المقالاتالحرب الإسرائيلية الإيرانيةرئيسيةسلايدر الرئيسيةمقالات النفطملفات خاصةنفط

النفط الروسي.. هل يُسهم رفع العقوبات المؤقت في استقرار الأسواق العالمية؟ (مقال)

فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • الولايات المتحدة أصدرت قرارًا شاملًا برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحرًا
  • إغلاق مضيق هرمز أدى إلى زيادة الطلب على النفط الروسي من الهند والصين
  • سقف أسعار النفط فشل في فرض قيد دائم على صادرات النفط الروسي
  • إغلاق مضيق هرمز يُمثّل تحولًا جذريًا في نظام الطاقة العالمي

من المرتقب أن يُسهم رفع العقوبات المؤقت عن صادرات النفط الروسي في استقرار الأسواق العالمية بعد مهاجمة منشآت إنتاج وتصدير النفط والغاز في منطقة الخليج العربي جراء الحرب على إيران.

وشهدت أسواق الطاقة العالمية مؤخرًا تحولين هائلين، لا يمكن عَدُّ أيٍّ منهما مجرد خلل مؤقت، فقد أصدرت الولايات المتحدة قرارًا شاملًا برفع العقوبات عن صادرات النفط الروسية المنقولة بحرًا، وأصبح سقف أسعار الخام الروسي الذي حددته مجموعة الـ7 -الذي كان قد تآكل فعليًا- لاغيًا بين عشية وضحاها.

وتشكّل التطورات مجتمعةً أهم إعادة هيكلة لمنظومة العقوبات الغربية منذ فرضها للمرة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 2022 بهدف تقليص موارد الكرملين المالية والضغط لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وبالنسبة لمنطقة الخليج العربي، وللمستوردين الآسيويين، ولمنظومة إدارة الطاقة العالمية، فإن تداعيات هذا التغيير عميقة، وربما طويلة الأمد، إذ تتّسع رقعة العمليات العسكرية في أرجاء المنطقة.

الإعفاء من العقوبات: من منبوذ إلى مورد رئيس

في 12 مارس/آذار الجاري، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية إعفاءً لمدة 30 يومًا يسمح بشراء النفط الروسي المحمّل حاليًا على ناقلات في عرض البحر، وشمل في البداية مصافي التكرير الهندية قبل توسيع نطاقه.

وكان التوقيت مدفوعًا بحسابات دقيقة، لا بأيديولوجية: فمضيق هرمز - الذي يمرّ عبره خُمس استهلاك النفط العالمي - مغلق فعليًا منذ أن أعلن الحرس الثوري الإيراني حظره على حركة الملاحة "العدائية" في 2 مارس/آذار الجاري.

وأدى هذا إلى توقُّف ما يُقدّر بنحو 20 مليون برميل يوميًا من تدفقات النفط والغاز المسال مجتمعة.

وكانت حسابات واشنطن واضحة؛ فقد خلصت الجهات التنظيمية الأميركية إلى أنه في هذه الحالة، كان من الأسهل السماح للاقتصادات الآسيوية - الهند والصين - بشراء النفط الروسي بدلًا من دفع الأسعار نحو 200 دولار للبرميل، إلّا أن الرسالة الدبلوماسية تجاوزت بكثير مجرد إدارة السوق.

حقل ياراكتا النفطي في مدينة إيركوتسك الروسية
حقل ياراكتا النفطي في مدينة إيركوتسك الروسية – الصورة من رويترز

في غضون أيام من رفع الإعفاء، أعربت تايلاند وسريلانكا واليابان عن رغبتها في شراء النفط الروسي، في تحولٍ لافتٍ بالنسبة لدولٍ نأت بنفسها عن مصادر الطاقة الروسية الخاضعة للعقوبات لـ3 سنوات.

وكانت التحركات الجيوسياسية التي رافقت رفع الإعفاء كاشفة بالقدر نفسه.

