هل يؤثر إغلاق مضيق هرمز في الصين؟ أنس الحجي يجيب
أحمد بدر

يظل إغلاق مضيق هرمز أحد أخطر السيناريوهات التي تهدّد أسواق الطاقة العالمية، إذ تتقاطع فيه المصالح الجيوسياسية مع تدفقات النفط والتجارة الدولية، ما يثير تساؤلات عميقة حول مدى تأثر الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الصين، بهذه التطورات.
ويوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن التساؤلات المطروحة بشأن تأثير الإغلاق الأميركي للمضيق تستدعي فهمًا أعمق لطبيعة السوق، وآليات الالتفاف على العقوبات، وسلوك الدول المستوردة الكبرى.
وأضاف أن الحديث عن وقف تدفقات النفط إلى الصين يفترض قدرة كاملة على السيطرة على الإمدادات، وهو أمر لا يتماشى مع الواقع العملي، خاصة في ظل وجود خبرات طويلة لدى بعض الدول في تجاوز القيود المفروضة على صادراتها.
وأشار إلى أن المقارنات التاريخية، مثل ما حدث في فنزويلا، تُظهر أن العقوبات لا تمنع التسرب الكامل للنفط، بل تؤدي إلى تحولات في طرق النقل والتسويق، وهو ما يفتح الباب أمام استمرار التدفقات بوسائل غير تقليدية.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" بعنوان: "هرمز: مستقبل الطاقة والبترودولار في ظل الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ".
حقيقة توقف الإمدادات إلى الصين
أكد أنس الحجي أن إغلاق مضيق هرمز لا يعني بالضرورة توقف الإمدادات إلى الصين، مشيرًا إلى أن بكين طوّرت سياسات معقّدة للتعامل مع العقوبات، تعتمد على الفصل بين الشركات المرتبطة بالنظام المالي العالمي، وتلك التي تعمل خارج نطاقه.
وأوضح أن الشركات النفطية الصينية الكبرى، المدرجة في الأسواق العالمية، تلتزم رسميًا بالعقوبات الغربية، لتجنّب التعرض لمخاطر مالية أو قانونية، وهو ما يعكس حرص الصين على حماية مصالحها في النظام المالي الدولي.
وأضاف أن الحكومة الصينية وجّهت هذه الشركات بعدم شراء النفط بصورة مباشرة من الدول الخاضعة للعقوبات، بما في ذلك إيران وروسيا وفنزويلا، مع تأكيد الالتزام الكامل بالقواعد الغربية في هذا السياق.

وأشار أنس الحجي إلى أن الصين في المقابل اعتمدت على شركات ومصافي مستقلة لا ترتبط بالأسواق الغربية، ما أتاح لها شراء النفط المحظور دون التعرّض لضغوط مباشرة، وهو ما يعكس براعة في إدارة التوازنات الدولية.
ولفت إلى أن عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر تمثّل إحدى أبرز وسائل التحايل؛ إذ يُعاد تصنيف النفط بعد نقله، ما يسمح بدخوله إلى الصين تحت أسماء مختلفة مثل النفط الماليزي.
وبيّن أن البيانات الرسمية الصينية لا تُظهر واردات من إيران، رغم وجود تدفقات فعلية، وهو ما يعكس استعمال أدوات قانونية وتجارية لإخفاء مصدر النفط الحقيقي.
واختتم أنس الحجي هذا المحور بتأكيده أن إغلاق مضيق هرمز لن يوقف هذه الآليات، بل قد يدفع إلى تطويرها بصورة أكبر، بما يضمن استمرار تدفق النفط إلى الصين بطرق غير مباشرة.
هل تتأثر الصين فعليًا على المدى القصير؟
أوضح أنس الحجي أن إغلاق مضيق هرمز قد يبدو للوهلة الأولى تهديدًا مباشرًا للصين، لكن الواقع يشير إلى أن التأثير الفعلي على المدى القصير سيكون محدودًا للغاية، بسبب عوامل تتعلّق بالمخزونات والإستراتيجيات الاحتياطية.
وأشار إلى أن الصين تستورد نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من إيران، إلا أنها تمتلك في الوقت نفسه مخزونات ضخمة تُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل، ما يمنحها قدرة على التعويض لفترات طويلة دون اضطرابات كبيرة.
وأضاف أن هذه المخزونات تمثّل عنصر أمان إستراتيجي، يسمح للصين بمواجهة أي انقطاع مؤقت في الإمدادات، خاصة في ظل اعتمادها على سياسة ربط الطاقة بالأمن القومي.

وأكد أنس الحجي أن إغلاق مضيق هرمز، حتى لو أدى إلى توقف كامل للصادرات الإيرانية، لن يؤدي إلى أزمة فورية في الصين، بل قد يستغرق الأمر شهورًا قبل ظهور أي تأثير ملموس.
وبيّن أن التأثير الحقيقي قد يظهر في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة، تتجاوز عدة أشهر، وهو سيناريو قد يتزامن مع اضطرابات اقتصادية عالمية أوسع.
ولفت إلى أن أي محاولة للضغط على الصين عبر حرمانها من النفط الإيراني تُعدّ غير فعّالة، نظرًا إلى قدرتها على تنويع مصادر الإمداد واستعمال المخزون الإستراتيجي بكفاءة عالية.
وقال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، إن الحديث عن تأثّر الصين الفوري بسبب إغلاق مضيق هرمز يفتقر إلى الدقة، ولا يأخذ في الاعتبار الأدوات التي تمتلكها بكين لإدارة الأزمات.
من المستفيد من إغلاق المضيق عالميًا؟
أكد أنس الحجي أن إغلاق مضيق هرمز لا يحمل تداعيات سلبية فقط، إنما يخلق أيضًا فرصًا لبعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي قد تكون المستفيدة الأكبر من هذا السيناريو.
وأوضح أن الولايات المتحدة تُعدّ أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وتمتلك القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة، ما يمنحها فرصة لتعويض أي نقص في الإمدادات العالمية.
وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار الناتج عن إغلاق مضيق هرمز سيعزّز إيرادات المنتجين الأميركيين، رغم ما قد يسبّبه من ضغوط تضخمية داخل الاقتصاد الأميركي على المدى القصير.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن المكاسب الإستراتيجية للولايات المتحدة لا تقتصر على النفط، إنما تمتد إلى السيطرة على أسواق الغاز الطبيعي المسال، وتعزيز نفوذها في تجارة الطاقة العالمية.
وبيّن أن هناك بعدًا آخر يتعلق بالهيمنة التكنولوجية، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات؛ إذ تسعى واشنطن لربط الطاقة بهذه القطاعات الحيوية.
ولفت إلى أن إغلاق مضيق هرمز قد يُسهم في إعادة تشكيل النظام العالمي للطاقة، بما يعزّز من موقع الولايات المتحدة ويضعف بعض المنافسين على المدى الطويل.
واختتم أنس الحجي بالإشارة إلى أن هذه التحولات قد تحمل في طياتها مخاطر غير محسوبة، خاصة فيما يتعلق بالبترودولار واستقرار أسواق الطاقة، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: أسعار النفط سترتفع إذا هوجمت إيران.. وهذا مصير مضيق هرمز
- ما بدائل مضيق هرمز.. وهل تحقق أمن الطاقة للخليج؟ أنس الحجي يجيب
- أنس الحجي: إغلاق مضيق هرمز مستحيل.. والإعلام العربي يروّج دون قصد لنفوط منافسة
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
المصدر:





