إيرادات النفط والغاز الروسية.. كيف تستفيد من نقص إمدادات السوق؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- إيرادات النفط والغاز الروسية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا والمشترون الآسيويون يستوعبون كميات قياسية.
- الاتحاد الأوروبي يسمح باحتجاز ناقلات النفط الروسية في البحر الأبيض المتوسط.
- متوسط سعر برميل خام الأورال بلغ 86.52 دولارًا أميركيًا في مايو المنصرم.
- صادرات الغاز المسال ارتفعت بنسبة 11.5% من يناير إلى مايو الماضيين.
استفادت إيرادات النفط والغاز الروسية من نقص إمدادات السوق بسبب اندلاع حرب إيران التي أدت إلى تعطل مرافق الإنتاج في دول الخليج العربي وعرقلة حركة الملاحة البحرية بمضيق هرمز.
وبعد مرور أكثر من 100 يوم على إغلاق مضيق هرمز، برزت روسيا بصفتها أكبر مستفيد مالي من أزمة الشرق الأوسط.
ونتيجة لسحب نحو 12 مليون برميل يوميًا من الإمدادات العالمية، وتداول خام برنت في نطاق 91-97 دولارًا، تشهد إيرادات النفط والغاز الروسية ارتفاعًا ملحوظًا، ويستوعب المشترون الآسيويون كميات قياسية، وانقلبت حسابات موازنة الكرملين من خطر العجز إلى فائض محتمل.
بدوره، يرد الاتحاد الأوروبي بفرض حزمة العقوبات الـ21 وتصعيد غير مسبوق: السماح للسفن الحربية ضمن عملية إيريني باحتجاز ناقلات النفط الروسية في البحر الأبيض المتوسط.
نقص الإمدادات
تكمن المشكلة الأساسية في البنية؛ ففي سوق تعاني نقص الإمدادات، لم يعد نظام العقوبات المصمم لسوق المشترين فعالًا، ومحاولة فرضه عبر عمليات الحظر البحري تُدخل مسارًا جديدًا للتصعيد في البحر.
بدورها؛ فإن الأرقام المالية توضح الصورة، وبحسب وزارة المالية الروسية، بلغت إيرادات النفط والغاز الروسية المولدة من الضرائب نحو 679 مليار روبل (9 مليارات و506 ملايين دولار) في مايو/أيار 2026، أي بزيادة قدرها 32.5% عن الشهر نفسه من العام الماضي.
وهذه الزيادة تُعزى مباشرة إلى ارتفاع الأسعار الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.
وتشير وزارة التنمية الاقتصادية إلى أن متوسط سعر برميل خام الأورال بلغ 86.52 دولارًا أميركيًا في مايو/أيار المنصرم، وهو أعلى بكثير من السعر المفترض البالغ 59 دولارًا أميركيًا الذي استندت إليه الموازنة الفيدرالية لعام 2026.
ويرى محللون روس الآن أن موسكو قادرة على الانتقال من خطر العجز -فيما يخص إيرادات النفط والغاز الروسية- إلى سيناريو متوازن.

ويصف معلقون روس، من بينهم يغور توروبوف المحلل لدى جامعة إتش إس إي، وماكسيم تشيركوف من جامعة الإدارة الحكومية، هذا الفائض بأنه اتجاه طويل الأمد، بحجة أن غياب أي استقرار في الشرق الأوسط يصب في مصلحة روسيا ماليًا وجيوسياسيًا.
وثمة ملحوظة مهمة: لم يُحصَّل سوى ثلث خطة إيرادات النفط والغاز الروسية السنوية (2.977 تريليون من أصل 8.92 تريليون روبل) بحلول نهاية مايو/أيار المنصرم، ما يعني أن موسكو تحاول تعويض ضعف الربع الأول بدلًا من تحقيق تقدم ملحوظ.
(روبل روسي = 0.014 دولارًا أميركيًا)
تحويل التدفقات إلى آسيا
يتعزز تحويل التدفقات إلى آسيا، وتشير مصادر روسية إلى أن إمدادات النفط إلى الهند عادت إلى مستويات قياسية، وأن خط أنابيب باور أوف سيبيريا يعمل بكامل قدرته التصميمية، وأن صادرات الغاز المسال ارتفعت بنسبة 11.5% من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار الماضيين.
وقد طلبت إندونيسيا 150 مليون برميل في أبريل/نيسان الماضي.
وتتفاوض فيتنام على عقود طويلة الأجل للغاز المسال في القطب الشمالي عبر طريق بحر الشمالي -الذي يجري تسويقه صراحة على أنه سلسلة إمداد بعيدة عن مضيق هرمز- وتحديثات للمصافي لمعالجة خامي سوكول وإسبو.
وتبني روسيا محطات للغاز المسال والمنتجات في ميانمار بوصفها ممرًا إلى المحيط الهندي يتجاوز كلًا من ملقا وهرمز.

