4 أسباب حالت دون ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار (تحليل)
وحدة أبحاث الطاقة - رجب عز الدين

- مضيق هرمز يتحكم في مرور ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا
- أسعار النفط تخالف التوقعات ولم تصل إلى ذروة أيّ أزمة عالمية سابقة
- أكثر من 76 دولة تتخذ إجراءات طارئة لخفض الطلب على النفط
- الدول النامية الأكثر تأثرًا من الحرب وطوابير البنزين أكبر شاهد
- مخزونات النفط العالمية قد تُستنزَف إذا استمر أمد الصراع
رجّحت التوقعات الأولية ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى 200 دولار للبرميل مع تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.
في الوقت الذي ترى فيه وكالة الطاقة الدولية أن الحرب ستؤدي إلى أسوأ أزمة طاقة في التاريخ، متجاوزةً كل الأزمات المعاصرة منذ السبعينيات حتى الحرب الروسية الأوكرانية الأخيرة.
وعلى الرغم من الذعر الذي ساد في البداية مع اشتعال أسعار النفط العالمية، فإن الأزمة لم تؤثّر كثيرًا في السوق كما كان متوقعًا، بل إن الأسعار انخفضت نسبيًا حتى مع عدم فتح مضيق هرمز بالكامل، بحسب تحليل حديث اطلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة.
وكان من المفترض أن يؤدي انقطاع 20% من إمدادات الغاز المسال، و25% من إمدادات النفط المنقولة بحرًا، إلى أزمة ضخمة يتجاوز تأثيرها صدمة الأسعار في سبعينيات القرن الماضي.
أسعار النفط لم تصل إلى 200 دولار
لم تستمر أسعار النفط العالمية في الارتفاع للمستويات القياسية غير المسبوقة كما كان متوقعًا، كما أن ارتفاع أسعار الغاز المسال ظلَّ أقل بكثير من الصعود الصاروخي الذي شهدته الأسواق بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
فبحسب التحليل المنشور في موقع معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي، ارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة 72% منذ يناير/كانون الثاني من 61 دولارًا إلى قرابة 105 دولارات للبرميل حتى نهاية الأسبوع الماضي (22 مايو/أيار 2026)، قبل أن تنخفض تحت 100 دولار في الأسبوع الجاري.
ورغم أن هذه النسبة يمكن تصنيفها ضمن الارتفاعات الحادة في أسعار النفط، فإنها لم تقترب من توقعات بعض المحللين في بداية الحرب التي رجحت وصول الأسعار إلى 200 دولار للبرميل.
كما توقّع محللون آخرون أن تقترب الأسعار من مستوياتها القياسية البالغة 147 دولارًا للبرميل في عام 2008 (قبل أشهر قليلة من اندلاع الأزمة المالية العالمية).
ومع ذلك، فإن الأزمة في الواقع لم تصل إلى هذا السقف حتى الآن، إذ ما تزال الأسعار أقل من ذروتها البالغة 120 دولارًا للبرميل المسجلة خلال الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
لماذا خالفت أسعار النفط التوقعات؟
تُعزى مخالفة أسعار النفط للتوقعات الأولية إلى 4 أسباب رئيسة موضحة في القائمة التالية:
- تعامل تجّار النفط على أمل انتهاء الحرب قريبًا.
- زيادة صادرات النفط من دول أخرى مثل الولايات المتحدة والبرازيل.
- اتخاذ إجراءات طارئة لخفض الطلب على النفط.
- السحب من المخزونات الإستراتيجية.
كما أسهم وضع الفائض في معروض النفط قبل الحرب في امتصاص جزء من الصدمة، فضلًا عن ارتفاع مخزونات النفط العالمية بمعدل 1.2 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الـ10 الأولى من عام 2025.
وكانت الصين السبب الرئيس لزيادة المخزونات العالمية قبل الحرب، حيث أضافت وحدها 1.1 مليون برميل يوميًا إلى مخزوناتها خلال هذه المدة، بحسب التحليل الذي أعدّه خبير أسواق الطاقة الأسترالي كيفن موريسون.
وجاء ذلك بفضل التوسع في شراء الصين من إيران وروسيا اللتين كانتا تبحثان عن مشتريات للنفط الخاضع للعقوبات قبل بدء الحرب في فبراير/شباط 2026.
على الجانب الآخر، نجحت بعض الدول المنتجة في الأميركيتين مثل الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وغايانا بزيادة إنتاجها بمعدلات متفاوتة وعززت صادراتها، ما أسهم في سدّ جزء من فجوة المعروض بعد الحرب.
كما أسهم الرفع المؤقت للعقوبات الأميركية المفروضة على النفط الروسي في تعزيز معروض النفط العالمي جزئيًا، لكن المنشآت النفطية الروسية تعرضت لعدّة هجمات أوكرانية متزامنة، ما أدى إلى تقليص فرصة روسيا للاستفادة من الأزمة.
خفض الطلب على النفط
نظرًا لأن دول الشرق الأوسط تشكّل 30% من إنتاج النفط في العالم، فقد أدت الحرب إلى صعوبة تعويض كل النقص في هذه الإمدادات بسرعة.
وأدى هذا الوضع إلى اضطرار 76 دولة لاتخاذ إجراءات عاجلة لخفض الطلب على النفط بمعدلات أكبر من الانخفاض الطبيعي المتوقع بسبب ارتفاع الأسعار.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى خفض الطلب العالمي على النفط بأكثر من 2% خلال الربع الثاني من عام 2026، مع تركُّز أغلب هذا الانخفاض في الدول النامية بآسيا، خاصةً تلك المعتمدة على نفط الشرق الأوسط.
وتستورد الصين 4.6 مليون برميل يوميًا من النفط الخام عبر مضيق هرمز، كما تستود الهند 2.1 مليون برميل يوميًا، في حين تستورد بقية دول آسيا 6.2 مليون برميل يوميًا، بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية لعام 2025، الموضحة في الرسم التالي الّذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة:

استنزاف مخزونات النفط العالمية
أطلقت وكالة الطاقة الدولية في مارس/آذار الماضي أكبر عملية سحب من مخزونات النفط العالمية الطارئة بما يُقدَّر بنحو 400 مليون برميل، وأسهمت هذه الخطوة في سدّ بعض الفجوة في المعروض.
ورغم ذلك، فإن الطلب العالمي على النفط ما يزال يفوق المعروض، كما أن المخزونات العالمية استُنزفت خلال الشهرين الماضيين بمعدلات قياسية حتى باتت قريبة من أدنى مستوياتها خلال 8 سنوات.
ففي بداية الحرب، كان لدى الصين مخزون يكفيها لمدة 82 يومًا، لكن استهلاكها الكبير المقدَّر بنحو 17 مليون برميل يوميًا، قد يدفع المخزون إلى الصفر خلال 11 أسبوعًا مقبلة، إذا لم تعوّضه بمشتريات جديدة، لكن بكين مستمرة في الشراء.
ويوضح الرسم التالي -الّذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- أكثر الدول امتلاكًا لمخزونات النفط الإستراتيجية حتى نهاية الربع الأول من عام 2026:

على الجانب الآخر، ومع دخول نصف الكرة الشمالي فصل الصيف، يُتوقع ارتفاع الطلب على النفط في الدول الرئيسة مثل الولايات المتحدة التي توشك على بدء موسم الذروة في القيادة والذي يستمر من أواخر مايو/أيار إلى أوائل سبتمبر/أيلول من كل عام.
وعادةً ما يرتفع معدل السفر البري للأميركيين لقضاء العطلات الصيفية خلال هذا الموسم؛ ما يجعله مؤشرًا حاسمًا لأسواق الطاقة، نتيجة ارتفاع الطلب على الوقود.
ورغم أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم -حاليًا-، فإن ارتفاع الاستهلاك المحلي قد يقلل الكمية المتاحة للتصدير خلال الأشهر المقبلة.
تأثُّر الدول النامية والغنية بالأزمة
حتى الآن كانت أزمة الطاقة أشد وطأة في الدول النامية، مع انتشار طوابير الانتظار في محطات الوقود للحصول على البنزين والديزل بصورة أصبحت مألوفة ومتكررة في عديد من البلدان.
ورغم أن الدول الغنية نجحت في التخفيف من آثار الأزمة بصورة أفضل حتى الآن، فإن إجراءاتها للتخفيف لها حدود، وقد لا تصمد كثيرًا إذا استؤنفت الحرب مجددًا.
فبحسب توقعات مصرف جي بي مورغان الأميركي، فقد تتعرض إمدادات النفط في الدول الغربية لمزيد من النقص بحلول أوائل يونيو/حزيران المقبل.
كما يُرجَّح أن تنخفض المخزونات إلى مستويات متدنية جدًا بحلول سبتمبر/أيلول المقبل، ما سيمثّل ضغطًا حقيقيًا على هذه الاقتصادات، قد يجعلها غير قادرة على تجاوز آثار الأزمة لو امتدّ الصراع، وظل نفط الشرق الأوسط غائبًا عن الأسواق جزئيًا أو كلّيًا.
موضوعات متعلقة..
- بعد إغلاق مضيق هرمز.. ما سر مواصلة الصين زيادة مخزوناتها النفطية؟ (تقرير)
- مخزونات النفط في الصين تقفز إلى 1.3 مليار برميل.. ما سر تسارع الشراء؟
- ارتفاع مخزونات النفط الإستراتيجية في 4 دول بنهاية الربع الأول 2026
اقرأ أيضًا..
- أنس الحجي: أرقام صادرات النفط السعودي صحيحة.. والأزمة في "الأكاذيب"
- واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب ترتفع للشهر الرابع بدعم الجزائر
- مشروع سوائل الغاز في سلطنة عمان تتنافس عليه 7 شركات
المصدر:
تحليل أسباب عدم ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار، من معهد اقتصادات الطاقة





