الحرب الإسرائيلية الإيرانيةالمقالاترئيسيةمقالات النفطملفات خاصةنفط

واردات الصين من النفط.. كيف تأثرت بحرب إيران وإغلاق مضيق هرمز؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • الحكومة وشركات الطاقة الصينية استغلت انخفاض الأسعار نسبيًا لبناء مخزونات إستراتيجية وتجارية
  • تأخير الناقلات والتهديدات الأمنية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أثّر في الشحنات
  • الشركات فرّغت النفط الخام المخزّن بالقرب من المواني ومرافق المعالجة
  • مصافي التكرير الصينية واجهت ارتفاعًا في تكاليف النفط الخام وضعفًا في هوامش الربح

تأثرت واردات الصين من النفط بحرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى إحدى أخطر صدمات سوق النفط في عام 2026، ويعود ذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من إمدادات البلاد يأتي عادةً من الشرق الأوسط.

وقبل تصاعد الحرب في أواخر فبراير/شباط الماضي، كانت الواردات من النفط الخام تتراوح بين 11.5 و12.6 مليون برميل يوميًا.

وبحلول شهرَي مايو/أيار ويونيو/حزيران الماضيين، انخفضت واردات الصين من النفط إلى نحو 6-7.5 مليون برميل يوميًا، ويمثّل هذا الانخفاض، الذي يتراوح بين 4 و5.5 مليون برميل يوميًا، تراجعًا بنحو 40% في بعض الفترات.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الانخفاض في واردات الصين من النفط مؤشرًا على انهيار الطلب المحلي، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

لجأت بكين إلى استعمال مخزوناتها، وخفضت إنتاج مصافي النفط الصينية، وتجنبت عمليات الشراء المكلفة من السوق الفورية.

وأسهم ذلك في حماية الإمدادات المحلية، والحدّ من المنافسة على الشحنات المتاحة، والمساعدة في منع حدوث ارتفاع حادّ في الأسعار العالمية.

الاستعداد قبل الأزمة

دخلت الصين مدة الحرب بميزة قيّمة: احتياطيات ضخمة من النفط الخام تراكمت خلال عام 2025. استوردت البلاد في ذلك العام ما معدله 11.6 مليون برميل يوميًا، وهو رقم قياسي، ويعود ذلك جزئيًا إلى استغلال الحكومة وشركات الطاقة الصينية لانخفاض الأسعار نسبيًا لبناء مخزونات إستراتيجية وتجارية. وبحلول أوائل عام 2026، قُدّر أن الصين تحتفظ بما بين 1.3 و1.5 مليار برميل من النفط الخام في المخزونات.

ورغم أن بكين لا تنشر بيانات تفصيلية عن المخزونات بانتظام، يعتقد المحللون أن هذه المخزونات توفر تغطية واردات لأكثر من 100 يوم.

وأصبح هذا الاحتياطي بالغ الأهمية عندما انخفضت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.

وينقل هذا المضيق عادةً نحو خُمس تدفقات النفط ومشتقاته العالمية، بما في ذلك إمدادات من العديد من كبار المنتجين الصينيين.

وتوقّع العديد من التجّار في البداية أن تندفع الشركات الصينية إلى السوق الفورية وتتنافس على براميل بديلة من روسيا وأفريقيا والأميركتين، وكان من شأن هذا الشراء أن يزيد الضغط على الأسعار.

بدلًا من ذلك، تبنّت بكين إستراتيجية أكثر حذرًا، فاستعملت النفط الخام المخزن وسمحت للواردات بالانخفاض.

خزانات النفط بميناء تشينغداو في الصين
خزانات النفط بميناء تشينغداو في الصين – الصورة من سي إن إن

حركة واردات الصين من النفط

توضح البيانات الجمركية وتقديرات تتبع الناقلات حجم التعطيل، وبحسب ما ورد تراوحَ متوسط ​​واردات الصين من النفط المنقولة بحرًا بين 6.2 و7.1 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران الماضي، اعتمادًا على المصدر والمنهجية.

وكان هذا أدنى مستوى شهري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016، وكانت الواردات في مايو/أيار الماضي ضعيفة عند نحو 7.8 مليون برميل يوميًا.

وجاءت أكبر التخفيضات من الشرق الأوسط، وقد أثّر تأخير الناقلات والتهديدات الأمنية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في الشحنات.

وبحسب ما ورد انخفضت الواردات من العراق والكويت إلى مستويات لا تُذكر خلال بعض الفترات، وانخفضت الإمدادات الإيرانية بسبب العقوبات والمشكلات اللوجستية وتدهور هوامش أرباح مصافي التكرير ما جعل التجارة أكثر صعوبة.

وزادت الإمدادات الروسية، لكن القيود المفروضة على خطوط الأنابيب، وقدرة المواني، وطرق الشحن الأطول، تعني أن روسيا لم تتمكن من تعويض جميع براميل الخليج المفقودة.

وبدلًا من دفع علاوات كبيرة مقابل البدائل، قبلت الصين مؤقتًا واردات أقل.

المخزونات تستوعب النقص

شكّلت عمليات السحب من المخزونات الخطوة الأولى في استجابة الصين.

وتشير التقديرات إلى أن مخزونات النفط الخام انخفضت بمعدل يتراوح بين مليون ومليوني برميل يوميًا، وربما أكثر خلال الأسابيع الأكثر اضطرابًا.

ومكّنت هذه العمليات مصافي التكرير من الحفاظ على الإنتاج الأساسي دون الحاجة إلى استبدال كل شحنة متأخرة أو ملغاة على الفور.

ولذلك، كان انخفاض الواردات أكبر بكثير من انخفاض الاستهلاك الفعلي.

وقدّر أحد التقديرات الانخفاض الأساسي في الطلب الصيني بنحو 1.2 مليون برميل يوميًا.

وإذا كان هذا التقدير دقيقًا، فإنه يعني أن جزءًا كبيرًا من النقص في الواردات، الذي يتراوح بين 4 و5.5 مليون برميل يوميًا، قد غُطّي بالبراميل المخزنة مسبقًا.

وتُوفّر المخزونات التجارية ومخزونات المصافي أكبر قدر من المرونة، إذ فرّغت الشركات النفط الخام المخزّن بالقرب من المواني ومرافق المعالجة، في حين أدارت الحكومة احتياطي النفط الإستراتيجي بحذر أكبر.

وبحسب التقارير، فقد خلّفت حملة التخزين لدى الصين ما يكفي لتغطية الطلب لمدة 117 يومًا تقريبًا.

ومكّن هذا صانعي السياسات من تجنّب الشراء بدافع الذعر عندما كانت الأسعار وتكاليف الشحن في أعلى مستوياتها.

في المقابل، فإن المخزونات ليست سوى وسيلة مؤقتة للحماية، وإذا استمر هذا الاضطراب، فسيتعين على الصين في نهاية المطاف خفض استهلاكها بشكل أكبر، أو العودة إلى السوق للحصول على إمدادات إضافية.

وعندما تتحسن الأوضاع، قد يؤدي تجديد المخزونات التجارية المستنفدة إلى انتعاش قوي في الواردات في وقت لاحق من عام 2026 أو خلال عام 2027.

انخفاض نشاط مصافي التكرير

كان انخفاض نشاط مصافي التكرير الصينية السبب الرئيس الثاني لهذا التراجع.

وواجهت مصافي التكرير الصينية ارتفاعًا في تكاليف النفط الخام، وضعفًا في هوامش الربح، وانخفاضًا في الطلب المحلي على الوقود، وقيودًا على صادرات المنتجات المكررة.

وأصبحت معالجة النفط الخام باهظ الثمن غير مربحة بشكل متزايد، لا سيما مع ارتفاع مخزونات البنزين والديزل.

مصفاة نفط في مدينة نانجينغ بمقاطعة جيانغسو الصينية
مصفاة نفط في مدينة نانجينغ بمقاطعة جيانغسو الصينية – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

وتشير التقارير إلى انخفاض إنتاج مصافي التكرير إلى نحو 12.47 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران الماضي، بانخفاض قدره 17.7% عن العام السابق، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة منذ عدّة سنوات. وتشير بعض التقديرات إلى أن معدل التشغيل كان أقل من 60%، وخلال الربع الثاني، انخفضت عمليات التكرير بنحو 2.2 مليون برميل يوميًا مقارنة بالأشهر الـ3 السابقة.

من جانبها، قدّرت شركة إنرجي أسبيكتس أن تخفيضات مصافي التكرير شكلت نحو 60% من انخفاض الواردات بين أواخر فبراير/شباط وأواخر يونيو/حزيران الماضيين.

وتضررت مصافي التكرير الصغيرة المستقلة بشدة؛ نظرًا لاعتماد العديد منها على النفط الخام الإيراني بأسعار مخفضة، وخفضت الشركات المملوكة للدولة عملياتها، أو أغلقت وحدات أقل ربحية.

وعززت التغيرات المحلية هذا التباطؤ، وأدى ضعف النشاط الاقتصادي إلى انخفاض استهلاك الوقود في قطاعَي الشحن والصناعة، في حين استمر النمو السريع للسيارات الكهربائية بالحدّ من الطلب على البنزين، وقد قلّصت قيود التصدير فرص مصافي التكرير في بيع فائض الوقود في الخارج.

ومع ارتفاع مخزونات المنتجات وانخفاض هوامش الربح، أصبح خفض كميات النفط الخام هو الحل الأمثل.