المكاسب الاستثنائية
إن هذه المكاسب الاستثنائية ليست بلا عوائق.
وتُظهر بيانات وكالة رويترز أن خام الأورال للتسليم في شهري يوليو/أغسطس المقبلين يُتداول بخصم يتراوح بين 2 و3 دولارات للبرميل مقارنةً بخام برنت في المواني الهندية والصينية، وهو انعكاس حاد عن علاوة 7-8 دولارات التي سُجلت في شهري أبريل ومايو الماضيين.
وتُعيد مصافي التكرير الآسيوية توزيع مخزوناتها، وتُقلّص عمليات الإنتاج بسبب هوامش الربح الضعيفة، وفي بعض الحالات الصينية، ترفض شحنات النفط الروسية لشهر يونيو/حزيران الجاري رفضًا قاطعًا.
وللمرة الأولى منذ بدء حرب إيران، يُطالب عميلا روسيا الرئيسان بخصومات مجددًا.
بدورها، تحاول المفوضية الأوروبية استعادة نفوذها، وينص مشروع حزمة العقوبات الـ21 على تجميد سقف سعر النفط عند 44.1 دولارًا للبرميل حتى يناير/كانون الثاني 2027، على الرغم من أن آلية المراجعة الحالية تتطلب رفعه إلى 70-75 دولارًا؛ نظرًا إلى أسعار خام الأورال الحالية.
ويرفض المحللون الروس هذا التجميد بصفته نصًا لا قيمة له؛ فروسيا لا تُصدّر النفط بحرًا إلى أوروبا، ونادرًا ما تلتزم سفن الدول الأخرى بالشروط، وفي سوق تعاني نقص 12 مليون برميل يوميًا، يُحدد البائعون الشروط، وليس المشترون.
وتستهدف الأدوات الأكثر صرامةً في هذه الحزمة سفنًا محددة الأهداف، وتشمل: توسيع نطاق تصنيفات الأساطيل غير الرسمية، وفرض ضوابط تصدير على نحو 50 شركة في الصين وتركيا والإمارات العربية المتحدة، وفرض عقوبات على مواني ومصافي نفط في دول ثالثة، وحظر بيع ناقلات الغاز المسال إلى روسيا.
ويُمثل البُعد البحري التصعيد الحقيقي؛ فقد أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، تغيير قواعد الاشتباك في عملية "إيريني" للسماح باحتجاز ناقلات النفط المشتبه في نقلها نفطًا روسيًا بالبحر الأبيض المتوسط، وليس مجرد تفتيشها.
يأتي ذلك استكمالًا لمصادرة فرنسا لناقلة النفط "طاغور" التي ترفع علم مدغشقر في المحيط الأطلسي.
وردّت بكين على الفور؛ حيث أدان المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان، هذه الخطوة، ووصفها بأنها قيود أحادية الجانب لا تستند إلى القانون الدولي أو تفويض من مجلس الأمن الدولي.
الغاز المسال الروسي
تحسبًا لحظر الاتحاد الأوروبي لواردات الغاز المسال الروسي بدءًا من 1 يناير/كانون الثاني 2027، تتخذ شركة نوفاتك الروسية (NOVATEK) إجراءات استباقية لتأمين حمولتها.
وتتفاوض شركتها التابعة في سنغافورة للاستحواذ على 10 ناقلات غاز مسال من فئة آرك 7 الجليدية، تابعة لشركة إم أوه إل اليابانية (MOL) وشركة هانوا أوشن الكورية الجنوبية (Hanwha Ocean)، وهي سفن بُنيت أصلًا لمشروع آركتيك إل إن جي 2 "Arctic LNG 2" الخاضع للعقوبات، وتوقفت عملياتها في المياه الكورية الجنوبية.
ومن المتوقع أن تبدأ عمليات التسليم في عام 2026، مع خيار شراء 4 ناقلات جديدة إضافية.

الخلاصة
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قلب منطق العقوبات الذي فُرض بين عامي 2022 و2025 رأسًا على عقب: فالأدوات المصممة لتقليص إيرادات النفط والغاز الروسية في سوقٍ مُشبعة بالإمدادات تُصبح عديمة الجدوى في ظل أزمة تخصيص النفط، حيث لا يوجد بديل للوقود الروسي، كما هو الحال بالنسبة للهند.
وتترتب على ذلك 3 آثار: أولًا، أصبح التشابك الأوكراني-الهرمزي واقعًا ماليًا ملموسًا؛ فكل أسبوع يبقى فيه المضيق مغلقًا يُموّل المجهود الحربي الروسي ويُوسّع الفجوة بين نوايا سياسة الاتحاد الأوروبي وتأثيرها في السوق.
ثانيًا، يُؤدي تصعيد حادثة إيريني إلى خلق مسار للمواجهة البحرية في البحر الأبيض المتوسط، حيث تتخذ الصين بالفعل موقفًا قانونيًا بصفتها مدافع عن الأسطول غير الرسمي؛ وتُعد عمليات احتجاز ناقلات النفط هي المُحفز الأرجح لخطر وقوع حادث مباشر بين الاتحاد الأوروبي وروسيا خارج أوكرانيا.
ثالثًا، تعود قوة النفوذ بقوة: يُقرّ المحللون الروس أنفسهم بأنه بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الأسعار إلى طبيعتها، يُمكن للولايات المتحدة، في حال عودتها إلى الانخراط بالسوق، أن تجعل الإجراءات الرمزية الحالية للاتحاد الأوروبي فعّالة.
وبالنسبة لجمهور الشركات والمستثمرين، فإن مؤشرات المراقبة هي الفرق بين خام الأورال وخام برنت في المواني الهندية والصينية، وأول احتجاز ناقلة نفط متنازع عليه بموجب اتفاقية إيريني، وما إذا كانت شركة نوفاتك ستُبرم صفقة آرك 7 قبل حظر الغاز المسال في يناير/كانون الثاني 2027.
ويُعد هذا الاختبار الأوضح لمعرفة ما إذا كانت البنية التحتية للتحايل على العقوبات لا تزال تتجاوز تصميم العقوبات.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- إيرادات النفط والغاز الروسية.. مكاسب استثنائية وسط ارتفاع الأسعار العالمية (مقال)
- إيرادات النفط والغاز الروسية عاجزة أمام التزامات الموازنة الفيدرالية (مقال)
- انخفاض إيرادات النفط والغاز الروسية.. أعباء اقتصادية وسياسية تواجهها موسكو (مقال)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن قطاع الهيدروجين في الدول العربية
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية





