أنس الحجي: انسحاب الإمارات من أوبك ليس مفاجئًا.. وهذا "سر التوقيت"
أحمد بدر

يطرح انسحاب الإمارات من أوبك تساؤلات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، في ظل تحولات عميقة تضرب بنية السوق، وتغيرات متسارعة في موازين العرض والطلب، إلى جانب ضغوط جيوسياسية تعيد تشكيل أولويات المنتجين وإستراتيجياتهم على المدى الطويل.
وأوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن تاريخ عضوية الإمارات في أوبك يعود إلى مرحلة سابقة على قيام الاتحاد، إذ انضمت إمارة أبوظبي بشكل مستقل، قبل أن تنتقل العضوية لاحقًا إلى دولة الإمارات بعد تأسيسها رسميًا.
وأشار إلى أن انسحاب الإمارات من أوبك لم يكن خبرًا مفاجئًا في حدّ ذاته، بل جاء نتيجة مسار طويل من الخلافات المتكررة، خاصةً فيما يتعلق بحصص الإنتاج وطريقة احتساب خطوط الأساس، التي عَدَّتها أبوظبي لا تعكس قدراتها الإنتاجية الحقيقية.
وأضاف أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في القرار ذاته، بل في توقيته، الذي جاء في لحظة إقليمية معقّدة، تتداخل فيها أزمات الإمدادات مع حسابات سياسية واقتصادية دقيقة، وهو الأمر الذي أعطى القرار أبعادًا تتجاوز الإطار الفني داخل أوبك.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "كارثة هرمز وانسحاب الإمارات من أوبك.. الآثار والنتائج".
أسباب انسحاب الإمارات من أوبك
رصد أنس الحجي أسباب انسحاب الإمارات من أوبك، قائلًا، إنه يرتبط بجذور تاريخية واضحة، إذ جرى تقييم إنتاجها خلال مدة كانت مستويات الإنتاج فيها منخفضة نسبيًا، وهو ما انعكس لاحقًا على حصصها الإنتاجية داخل المنظمة.
وأوضح أن هذا التقييم خلق حالة من الشعور بالغبن، خاصةً مع التوسع الكبير الذي شهدته الطاقة الإنتاجية الإماراتية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل الحصة المقررة لا تعكس الإمكانات الفعلية المتاحة للدولة.
وأشار إلى أن نظام الحصص في أوبك يعتمد فقط على إنتاج النفط الخام، دون احتساب المكثفات أو الغازات السائلة، وهو ما يزيد الفجوة بين ما تستطيع الإمارات إنتاجه فعليًا وما يُسمح لها بضخّه في السوق.

وأضاف أنس الحجي أن انسحاب الإمارات من أوبك جاء -أيضًا- نتيجة ضغوط متزايدة من الاستثمارات الأجنبية، التي دخلت السوق الإماراتية بأهداف ربحية واضحة، ما يصعّب تقييد الإنتاج دون التأثير في عوائد تلك الاستثمارات.
وأكد أن الشركات الأجنبية، رغم علمها المسبق بقيود أوبك عند توقيع العقود، فإنها تتوقع تحقيق عوائد تتناسب مع حجم استثماراتها، ما يضع ضغوطًا على صانع القرار في ظل قيود الإنتاج المفروضة.
ولفت إلى أن هذه التناقضات لم تكن وليدة اللحظة، بل تراكمت على مدى سنوات، مع تكرار الإشارات والتصريحات الرسمية التي ألمحت إلى إمكان اتخاذ خطوات حاسمة بهذا الاتجاه.
وبيّن مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تهيئة البيئة لقرار انسحاب الإمارات من أوبك، بِكونه نتيجة منطقية لمسار طويل من التباينات داخل المنظمة.
الاستثمارات والتوسع خارج النفط
قال أنس الحجي، إن انسحاب الإمارات من أوبك يرتبط بتحول إستراتيجي أوسع في سياسة الطاقة الإماراتية، التي باتت تعتمد على تنويع مصادر الطاقة، وعدم الاكتفاء بالنفط بوصفه مصدرًا رئيسًا، في إطار رؤية اقتصادية طويلة الأمد.
وأوضح أن الإمارات توسعت بشكل كبير في مشروعات الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وتحويل النفايات إلى طاقة، بجانب دخولها مجال الطاقة النووية عبر تشغيل 4 مفاعلات، ما يعكس تنوعًا غير مسبوق في مصادر الطاقة.
وأشار إلى أن تحويل شركة أدنوك "أبو ظبي الوطنية للبترول" من شركة نفط وطنية إلى شركة طاقة عالمية يعكس هذا التحول، حيث أصبحت تستثمر في مجالات متعددة، خاصةً الغاز المسال، مع توسُّع ملحوظ في الاستثمارات الخارجية.

وأكد خبير اقتصادات الطاقة أن انسحاب الإمارات من أوبك وأوبك+ يتماشى مع هذا التوجه، لأن سياسات المنظمة تركّز على إدارة إنتاج النفط الخام، في حين تتجه الإمارات نحو نموذج أوسع يشمل مختلف أنواع الطاقة.
وأضاف أن الاستثمارات الخارجية في قطاع الطاقة تخلق حالة من التنافس غير المباشر مع أوبك، خاصةً عندما تستثمر دولة عضوة في تطوير حقول نفطية خارج نطاق المنظمة، ما يزيد من المعروض العالمي.
ولفت إلى أن استثمار دولة الإمارات في مجالات الطاقة المتجددة والطاقة النووية يمثل -أيضًا- منافسة مباشرة للنفط، وهو ما يخلق تناقضًا بين توجهات الإمارات المستقبلية وسياسات أوبك التقليدية.
وأوضح أنس الحجي أن هذا التناقض بين الاستثمارات المتنوعة ومتطلبات أوبك كان عاملًا رئيسًا في دفع قرار انسحاب الإمارات من أوبك، ضمن عملية إعادة تموضع إستراتيجي في أسواق الطاقة.
سر التوقيت وتأثيره في الأسواق
قال أنس الحجي، إن انسحاب الإمارات من أوبك جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع ظروف استثنائية، تشمل إغلاق مضيق هرمز، واجتماعات مهمة لمجموعة الـ8 في تحالف أوبك+، ما جعل عنصر التوقيت هو المفاجأة الحقيقية.
وأوضح أن الإمارات تمتلك طاقة إنتاجية كبيرة غير مستغلة حاليًا بسبب القيود المفروضة، وتسعى إلى الاستفادة منها فور عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وهو ما يتطلب مرونة أكبر في قرارات الإنتاج بعيدًا عن قيود أوبك.
وأشار إلى أن قرارات أوبك+ في الوقت الراهن قد لا يكون لها تأثير كبير في الأسواق بسبب تعطُّل الإمدادات، لكن تأثيرها سيظهر بوضوح بعد انتهاء الأزمة وعودة تدفقات النفط عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.

وأكد "الحجي" أن انسحاب الإمارات من أوبك يمنحها قدرة أكبر على التحرك السريع لزيادة الإنتاج وتعويض الخسائر، خاصةً في ظل وجود استثمارات ضخمة تحتاج إلى تحقيق عوائد مرتفعة خلال أوقات التعافي.
وأضاف خبير اقتصادات الطاقة العالمية أن توقيت القرار قبل اجتماعات مهمة يعكس رغبة في إعادة التموضع داخل السوق، وربما توجيه رسائل اقتصادية واضحة بشأن أولويات المرحلة المقبلة.
ولفت إلى أن التصريحات الإماراتية الرسمية ركّزت بشكل لافت على الجانب الاقتصادي، خاصةً عدم القدرة على تصدير الكميات المطلوبة في ظل القيود الحالية، رغم امتلاك طاقة إنتاجية مرتفعة.
واختتم أنس الحجي بالقول، إن انسحاب الإمارات من أوبك يحمل أبعادًا إستراتيجية عميقة، قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها ستنعكس تدريجيًا على توازنات السوق، خاصةً بعد انتهاء الأزمات وعودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
موضوعات متعلقة..
- انسحاب الإمارات من أوبك.. 3 مؤسسات ترصد تأثير القرار في أسواق النفط
- ماذا وراء انسحاب الإمارات من أوبك؟.. مسيرة 59 عامًا وطموح الـ5 ملايين برميل
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