استقرار السوق العالمية

كان لضبط النفس الصيني أثرٌ مهمٌ في استقرار السوق العالمية، ففي ذروة الأزمة، جرى سحب أو تأجيل ما يُقدّر بنحو 10-13 مليون برميل يوميًا من الإمدادات النفطية الفعلية.

وكان من الممكن أن تدفع صدمة بهذا الحجم الأسعار إلى ما هو أبعد بكثير من ذروتها التي بلغت نحو 118-120 دولارًا للبرميل، وسُجّلت خلال الأزمة.

وحذّرت بعض التوقعات من أن سعر النفط قد يصل إلى 150-200 دولار إذا تنافس المشترون الآسيويون بشدة على الشحنات البديلة.

وقلّل ضبط النفس الصيني من هذا الخطر، وأتاح المزيد من البراميل الروسية والأفريقية والأميركية لمشترين آخرين، وأسهم الإنتاج الإضافي من خارج منظمة أوبك في تخفيف الأثر.

لذا؛ أدت الصين دور "المستهلك المتأرجح"، وهو ما يُعادل دور المنتج المتأرجح من حيث الطلب.

ومثلما تؤثّر المملكة العربية السعودية في الأسواق من خلال تعديل الإنتاج، يُمكن للصين التأثير في الأسعار من خلال تغيير توقيت وكمية مشترياتها.

تعديل مؤقت أم تغيير دائم؟

يُعزى جزء كبير من انخفاض واردات الصين من النفط إلى ردّ فعل مباشر على الحرب، إلّا أن التغيرات طويلة الأجل تُعيد تشكيل الطلب الصيني.

فتباطؤ النمو الاقتصادي، وتحسُّن كفاءة استهلاك الوقود، وانتشار السيارات الكهربائية، كلّها عوامل تُقلل من نمو استهلاك البنزين والديزل.

وتشير بعض التقديرات إلى أن استهلاك الوقود على الطرق قد ينخفض ​​بنسبة 6-7%.

وهذا لا يعني أن واردات الصين من النفط ستبقى عند مستوياتها المنخفضة الحالية، فما زالت البلاد تمتلك قدرة تكرير وبتروكيماوية كبيرة، وتعدّ بكين احتياطيات النفط أساسية للأمن القومي.

من ناحية ثانية، قد تستقر الواردات بعد الأزمة عند مستوى أقل بمقدار 1-2 مليون برميل يوميًا من ذروة أوائل عام 2026 إذا استمر ضعف الطلب الهيكلي.

محطة وقود تابعة لشركة بتروتشاينا في العاصمة الصينية
محطة وقود تابعة لشركة بتروتشاينا في العاصمة الصينية – الصورة من رويترز

التوقعات

ستعتمد الخطوة التالية للصين على الأسعار وهوامش التكرير والأمن في مضيق هرمز.

وكان الانتعاش المحدود واضحًا في شهر يوليو/تموز المنصرم، عندما ارتفعت الواردات إلى نحو 7.8 مليون برميل يوميًا مع وصول الشحنات المتأخرة وزيادة الشحنات الروسية.

وإذا انخفض خام برنت إلى أقل من 70-80 دولارًا تقريبًا للبرميل، فقد تبدأ بكين حملة تخزين أخرى، ومن الممكن أن يؤدي تجديد المخزونات إلى إضافة مليون برميل يوميًا أو أكثر للطلب على الواردات لعدّة أشهر.

أمّا إذا ظلت الأسعار مرتفعة وبقيت ظروف الشحن خطيرة، فمن المرجّح أن تحافظ الصين على مخزوناتها المتبقية، وتحافظ على معدلات تشغيل أقل لمصافيها، وتؤجّل المشتريات الكبيرة.

ومن ثم فإن الانخفاض ليس مجرد دليل على الضعف الاقتصادي، إنه استجابة محسوبة للاضطراب.

وأدت عمليات السحب من المخزونات، وخفض إنتاج مصافي التكرير، وتقييد الشراء، إلى حماية نظام الطاقة في الصين، وساعدت في احتواء الأسعار.

وتُسلّط هذه الحادثة الضوء على نفوذ بكين المتزايد في سوق النفط الدولية، ولم تعد الصين مجرد أكبر عميل لها.

ومن خلال إدارة الواردات والمخزونات وعمليات التكرير، يمكنها الآن توجيه تحركات الأسعار بالقوة نفسها التي يتمتع بها بعض المنتجين الرؤساء.

ومع استمرار حرب إيران وعدم الاستقرار في مضيق هرمز، فإن قرارات الشراء التي تتخذها الصين سوف تظل ذات أهمية مركزية بالنسبة لتوقعات أسعار النفط العالمية.

 

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

 

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق