إغلاق مضيق هرمز يهدد صناعة البلاستيك.. هل ينقذها الاقتصاد الدائري للكربون؟
وحدة أبحاث الطاقة – مي مجدي

- إغلاق مضيق هرمز يؤثر في صناعة البلاستيك العالمية
- 84% من قدرة تصدير البولي إيثيلين في الشرق الأوسط تمر عبر مضيق هرمز
- سوق البتروكيماويات تميل إلى تثبيت المكاسب السعرية حتى بعد انتهاء الأزمة
- الاقتصاد الدائري أداة لتقليل المخاطر الجيوسياسية عبر التنوع والمرونة
تكشف أزمة الشرق الأوسط عن مدى هشاشة النظام العالمي لصناعة البلاستيك، إذ يعتمد على الوقود الأحفوري والمواد الخام البتروكيماوية المتركزة جغرافيًا في مناطق محددة.
ومع تراجع حركة العبور عبر مضيق هرمز من نحو 138 سفينة يوميًا إلى أقل من 10 سفن، أي بانخفاض يتجاوز 90%، بدأت الدوائر الصناعية تلتقط إشارات الخطر مبكرًا.
وتشير التقديرات إلى احتمال تعطل ما يقارب 7 ملايين طن من المواد الخام اللازمة لعمليات التكسير، إلى جانب مليوني طن من البلاستيك، و4 ملايين طن من منتجات الغاز، مثل الميثانول والأمونيا واليوريا، بحسب تقرير حديث اطّلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن).
ولا يعني ذلك نقصًا في الإمدادات فحسب، بل سيترتب عليه إعادة تسعير شاملة لسلاسل الإنتاج العالمية.
ونتيجة لذلك، يبرز الاقتصاد الدائري للكربون وإعادة تدوير البلاستيك وتحويل النفايات إلى مواد خام أو وقود صناعي بوصفها من الحلول لتقليل الاعتماد على اللقيم الأحفوري القادم من مناطق تعاني المخاطر الجيوسياسية.
صناعة البلاستيك العالمية تتأثر بالحرب الإيرانية
مع القيود الأخيرة التي طالت مضيق هرمز -أحد أهم الممرات الحيوية للنفط والبتروكيماويات عالميًا- تتسارع التداعيات عبر سلسلة القيمة لصناعة البلاستيك.
وقد تنجم عنها تقلبات في أسعار الراتنجات، وتقييد مستويات الإنتاج، وزيادة تكاليف الوقود اللازم في تصنيع المواد الكيميائية، بما ينعكس على تكلفة المنتجات النهائية، وفق التقرير الصادر عن معهد بيكر لدراسة السياسة العامة.
وفي حين تحقق بعض الشركات الأميركية -بصفتها ثاني أكبر مُصدّر عالمي للبولي إيثيلين- مكاسب قصيرة الأجل نتيجة ارتفاع الطلب والأسعار، فإن طبيعة سوق البتروكيماويات تميل إلى تثبيت المكاسب السعرية حتى بعد انتهاء الأزمة، ما يطيل من تداعياتها الاقتصادية خلال مرحلة التعافي.
وتوضح البيانات أن 84% من قدرة تصدير البولي إيثيلين في الشرق الأوسط تمر عبر مضيق هرمز، ومن ثم تؤدي الاضطرابات إلى شح الإمدادات المتجهة إلى الصين وآسيا وتركيا وأوروبا.
ويفاقم الأوضاع أن البوليمرات، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، تفتقر إلى بدائل لوجستية مرنة، ما يضاعف هشاشة سلاسل التوريد.
ومع امتداد الضربات لتشمل منشآت بتروكيماوية إيرانية وعدة دول خليجية بينها السعودية والإمارات والكويت والبحرين، قد يستغرق إعادة تشغيل هذه المنشآت من أشهر إلى نحو عامين في بعض الحالات، وينتج عن ذلك اختناق هيكلي في الإمدادات يتجاوز تأثير الحرب الحالية.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الحاجة إلى إعادة التفكير في بنية نظام الكربون العالمي داخل صناعة البلاستيك، عبر الانتقال من نموذج استهلاكي خطي إلى نموذج دائري قائم على محفظة استثمارية تستند إلى تنويع مصادر المواد الخام.

الاقتصاد الدائري للكربون
يرتكز نهج الاقتصاد الدائري للكربون على تحويل النظرة إلى الكربون من كونه نفايات إلى أصل اقتصادي مُدار ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تعظيم القيمة والأداء عبر دورة حياته.
وضمن هذا الإطار، يشمل مفهوم الكربون كل ما يرتبط بالوقود والمواد الكيميائية والمواد الأخرى، بالإضافة إلى حركته عبر الأنظمة الصناعية والطبيعية المترابطة.
وفي هذا السياق، يقوم الاقتصاد الدائري على حزمة من الأدوات تشمل:
- إعادة الاستهلاك وإعادة التصميم.
- إعادة التدوير الميكانيكي.
- التقنيات المتقدمة لإعادة التدوير.
وتبرز الأخيرة لقدرتها على تحويل النفايات البلاستيكية إلى مجموعة متنوعة من المخرجات، منها البوليمرات والمواد الخام الكيميائية والوقود.
ولا تنفصل إعادة التدوير المتقدمة عن الاقتصاد الدائري للكربون، بل آلية لتحقيقه، إذ تسمح بالإبقاء على الكربون داخل النظام المُدار وتقليل الاعتماد على المدخلات الأحفورية التقليدية.
ويعزز هذا التوجه مرونة الموارد الأولية اللازمة ويُسهم في بناء أنظمة أكثر استدامة على المدى الطويل، بحسب ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
كما يقدم اقتصاد الكربون الدائرى ميزة تتمثل في تنويع المخاطر المرتبطة بالاعتماد على موارد أحفورية مركزة جغرافيًا في مناطق تشهد تقلبات جيوسياسية.
وعلى الرغم من أن بعض المسارات، مثل تحويل النفايات إلى وقود، توفر مرونة محدودة في أسواق الوقود، فإن البوليمرات الأساسية -مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين- يصعب استبدالها، ما يعزز الحاجة إلى تنويع مسارات الاقتصاد الدائري.
وفي المحصلة، يمثل إعادة تدوير البلاستيك، بما في ذلك مسارات تحويله إلى وقود، أداة لتخفيف اضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسعار لكل من الوقود والمواد الأولية البتروكيماوية.

نظام البتروكيماويات الحالي
يسلط الواقع الجيوسياسي -كما تكشفه الحرب في إيران- الضوء على الفجوة بين النظم المركزية لنظام البتروكيمياويات الحالي، المتمركزة في مناطق مثل الشرق الأوسط وخليج أميركا وآسيا، والنظم الدائرية الأكثر توزيعًا، المرتبطة بمصادر النفايات المحلية وتنوع البنية التحتية.
وأشار التقرير إلى أن النظم المركزية تحقق وفورات كبيرة في التكلفة، لكنها أكثر عرضة للاضطرابات حتى لو كانت محدودة النطاق.
ومع ذلك، لا تحد البنية التحتية البديلة من المخاطر، إذ تظل مرهونة بمدى تكافؤ تطبيقها، فعلى سبيل المثال تمتلك السعودية والإمارات خطوط أنابيب لإعادة توجيه تدفقات النفط والغاز لتجاوز مضيق هرمز، لكنها تظل مقتصرة على الهيدروكربونات السائلة ولا تمتد إلى المنتجات البوليمرية.
وأوضح التقرير أن جوهر الاستثمار في الاقتصاد الدائري يكمن في تطوير "سلاسل توريد موازية" تشمل أنظمة جمع وفرز ومعالجة ونقل وتحويل، إلى جانب أطر تنظيمية تسمح بتشكيل سوق مستقرة للمواد المعاد تدويرها.
وعلى الرغم من أن هذه المنظومة قد تبدو أقل كفاءة مقارنة بالإنتاج القائم على الوقود الأحفوري في الظروف المستقرة، فإن هذا التقييم يغفل تكلفة الاضطرابات، من تقلبات الأسعار ونقص الإمدادات إلى التداعيات الاقتصادية.
ونتيجة لذلك، يمثل الاقتصاد الدائري إستراتيجية لإدارة المخاطر وليس بديلًا للمواد الخام التقليدية، وفق ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
كما يرى التقرير أن ثمة حدود واضحة لإمكان الاعتماد على المواد المعاد تدويرها، سواء من حيث التوافر أو الجودة أو متطلبات الأداء، خاصة في التطبيقات عالية المواصفات أو الغذائية، موضحًا أن توسع هذه النظم يحتاج إلى وقت طويل من التطوير التقني وتنسيق السياسات، لجعلها جزءًا من نهج شامل لأمن الإمدادات وتحسين النظام.
وتكشف هذه الديناميكيات أن هشاشة قطاع البلاستيك لا ترتبط بانقطاع الإمدادات، بل بضعف مسارات إعادة التدوير نفسها، إذ يؤدي تعطل البنية التحتية أو محدودية خيارات النقل والتمويل إلى إطالة أمد الأزمات.
لذا، يصبح تعزيز الاقتصاد الدائري أداة مباشرة لتقليل المخاطر الجيوسياسية، عبر إدخال قدر أكبر من التنوع والمرونة في كيفية إدارة الكربون داخل النظام الصناعي العالمي.
موضوعات متعلقة..
- تحويل النفايات البلاستيكية إلى هيدروجين.. تقنية تحارب كابوس التلوث
- أوروبا تجمّل أرقام إعادة التدوير بتصدير النفايات البلاستيكية.. وتركيا أبرز المتضررين
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- قطاع الكهرباء في الدول العربية
المصدر..





