نفطالتقاريرتقارير النفطرئيسية

خط أنابيب النفط العراقي السوري.. هل ينجح رغم التكلفة الضخمة؟

رنا القاضي

يواجه مشروع خط أنابيب النفط العراقي السوري طريقًا أطول وأكثر تكلفة مما كان متوقعًا، مع تقديرات بأن أعمال الإنشاء ستستغرق نحو 4 سنوات، في حين قد تتجاوز التكلفة الاستثمارية 15 مليار دولار.

يستهدف المشروع -وفق منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- توفير منفذ جديد لصادرات النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط، وتقليل اعتماد بغداد على مضيق هرمز الذي تعرَّض لاضطرابات حادة منذ اندلاع حرب إيران.

تأتي الخطط في وقت يبحث فيه العراق عن مسارات بديلة لتصدير النفط، بعدما تضررت قدرته على الوصول إلى الأسواق العالمية من اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يمرّ من خلاله الجزء الأكبر من صادرات الخام .

وتدعم الولايات المتحدة المشروع بوصفه جزءًا من إستراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على الممر البحري، في حين بدأت شركات أميركية وقطرية المشاركة بدراسات فنية ومالية تمهّد لاتخاذ قرار نهائي بشأن التنفيذ.

خط جديد بدلًا من المسار القديم

لا يرتبط المشروع المطروح حاليًا بإعادة تشغيل خط "كركوك-بانياس" القديم بصورة مباشرة، إذ تشير المعلومات المتاحة إلى أن البنية التحتية القائمة تعرضت لأضرار كبيرة خلال العقود الماضية، كما أن أجزاء منها لم تعد متوافقة مع المواصفات الحديثة.

وتعود قصة خط أنابيب النفط العراقي السوري إلى عام 1931، عندما وُقّع اتفاق عبور مع دمشق، قبل افتتاح خط "كركوك-بانياس" رسميًا عام 1952 بطول يقارب 800 كيلومتر، وبطاقة تصميمية بلغت نحو 300 ألف برميل يوميًا.

كان الخط أحد مسارات تصدير الخام العراقي إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط، وتوقّف بصورة كاملة بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بعدما تعرضت محطات الضخ والخزانات والبنية التحتية المرتبطة به لأضرار واسعة.

منذ ذلك الحين، تكررت محاولات إحياء المسار، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول التركيز نحو إنشاء منظومة جديدة بدل الاعتماد على إعادة تأهيل الخط التاريخي.

تتطلب الخطة الحالية إنشاء بنية تحتية جديدة بالكامل، رغم أن جزءًا من المسار الجديد قد يمتد إلى حد كبير على الطريق نفسه الذي كان يسلكه خط "كركوك-بانياس".

أوضحت المعلومات التي طالعتها منصة الطاقة المتخصصة أن الأجزاء السليمة من الخط القديم لا تتوافق مع المواصفات الحديثة، ما يجعل إعادة استعمالها غير ممكنة.

وتتضمن الخطة إنشاء منظومة جديدة لخطوط نقل النفط الخام تربط الحقول الجنوبية والشمالية في العراق بمركز تجميع في مدينة حديثة غربي البلاد، قبل امتدادها إلى ميناء بانياس السوري.

تبلغ تكلفة المشروع نحو 15 مليار دولار على الأقل، مع حاجة أعمال الإنشاء إلى نحو 4 سنوات، وقد يطول الجدول الزمني أكثر، بالنظر إلى متطلبات إزالة أجزاء من البنية التحتية القديمة والحصول على حقوق جديدة لاستعمال الأراضي من الحكومة السورية، بحسب ما ذكرت رويترز.

وتختلف الخطة بصورة كبيرة عن قدرة خط "كركوك-بانياس" التاريخية، إذ رحبت الولايات المتحدة بالمشروع بطاقة أولية مستهدفة تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا، ما يجعله قادرًا نظريًا على نقل أكثر من ستة أضعاف الطاقة التصميمية للخط القديم البالغة 300 ألف برميل يوميًا.

الخريطة التالية -من إعداد منصة الطاقة المتخصصة- تستعرض مسار خط أنابيب النفط كركوك-بانياس:

صورة توضح مسار خط أنابيب النفط كركوك-بانياس

البحث عن منفذ إلى المتوسط

تتمثل إحدى أهم مزايا المشروع بالنسبة إلى العراق في توفير منفذ تصديري يصل إلى البحر المتوسط، بما يتيح شحن الخام إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن الخليج ومضيق هرمز.

وكان العراق يُصدر قبل الحرب نحو 3.6 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات شركة تسويق النفط العراقية سومو (SOMO)، وكانت معظم الكميات تمرّ عبر المواني الجنوبية القريبة من البصرة، قبل أن تتأثر حركة التصدير بشدة جراء اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.

وأظهرت بيانات وحدة أبحاث الطاقة أن صادرات العراق المنقولة بحرًا انخفضت بنسبة 63% خلال يوليو/تموز إلى 1.25 مليون برميل يوميًا مقارنة بمستويات يوليو/تموز 2025 والبالغة 3.38 مليون برميل يوميًا.

وتبرز أهمية تنويع منافذ التصدير بالنسبة إلى بغداد بصورة أكبر بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، لذلك لا يستهدف خط أنابيب النفط العراقي السوري زيادة الطاقة التصديرية فقط، بل يسعى أيضًا إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد.

وفي يوليو/تموز 2026، وافق مجلس الوزراء العراقي على اتفاقيات أولية مع ائتلاف يضم شركات أميركية وقطرية لإعداد دراسات الجدوى الفنية والمالية لعدد من مشروعات خطوط تصدير النفط، من بينها مسار "البصرة-حديثة-بانياس"، إلى جانب مسار "البصرة-حديثة-كركوك-جيهان".

وأكدت الحكومة أن هذه الاتفاقيات لا تفرض التزامات مالية أو تعاقدية نهائية، وأنها تستهدف إعداد الدراسات والمقارنة بين البدائل قبل اتخاذ قرارات التنفيذ.

شركة أميركية تدرس المشروع

تشارك شركة شيفرون الأميركية في التحالف الذي يُجري الدراسات المتعلقة بمشروع خط أنابيب النفط العراقي السوري، إلى جانب "تي آي كابيتال" (TI Capital)، و"يو سي سي القابضة" القطرية (UCC Holding).

تسعى الشركات المشاركة إلى تقييم الجدوى الفنية والمالية للمشروع، وتحديد أفضل مسارات نقل الخام، في وقت تدرس فيه شيفرون أيضًا فرص دخولها إلى عدد من الحقول النفطية العراقية، من بينها "غرب القرنة 2 والناصرية".

وأشار أحد المديرين التنفيذيين في شيفرون إلى أن المشروع يمكن أن يوفر "منفذًا جديدًا للوصول إلى الأسواق" عبر البحر المتوسط.

وأوضح أن الشركة ما زالت بحاجة إلى استكمال الدراسات الفنية لتحديد ما إذا كان خط الأنابيب القديم يحتاج إلى إعادة تأهيل أو توسعة أو إعادة بناء، ولم تقدّم الشركة حتى الآن تقديرات نهائية للطاقة التصديرية المستقبلية للمشروع.

شعار شركة شيفرون
شعار شركة شيفرون- الصورة من "venezuelanalysis"

ويمثّل ميناء بانياس السوري نقطة الوصول النهائية للمشروع المقترح، إذ يمنح العراق منفذًا مباشرًا نحو البحر المتوسط، ومنه إلى أسواق أوروبا وغيرها.

ويعيد ذلك الميناء إلى الواجهة دوره التاريخي في استقبال النفط العراقي عبر خط "كركوك-بانياس"، لكنه هذه المرة يأتي ضمن تصوُّر مختلف يعتمد على شبكة جديدة ومواصفات تشغيلية أعلى وقدرة نقل أكبر بكثير من الخط القديم.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المسار المقترح ما يزال في مرحلة الدراسات، ما يعني أن أرقام التكلفة والمدة والطاقة المستهدفة تمثّل تقديرات أولية، وليست التزامات استثمارية نهائية.

ويحتاج تنفيذ المشروع إلى استكمال الترتيبات الحكومية والفنية، مع حسم حقوق الأراضي والبنية التحتية المطلوبة داخل سوريا.

صادرات النفط العراقي

لا تتحرك بغداد في اتجاه واحد لتأمين صادراتها، إذ تعمل بالتوازي على استعادة مسارات أخرى، من بينها خط "كركوك-جيهان" مع تركيا، بطاقة مستهدفة تبلغ نحو 250 ألف برميل يوميًا.

ويمثّل المسار حلًا أقرب زمنيًا مقارنة بمشروع "العراق-سوريا"، لكنه يظل محدود القدرة مقارنة بحجم صادرات العراق التاريخية، لذلك تبدو إستراتيجية بغداد قائمة على بناء شبكة متعددة المنافذ بدل الاعتماد على خط واحد، بما يقلل أثر أيّ اضطراب مستقبلي في أحد مسارات التصدير.

وبذلك يتحول خط أنابيب النفط العراقي السوري من فكرة لإحياء مسار تاريخي إلى مشروع بنية تحتية جديد ذي تكلفة ضخمة، يستهدف إعادة رسم خريطة صادرات النفط العراقي عبر البحر المتوسط.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق