل أظهر انخفاضًا كبيرًا في الطلب المرتبط بالتخزين والتصدير وحركة المصافي وتغيّر احتياجات السوق المحلية.

وأوضح أنس الحجي أن جزءًا من الانخفاض الصيني جاء من توقف بناء المخزون، بعدما كانت البلاد تضيف نحو 800 ألف إلى مليون برميل يوميًا، وبالتالي تراجعت الواردات بهذه الكمية، وضغطت على أسعار النفط، من دون انخفاض المخزونات أو الاستهلاك.
وأضاف أن الصين حظرت تصدير النفط، فتراجعت حاجة المصافي إلى شراء الخام المستورد، لأن الكميات التي كانت ستُستخدم لإنتاج صادرات من المنتجات النفطية لم تعد مطلوبة، ما أدى إلى انخفاض إضافي في الواردات، من دون انعكاس مماثل على الاستهلاك.
وأشار إلى أن هذا العامل أعاد تشكيل مسار أسعار النفط، مثل قرابة مليون برميل يوميًا أخرى من الانخفاض، من دون أن يضغط على الاستهلاك المحلي أو يؤدي إلى سحب كبير من المخزون، وهو ما يفسّر جزءًا مهمًا من الفجوة الظاهرة.
وكشف عن أن إنتاج الصين المحلي من النفط ارتفع بنحو 200 ألف برميل يوميًا، بالتزامن مع انخفاض في الاستهلاك، ما ساعد على تقليص الحاجة إلى الاستيراد، وأظهر أن تراجع الواردات لم يكن سببه عاملًا واحدًا، بل مجموعة تحولات متزامنة.
وأكد أن السحب من المخزون الصيني كان محدودًا جدًا، ولم يتجاوز نحو 500 ألف برميل يوميًا، خلافًا لتصورات ربطت كامل انخفاض الواردات بالسحب من الاحتياطيات، وهو ما جعل قراءة السوق أكثر تعقيدًا ودقة، وكشف اختلاف الطلب عن الاستهلاك.
تراجع الاستهلاك مع تباطؤ الاقتصاد الصيني
قال أنس الحجي إن الأدلة الأولية على انخفاض الاستهلاك الصيني كانت قابلة للنقاش، لكن المعلومات الحكومية الصينية أكدت لاحقًا وجود تراجع فعلي، وهو ما يختلف عن انخفاض الطلب الناتج عن توقف التخزين أو تغير حركة التجارة.
وأكد أن النمو الاقتصادي الصيني في الربع الثاني من العام الحالي انخفض إلى أدنى مستوى له منذ تسعينيات القرن الماضي، وفق ما أعلنته الحكومة، وهذا التباطؤ وحده ضغط على استهلاك الوقود والطاقة، وأضعف النشاط الصناعي والنقل.
وأوضح أن هذا العامل الاقتصادي كان كافيًا لتفسير جزء من انخفاض استهلاك النفط، من دون الحاجة إلى ربط التراجع بالكامل بالسيارات الكهربائية أو التحولات التكنولوجية، لأن النشاط الاقتصادي نفسه يؤثر مباشرة في الطلب على الوقود.
وأشار إلى أن تراجع الاستهلاك الصيني أضاف عاملًا جديدًا إلى قائمة العوامل التي ضغطت على السوق، بعدما اجتمعت زيادة الإمدادات البديلة مع سحب المخزونات وتراجع المشتريات الصينية، فضعفت قوة الصدمة الأصلية، وتغيرت توقعات المتعاملين تجاه الأسعار.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن السوق لم تعد تواجه نقصًا بالحجم الذي ظهر في الأيام الأولى، لأن البراميل البديلة دخلت مسارات جديدة، في حين تراجعت شهية المشترين الآسيويين، وهو ما جعل هبوط الخام أكثر قابلية للاستمرار، وأضعف تأثير فقدان الإمدادات.
بالإضافة إلى ذلك، لفت إلى أن النظر إلى برنت وغرب تكساس وحدهما قد يخفي جانبًا من الصورة، لأن خام دبي وعمان يمثّلان مؤشرَيْن أكثر أهمية لأسواق آسيا، حيث ظهرت القفزة السعرية الأكبر خلال أزمة هرمز وتغيّرت سلوكيات المشترين.
وأكد أن تجاوز الخام المتوسط الحامض 170 دولارًا للبرميل في آسيا دفع المستهلكين إلى تغيير سلوكهم بسرعة، خصوصًا في اليابان والصين، إذ أدى ارتفاع الأسعار إلى تقليص الطلب وتخفيف أثر نقص الإمدادات، وتسريع البحث عن بدائل.
واعتبر أن قراءة الخام خلال الأزمات لا تكتمل بمجرد مقارنة الإنتاج المفقود بالبراميل المتاحة، بل يجب احتساب مسارات التحويل، والسحب من المخزون، والتخزين، والصادرات، والاستهلاك، لأن تفاعل هذه العناصر يحدّد الاتجاه النهائي للسوق ويكشف عن أسباب الهبوط.
موضوعات متعلقة..
- الحجي: المخزون الإستراتيجي الأميركي سيذهب إلى الصين.. وهذا مصير أسعار النفط
- كيف أصبحت أسعار النفط أداة ضغط أوكرانية على ترمب؟ أنس الحجي يجيب
اقرأ أيضًا..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر..





