مضيق هرمز.. عندما تتحول الجغرافيا السياسية إلى تحدٍّ للسياحة العالمية (مقال)
د. منال سخري

عندما يُذكر مضيق هرمز، ينصرف الاهتمام عادةً إلى أسواق النفط وأمن الطاقة العالمي، بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
غير أن أهمية هذا المضيق لا تقتصر على دوره في نقل الطاقة، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة تتأثر بدرجات متفاوتة بأيّ اضطراب في حركة الملاحة أو تصاعد في حدّة التوترات الإقليمية.
ومن بين هذه القطاعات يبرز قطاع السياحة، الذي يُعدّ من أكثر الأنشطة الاقتصادية ارتباطًا بالاستقرار والثقة والتوقعات المستقبلية.
وتزداد أهمية مضيق هرمز إذا ما علمنا أن ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية تمرّ عبره، وهو ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي.
لذلك فإن أيّ توتر أمني في هذه المنطقة لا ينعكس فقط على أسواق الطاقة، بل يمتد أثره إلى النقل والتجارة والاستثمار، ثم إلى القطاعات الخدمية التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على استقرار الاقتصاد العالمي.
وتكشف هذه العلاقة المتشابكة أن السياحة لم تعد بمنأى عن التحولات الجيوسياسية، بل أصبحت جزءًا من منظومة عالمية تتأثر بالممرات البحرية الإستراتيجية بقدر تأثُّرها بالمقومات السياحية التقليدية.
من أسعار النفط إلى تكاليف السفر
قد يبدو الربط بين مضيق هرمز والقطاع السياحي غير مباشر للوهلة الأولى، إلّا أن الواقع الاقتصادي يوضح حجم الترابط بينهما.
فكل ارتفاع في أسعار النفط نتيجة المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة ينعكس على تكاليف النقل الجوي والبحري، وهما عنصران أساسيان في حركة السياحة العالمية.
وتشير بيانات السياحة الدولية إلى أن أكثر من نصف السياح الدوليين يعتمدون على النقل الجوي في تنقلاتهم، في حين يمثّل الوقود ما يقارب ثلث تكاليف التشغيل لدى العديد من شركات الطيران.

ولذلك فإن أيّ ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة يدفع الشركات إلى مراجعة أسعار التذاكر أو فرض رسوم إضافية، وهو ما يؤثّر بقرارات السفر، خاصةً بالنسبة للفئات التي تضع التكلفة في مقدمة اعتبارات اختيار الوجهات السياحية.
ولا تقتصر التداعيات على شركات الطيران فقط، إذ تتأثر الفنادق والمنتجعات وشركات النقل السياحي بدورها بارتفاع تكاليف الطاقة والخدمات اللوجستية.
ومع انتقال هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي، تصبح الرحلة السياحية أكثر تكلفة، بما قد يحدّ من الطلب أو يغيّر وجهات السفر المفضلة لدى بعض السياح.
السياحة البحرية... القطاع الأكثر تأثرًا
تُعدّ السياحة البحرية من أكثر القطاعات ارتباطًا بالبنية الجيوسياسية للممرات البحرية العالمية، ما يجعلها شديدة الحساسية تجاه أيّ اضطراب في نقاط الاختناق الإستراتيجية مثل مضيق هرمز.
فوفق الرابطة الدولية لشركات الرحلات البحرية (CLIA)، تعتمد شركات الكروز على تخطيط مسارات تشغيلية تمتد بين 18 و36 شهرًا.
وهو ما يجعل أيّ تغير مفاجئ في البيئة الأمنية أو الجيوسياسية عاملًا مكلفًا يفرض إعادة هيكلة شاملة تشمل مسارات الإبحار، وعقود المواني، وأسعار التأمين، وسلاسل الإمداد المرتبطة بالرحلات.
ويزداد هذا الترابط تعقيدًا في ظل الطبيعة البنيوية للاقتصاد البحري العالمي.
وتشير المنظمة البحرية الدولية (IMO) إلى أن نحو 80–90% من حجم التجارة العالمية يتمّ عبر النقل البحري، بما يجعل الممرات الإستراتيجية، وفي مقدّمتها مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو 20% من النفط المنقول بحرًا، جزءًا من شبكة واحدة تربط بين الطاقة والتجارة والسياحة.
هذا الترابط ينعكس مباشرة على السياحة البحرية التي تعتمد على استقرار أسعار الوقود البحري، الذي يمثّل بين 30% و50% من تكاليف تشغيل السفن السياحية، ما يجعل أيّ ارتفاع في أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية عاملًا مباشرًا في رفع تكلفة الرحلات عالميًا.

تجارب حديثة
أظهرت تجارب حديثة -خصوصًا خلال اضطرابات البحر الأحمر (2023–2024)- كيف اضطرت شركات كبرى مثل شركة إم إس سي للرحلات البحرية (MSC Cruises) وشركة رويال كاريبيان الدولية إلى تعديل -أو إلغاء- مساراتها بسبب ارتفاع أقساط التأمين التي قد تتراوح بين 20% و300%، ما يعكس حساسية تشغيلية عالية تجاه المخاطر غير المباشرة.
ولا يقتصر الأثر على الشركات، بل يمتد إلى المواني السياحية التي تستفيد من إنفاق سائح الكروز الذي يتراوح بين 100 و250 دولارًا لكل محطة توقُّف ، ما يجعل أيّ تغيير في المسارات إعادة توزيع فورية للعوائد الاقتصادية.
وعلى المستوى الكلّي، تنعكس هذه التحولات على قطاع سياحي عالمي يسهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أن مجرد ارتفاع إدراك المخاطر قد يخفض الطلب السياحي بنسبة 15–25% حتى دون تهديد مباشر، ما يؤكد أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر نفطي، بل عقدة جيوسياسية تعيد عبر قنوات الطاقة والتأمين والإدراك النفسي تشكيل خرائط السياحة العالمية والاستثمار فيها.
ختامًا، تكشف أزمة مضيق هرمز أن العلاقة بين الجغرافيا السياسية والسياحة أصبحت أكثر عمقًا وتعقيدًا مما كانت عليه في السابق.

فالممرات البحرية الإستراتيجية لم تعد مجرد قنوات لنقل النفط والبضائع، بل تحولت إلى عناصر مؤثّرة في استقرار قطاعات اقتصادية كاملة، وفي مقدّمتها السياحة التي تعتمد على حرية الحركة والثقة واستقرار الأسواق.
كما تؤكد هذه الأزمة أن استدامة القطاع السياحي لم تعد مرتبطة فقط بالاعتبارات البيئية أو جودة الخدمات، بل أصبحت تعتمد أيضًا على قدرة الدول والمؤسسات على إدارة المخاطر وتعزيز المرونة في مواجهة التحولات الدولية المتسارعة.
وهنا تأتي الحاجة الملحة إلى تبنّي رؤية أكثر شمولًا للتنمية السياحية، رؤية تدرك أن نجاح القطاع في المستقبل لن يُقاس فقط بعدد الزوّار أو حجم الإيرادات، بل بقدرته على التكيف والصمود أمام الأزمات التي تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي باستمرار.
د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- كيف تتأثر أسواق الغاز الطبيعي والمسال باختناق مضيق هرمز؟ (تقرير)
- أول ناقلة تعبر مضيق هرمز محمّلة بالغاز المسال القطري
- فاتورة واردات الطاقة في تركيا قد ترتفع 14 مليار دولار بسبب أزمة مضيق هرمز
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية




