أزمة مضيق هرمز.. عندما تتحول الجغرافيا السياسية إلى تهديد لأمن الغذاء! (مقال)
د. منال سخري*

تبرز الأزمة الحالية في مضيق هرمز بوصفها واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد استقرار النظام الغذائي العالمي، ليس بسبب تأثيرها المباشر في تجارة النفط فحسب، بل بسبب انعكاساتها العميقة على أسواق الطاقة والأسمدة والنقل البحري، وهي جميعًا ركائز أساسية للإنتاج الغذائي العالمي.
فلم يعد الأمن الغذائي العالمي مرتبطًا فقط بالإنتاج الزراعي أو التغيرات المناخية، بل أصبح يتأثر بصورة متزايدة بالتوترات الجيوسياسية التي تضرب الممرات التجارية الحيوية.
ويُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمرّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز الطبيعي والأسمدة.
ومع تصاعد التوترات وتعطُّل حركة الملاحة فيه خلال الأشهر الأخيرة، بدأت الأسواق العالمية تشهد موجة جديدة من الاضطرابات التي قد تتحول إلى أزمة غذائية واسعة النطاق خلال الأشهر المقبلة.
علاقة مضيق هرمز بالغذاء
عندما يُذكَر مضيق هرمز، يتبادر إلى الذهن النفط والطاقة، غير أن أهمية المضيق بالنسبة للأمن الغذائي لا تقل عن أهميته للطاقة.
فدول الخليج تعدّ من أكبر مصدري الأسمدة النيتروجينية والأمونيا واليوريا في العالم، وهي مواد أساسية لزيادة الإنتاج الزراعي وتحسين الغلال الزراعية.
كما أن ما يقارب ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا عالميًا يتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأيّ اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق.
وتعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي، إذ يُستعمَل في إنتاج الهيدروجين اللازم لصناعة الأمونيا، المادة الأساسية لهذه الأسمدة.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إنتاج الأمونيا يستهلك نحو 3 إلى 5% من إجمالي الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، أي ما يقارب 170 مليار متر مكعب سنويًا.
ومن ثم فإن أيّ اضطراب في الممرات البحرية التي تمرّ عبرها تجارة الغاز الطبيعي المسال، وعلى رأسها مضيق هرمز، ينعكس مباشرة على أسعار الأسمدة النيتروجينية، ومن ثم على الأمن الغذائي العالمي.
وحذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن الاضطرابات الحالية في مضيق هرمز تمثّل واحدة من أشد الصدمات التي تعرضت لها تدفقات السلع الزراعية والأسمدة خلال السنوات الأخيرة، مشيرةً إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا بنسبة تتراوح بين 15 و20% خلال عام 2026.
الأسمدة.. الحلقة الأضعف في الأمن الغذائي
تكمن خطورة الأزمة الحالية في أن آثارها لا تظهر فورًا على رفوف المتاجر، بل تنتقل تدريجيًا عبر سلسلة الإنتاج الغذائي، فارتفاع أسعار الأسمدة يدفع العديد من المزارعين إلى تقليل استعمالها أو التحول إلى محاصيل أقل احتياجًا للمدخلات الزراعية.
وانخفاض استعمال الأسمدة لا يؤدي إلى تراجع الإنتاج بالنسبة نفسها فقط، بل قد يتسبب في خسائر أكبر في المحصول بسبب العلاقة غير الخطية بين التسميد والإنتاجية الزراعية، لذلك فإن أيّ نقص في توافر الأسمدة اليوم قد ينعكس بشكل انخفاض في الإنتاج الزراعي العالمي خلال مواسم الحصاد القادمة.
وشهدت أسعار اليوريا بالفعل ارتفاعات ملحوظة منذ اندلاع الأزمة، في حين اضطرت بعض الدول المستوردة إلى البحث عن مصادر بديلة للإمدادات.
كما أعلنت الصين مؤخرًا تسهيلات جديدة لصادرات اليوريا للإسهام في تهدئة الأسواق العالمية بعد الارتفاعات الحادة التي شهدتها الأسعار.
الحبوب والزيوت تحت الضغط
تعدّ الحبوب من أكثر السلع الزراعية تأثرًا بأيّ اضطراب في أسواق الأسمدة والطاقة، فمحاصيل القمح والذرة تعتمد بدرجة كبيرة على الأسمدة النيتروجينية لضمان مستويات الإنتاج الحالية.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنظر إلى أن القمح يمثّل الغذاء الأساس لمليارات البشر، بينما تُستعمَل الذرة على نطاق واسع في إنتاج الأعلاف الحيوانية، ما يعني أن ارتفاع تكاليف إنتاجها قد يمتد تأثيره لاحقًا إلى أسعار اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان.
كما تثير الأزمة مخاوف إضافية بشأن أسواق الأرز في آسيا، التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار تكاليف النقل البحري وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي الوقت ذاته، تواجه تجارة الزيوت النباتية، وخاصةً زيت النخيل، ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين البحري.

الدول الأكثر عرضة للخطر
ليست جميع الدول متساوية في مواجهة هذه الأزمة، فالدول المستوردة للغذاء والأسمدة والطاقة تواجه تحديات مركبة، فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب زيادة أسعار الوقود والأسمدة، يرفع فاتورة الواردات الغذائية مباشرةً.
وتُظهر تحليلات المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) أن العديد من الدول الأفريقية تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات الأسمدة القادمة من منطقة الخليج، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام أي اضطراب طويل الأمد في سلاسل الإمداد.
كما تحذّر وكالات الأمم المتحدة من أن استمرار الأزمة قد يفاقم أوضاع الأمن الغذائي في الدول التي تعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من الفقر والهشاشة الاقتصادية، وهو ما قد يدفع ملايين الأشخاص الإضافيين إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي.
وبالرغم من أن الأسواق العالمية لم تشهد بعد صدمة غذائية بحجم تلك التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، فإن العديد من المؤشرات تدعو إلى القلق، خاصةً إذا تزامنت الأزمة مع الظواهر المناخية المتطرفة مثل موجات الجفاف أو ظاهرة النينيو.
وللإشارة، فإن الخطر الرئيس للأزمة الحالية لا يتمثل في نقص فوري للغذاء، بل فيما يصفه خبراء منظمة الأغذية والزراعة بـ"الصدمات المتسلسلة". فالأزمة تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة، ثم تنتقل إلى الأسمدة والنقل البحري، قبل أن تظهر آثارها الحقيقية لاحقًا في صورة انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء.
ومن ثم فالعالم قد يكون أمام "أزمة مؤجلة" لم تتضح كل معالمها بعد، فقرارات المزارعين المتعلقة باستعمال الأسمدة واختيار المحاصيل تُتخذ الآن، في حين ستظهر نتائجها الفعلية على الإنتاج والأسعار بعد عدّة أشهر.
ختامًا، يذكّرنا مضيق هرمز بأن الغذاء الذي يصل إلى موائد البشر حول العالم لا يتأثر فقط بالمزارع والحقول، بل أيضًا بالممرات البحرية والتوازنات الجيوسياسية.
ومع استمرار التوترات الحالية، يبقى الأمن الغذائي العالمي أمام اختبار جديد يُثبت أن استدامة الغذاء أصبحت مرتبطة أكثر من أيّ وقت مضى باستقرار النظام الدولي بأكمله.
* د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
اقرأ أيضًا من مقالات الكاتبة..
- جيوسياسية الطاقة في أفريقيا.. من النفط والغاز إلى الطاقة المتجددة (مقال)
- من مضيق هرمز إلى التحول الطاقي: الحرب على إيران تعيد تشكيل أمن الطاقة عالميًا (مقال)
- الذكاء الاصطناعي والمناخ.. معادلة جديدة في أزمة الطاقة العالمية (مقال)
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية





