بعد إغلاق مضيق هرمز.. ما سر مواصلة الصين زيادة مخزوناتها النفطية؟ (تقرير)
أحمد بدر

يُبرز إغلاق مضيق هرمز تحولات عميقة في سلوك الدول الكبرى تجاه أمن الطاقة؛ إذ لم تعد الأسواق تحكمها اعتبارات العرض والطلب فقط، إنما أصبحت القرارات الإستراتيجية للدول، وعلى رأسها الصين، تؤدي دورًا حاسمًا في توجيه المسارات.
وفي هذا الإطار، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الصين كانت تبني مخزونًا ضخمًا من النفط منذ العام الماضي، واستمرت في ذلك حتى وصل إلى نحو 1.4 مليار برميل.
وأشار إلى أن هذا المستوى يفوق أي رقم تاريخي سجلته الولايات المتحدة، رغم أنها أكبر مستهلك عالميًا، مؤكدًا أن هذه الخطوة تعكس استعدادًا استباقيًا لأي اضطرابات محتملة، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
وأضاف أن المؤشرات السابقة كانت توحي بأن الصين تستعد لسيناريو كبير، سواء كان حربًا أو مقاطعة أو انقطاعًا في الإمدادات، وهو ما تحقق مع الأزمة الحالية التي أعادت رسم خريطة التدفقات العالمية.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من البرنامج الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، الذي يقدمه أنس الحجي على مساحات منصة "إكس"، وجاءت هذه المرة بعنوان: "هرمز وأسواق الطاقة العالمية: من حروب التجارة.. إلى حروب المضايق".
مخزون قياسي واستعدادات استباقية
قال أنس الحجي، إن الصين استمرت في بناء مخزوناتها النفطية حتى بلغت 1.4 مليار برميل، وهو رقم غير مسبوق عالميًا، متجاوزة أعلى مستويات سجلتها الولايات المتحدة، رغم أن استهلاكها أقل منها، ما يعكس توجهًا إستراتيجيًا واضحًا.
وأضاف أن هذه الخطوة لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن استعدادات مسبقة لأزمات محتملة؛ إذ ظهرت مؤشرات عدة على أن بكين كانت تتوقع تطورات كبيرة في أسواق الطاقة، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
وأوضح أن الصين كانت دائمًا سباقة في قراءة المشهد، مستندة إلى معلومات مباشرة -استخباراتية أو تجسس- أو غير مباشرة، ما منحها قدرة على الاستعداد المبكر، في وقت كانت فيه أطراف أخرى تتحرك بصورة متأخرة.

وأشار أنس الحجي إلى أنه مع وقوع الأزمة الفعلية وحدوث نقص كبير في الإمدادات، كان من المتوقع أن تبدأ الصين الإفراج عن مخزوناتها لتخفيف الضغط على الأسواق، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.
وأكد أن استمرار الصين في الاحتفاظ بالمخزون، رغم ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة، يطرح تساؤلات عديدة حول طبيعة الإستراتيجية التي تتبعها، خاصة في ظل تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الأسواق العالمية.
ولمّح إلى أن هذا السلوك يعكس تحولًا من التفكير التجاري إلى التفكير الإستراتيجي؛ إذ لم تعد الأرباح السريعة هي المحرك الرئيس، بل الحفاظ على الأمن الطاقي في مواجهة سيناريوهات معقدة.
ولفت خبير اقتصادات الطاقة إلى أن هذه المؤشرات تعزّز فكرة أن الصين كانت تتوقع الأزمة مسبقًا، وتعاملت معها بوصفها جزءًا من تطورات أكبر، وليس مجرد حدث طارئ في سوق النفط العالمية.
لماذا لم تفرج الصين عن مخزوناتها؟
قال أنس الحجي إن المنطق الاقتصادي كان يفرض على الصين بيع جزء من مخزوناتها النفطية، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تفوق 170 دولارًا، وهو ما كان سيمكّنها من تحقيق أرباح ضخمة.
وأضاف أن هذا لم يحدث على الرغم من مرور 5 أسابيع على اندلاع حرب إيران وبدء الأزمة، إذ لم تطرح الصين أو شركاتها كميات كبيرة في الأسواق، بل استمرت في الشراء، وهو ما يثير تساؤلات كبيرة.
وأوضح أن هناك تفسيرَيْن لهذا السلوك، أحدهما يتمثّل في إعطاء الأولوية للأمن القومي على المكاسب المالية؛ إذ ترى الصين أن الاحتفاظ بالمخزون أكثر أهمية من الاستفادة من فروق الأسعار الحالية.

وأشار مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة إلى أن هذا التوجه يعكس قناعة بأن تداعيات إغلاق مضيق هرمز قد تستمر لمدة طويلة، ما يتطلّب الحفاظ على الاحتياطيات لمواجهة أي نقص مستقبلي في الإمدادات.
بالإضافة إلى ذلك، وفق أنس الحجي، فإن الصين -على الرغم من امتلاكها مخزونًا كبيرًا- قد تواجه ضغوطًا لاحقًا إذا استمرت الأزمة، خاصة بعد عدة أشهر، ما يجعل قراراتها الحالية جزءًا من إدارة مخاطر طويلة الأجل.
وبحسب الحجي، فإن هذا السلوك يعكس رؤية إستراتيجية لدى بكين تقوم على التحوط؛ إذ تفضّل الصين تحمّل التكاليف المرتفعة في الوقت الحالي، وذلك بدلًا من مواجهة أزمة أكبر لاحقًا في حال تفاقمت الأوضاع.
ولفت الدكتور أنس الحجي إلى أن هذه السياسة تشير إلى أن بكين تنظر إلى الأزمة الحالية بوصفها بداية مرحلة أطول، وليست مجرد صدمة مؤقتة في أسواق الطاقة العالمية.
مفاجأة زيادة المخزون وسط الأزمة
قال الدكتور أنس الحجي إن المفاجأة الأكبر تمثّلت في ارتفاع مخزونات الصين إلى مستويات تاريخية خلال الأزمة نفسها؛ إذ استمرت في شراء النفط بأسعار مرتفعة تتراوح بين 120 و170 دولارًا للبرميل.
وأضاف أن هذا السلوك يثير تساؤلات حول وجود أزمة أكبر قادمة، خاصة أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى أن إغلاق مضيق هرمز يمثّل ذروة المخاطر بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية.
وأوضح أن استمرار شراء كميات كبيرة من النفط بأسعار مرتفعة، على الرغم من الظروف الحالية، قد يعكس معلومات أو تقديرات لدى الصين تشير إلى تطورات أكثر خطورة في المستقبل القريب.

وأشار مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة إلى أن هذا يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت التحليلات السابقة غير كافية، أو أن هناك أحداثًا أكبر لم تظهر بعد، ما يدفع الصين إلى تعزيز مخزوناتها بهذه الصورة اللافتة.
وأكد أن ارتفاع المخزون في هذا التوقيت تحديدًا يبعث برسائل مقلقة، إذ قد يعني أن ما حدث -من حروب وأزمات اقتصادية وطاقية- حتى الآن ليس سوى بداية لسلسلة أزمات أكبر في أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف أن كل زيادة في مخزونات النفط لدى الصين ينبغي أن تُقرأ بحذر، لأنها قد تعكس توقعات بتصعيد جديد، قد تتجاوز تأثيراته ما نتج عن إغلاق مضيق هرمز حتى الآن.
ولفت أنس الحجي إلى أن هذا السلوك قد يكون مرتبطًا أيضًا بعوامل أخرى، مثل الضغط على شركات التأمين؛ إذ يؤدي توسع نطاق المخاطر إلى صعوبة تغطية الشحنات، ما يعمّق الأزمة ويُطيل أمدها.
موضوعات متعلقة..
- ناقلات النفط في مضيق هرمز.. كم شحنة عبرت من 6 دول عربية؟ (مسح)
- بدائل نفط الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز.. 3 دول من أميركا اللاتينية (تقرير)
- من أغلق مضيق هرمز؟ أنس الحجي يفجر مفاجأة بشأن "البترودولار"
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