في ولاية فلوريدا، عقدَ المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيفن ويتكوف اجتماعًا على مستوى الخبراء مع وفد روسي برئاسة رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي الممثل الخاص للرئيس بوتين للاستثمار والتعاون الاقتصادي كيريل ديميترييف.

وحضر الاجتماع من الجانب الأميركي جاريد كوشنر وكبير مستشاري البيت الأبيض جوش غرينباوم. وناقش الجانبان وضع قطاع الطاقة العالمي، وآفاق التعاون الاقتصادي، وتأثير العقوبات بالاقتصاد العالمي، واتّفقا على مواصلة الاتصالات.

وصرّح ديميترييف بأن العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة، بدأت تُدرك بشكلٍ أفضل أهمية النفط والغاز الروسيين للاستقرار الاقتصادي العالمي، وأن عددًا متزايدًا من الحكومات يُقرّ الآن بعدم فعالية العقوبات المفروضة على روسيا وطبيعتها المدمّرة.

سقف أسعار مجموعة الـ7: أداة تجاوزت منطقها

كان سقف أسعار النفط الروسي المنقول بحرًا -الذي حددته مجموعة الـ7، عند 60 دولارًا للبرميل في ديسمبر/كانون الأول 2022، ثم خفضه الاتحاد الأوروبي لاحقًا إلى سقف متغير عند 44.10 دولارًا للبرميل في فبراير/شباط 2026- يعاني من فقدان جدواه حتى قبل بدء عملية "الغضب الملحمي" (إبيك فيوري).

وفشل السقف في فرض قيود مستدامة على صادرات النفط الروسي، إذ اقتصر تأثيره على خام الأورال لمدة وجيزة وبشكل انتقائي، بينما لم تتأثر أنواع النفط الأخرى وقنوات التصدير الأخرى كثيرًا.

وانخفضت أسعار خام الأورال إلى ما دون سقف الـ60 دولارًا فقط في أواخر عام 2022 وأوائل عام 2023، قبل أن ترتفع مجددًا.

وظلَّ سعر خام إسبو أعلى بكثير من السقف بسبب أسطول النقل البحري الروسي غير الرسمي، الذي ينقل الآن غالبية صادرات النفط، ثم اندلعت أزمة مضيق هرمز، لتقضي على أيّ أثر متبقٍّ لهذا السقف.

وارتفع سعر خام الأورال الروسي المُسلّم إلى المواني الهندية لمستوى قياسي بلغ 98.93 دولارًا للبرميل يوم الجمعة 13 مارس/آذار الجاري، مسجلًا ارتفاعًا بنحو 40 دولارًا، أو ما يقارب 70%، منذ 27 فبراير/شباط المنصرم، قبيل بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية.

عند هذا المستوى السعري، لا يُعدّ سقف السعر العائم الذي فرضه الاتحاد الأوروبي عند 44.10 دولارًا سقفًا حقيقيًا، بل هو أثر تاريخي.

الجدول التالي من إعداد منصة الطاقة المتخصصة يرصد مسار أسعار خام الأورال (يناير - مارس 2026):

مسار أسعار خام الأورال (يناير - مارس 2026)

ففي فبراير/شباط الماضي، كان بإمكان مصافي التكرير الهندية الحصول على النفط الروسي بسعر يقلّ 28 دولارًا للبرميل عن السعر العالمي القياسي.

وبحلول منتصف مارس/آذار الجاري، ارتفع سعر هذا النفط نفسه بمقدار 4-5 دولارات على السعر العالمي المرجعي.

ولم يقتصر تأثير العقوبات - الآلية الهيكلية التي منحت سقف السعر قوّته - على التضييق، بل انعكس تمامًا.

وأظهرت بيانات مؤسسة تريدينغ إيكونوميكس (Trading Economics) أن سعر خام الأورال بلغ 90.97 دولارًا للبرميل في 6 مارس/آذار الجاري، أي أكثر من ضعف مستواه قبل أسبوعين، وأكثر من 50% فوق هدف الموازنة الروسية.

وبُنيت الموازنة الفيدرالية الروسية لعام 2026 على أساس افتراض سعر أساس قدره 59 دولارًا للبرميل لخام الأورال، وهذا الافتراض يُولّد حاليًا مكاسب غير متوقعة بدلًا من عجز.

الجدول التالي يستعرض خصم خام الأورال مقابل خام برنت:

خصم خام الأورال مقابل خام برنت

التحول المالي في روسيا: الأرقام وراء التغيير الجذري

إن حجم التحول في إيرادات روسيا، هذا الأسبوع، ليس مجرد تكهنات، بل هو نتيجة حسابات يومية.

فوفق حسابات صحيفة فايننشال تايمز، يدرّ ارتفاع أسعار النفط ما يصل إلى 150 مليون دولار أميركي إيرادات إضافية لموازنة روسيا يوميًا.

وتشير التقديرات إلى أن موسكو قد حصلت على مكاسب غير متوقعة تتراوح بين 1.3 مليار و1.9 مليار دولار أميركي من ضرائب تصدير النفط وحدها، بعد أن أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى زيادة الطلب على النفط الروسي من الهند والصين.

ووفقًا لحسابات فايننشال تايمز المستندة إلى بيانات القطاع، يُمكن أن تحصل روسيا على ما مجموعه ما بين 3.3 مليار و4.9 مليار دولار أميركي إيرادات إضافية بحلول نهاية مارس/آذار الجاري.

ناقلة نفط روسية في بحر لابتيف شمال روسيا
ناقلة نفط روسية في بحر لابتيف شمال روسيا – الصورة من بلومبرغ

وبحسب حسابات وزارة المالية ومحللي القطاع، تحصل الدولة عادةً على ما يقارب 55-60% من الإيرادات الإضافية لقطاع النفط الروسي.

وهذا يعني أن ارتفاع الأسعار في مارس/آذار الجاري قد يدرّ ما بين 3.3 و5.3 مليار دولار أميركي إضافية لإيرادات الموازنة شهريًا.

ويُعدّ حجم التراجع الحادّ في الموازنة الروسية صارخًا عند مقارنته بالظروف السابقة.

وانخفضت إيرادات روسيا من النفط والغاز في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط الماضيين إلى نحو نصف مستواها المسجل في العام السابق، في حين اتّسع عجز الموازنة الفيدرالية إلى 3.5 تريليون روبل (43.05 مليار دولار).

وقدّرت الذراع البحثية لأكبر بنك في روسيا "سبيربنك" أنه في ظل انخفاض أسعار النفط، قد يصل العجز إلى 7.3 تريليون روبل (95.1 مليار دولار) هذا العام.

ووفقًا للمحلل دودتشينكو، إذا استمر النزاع وبقي متوسط ​​سعر نفط الأورال ضمن نطاق 60-65 دولارًا للبرميل بحلول نهاية العام، فقد تكون إيرادات النفط والغاز أعلى من المخطط لها، لتصل إلى نحو 720 مليار روبل، وهذا يزيد بمقدار 290 مليار روبل (أو 3.6 مليار دولار) على شهر فبراير/شباط الماضي.

(الروبل الروسي = 0.012 دولارًا أميركيًا)

ويُضيف سعر صرف الروبل تأثيرًا مُضاعفًا آخر، إذ يُسعّر النفط الروسي بالدولار، في حين تُدفع الضرائب الروسية بالروبل.

ومع ارتفاع سعر صرف الدولار من نحو 76.5 روبل في نهاية فبراير/شباط الماضي إلى ما يقرب من 80 روبل بحلول منتصف مارس/آذار الجاري، يتحول كل دولار من الصادرات، حاليًا، إلى إيرادات إضافية من موازنة الروبل، وهو إيراد ثانوي يضاف إلى ارتفاع الأسعار نفسه.

الجدول التالي يرصد تقديرات الإيرادات الإضافية لروسيا من صدمة النفط الناجمة عن حرب إيران:

تقديرات الإيرادات الإضافية لروسيا من صدمة النفط الناجمة عن حرب إيران

الغاز في أوروبا

وصفَ عضو لجنة التشريعات الدستورية في مجلس الاتحاد الروسي، السيناتور أليكسي بوشكوف، الوضع الراهن بأنه "عاصفة كاملة" في سوق الطاقة العالمية، وهذا التشبيه دقيق.

فعلى الرغم من أن بُعد النفط يهيمن على عناوين الأخبار، يُولّد بُعد الغاز هشاشة هيكلية في أوروبا تُضاعف الضغط على تماسك العقوبات الغربية.

ووفقًا لبيانات مؤسسة "البنية التحتية للغاز في أوروبا" حتى 13 مارس/آذار الجاري، بلغت نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز تحت الأرض في الاتحاد الأوروبي 29.04%، أي ما يعادل 31.31 مليار متر مكعب من الغاز.

منشأة لتخزين الغاز تحت الأرض في بولندا
منشأة لتخزين الغاز تحت الأرض في بولندا – الصورة من رويترز

ويبلغ متوسط ​​معدل إشغال مرافق تخزين الغاز تحت الأرض في ألمانيا وفرنسا 18.1% فقط، في حين سجلت هولندا أدنى مستوى تاريخي لها عند 8% فقط، وهو الأدنى المسجل لهذا التاريخ.

وبدأ موسم سحب الغاز لعام 2025 في أكتوبر/تشرين الأول، حيث بلغت نسبة امتلاء مرافق التخزين 83.15%، أي ما يعادل 89.52 مليار متر مكعب.

حتى الآن، سُحِب 58.14 مليار متر مكعب، بدءًا من 13 مارس/آذار الجاري، واستهلك أكثر من 5.3 مليار متر مكعب من احتياطيات السنوات السابقة.

ومع إغلاق مضيق هرمز الذي يعطّل تدفقات الغاز المسال القطري -وهو مصدر إمداد هامشي بالغ الأهمية لأسواق الغاز الأوروبية- يواجه موسم حقن الغاز الصيفي المقبل ظروفًا بالغة الصعوبة.

وأوضح بوشكوف التداعيات مباشرةً: إن رفع القيود المفروضة على موارد الطاقة الروسية من شأنه أن يعزز الاقتصاد الأوروبي، ويساعد في تخفيف أثر ارتفاع الأسعار، ويحسّن آفاق الأمن القاري.

أمّا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فرغم حذره، فقد أشار إلى الاتجاه نفسه، إذ صرّح بأن موسكو مستعدة للعمل مع أوروبا بشأن إمدادات النفط والغاز، لكن "هناك حاجة إلى إشارة منها".

محور "التنين والدب": إعادة هيكلة السوق

لا تكشف أحداث هذا الأسبوع عن مجرد ارتفاع في الأسعار، بل عن إعادة تفاوض هيكلية للنظام العالمي للطاقة، وهو ما كان محور التنين والدب (الإدارة الإستراتيجية المشتركة غير المتكافئة بين روسيا والصين) يُهيّئ له بهدوء منذ عام 2022.

وتشهد سوق النفط والغاز العالمية إعادة تشكيل واسعة النطاق، من حيث ملكية موارد النفط والغاز، ومن حيث الجهة التي ستسيطر على إمدادات الطاقة العالمية.

وكانت الصين سبّاقة وحاسمة في تحرُّكها. ففي الأسبوع الأول من مارس/آذار الجاري، اشترت الصين 2.1 مليون برميل إضافية من النفط الروسي، أي 12.4 مليون برميل مقارنة بـ10.3 مليون برميل في الأسبوع السابق.

من جانبها، زادت الهند إمداداتها النفطية بمقدار 200 ألف برميل في أسبوع واحد، لتصل إلى 8.6 مليون برميل. ولا تُعدّ هذه تعديلات سوقية، بل عمليات استحواذ إستراتيجية في لحظة ذروة النفوذ.

في المقابل، ينظر المحللون الروس إلى ما بعد مدة الأزمة.

وقيّم رئيس مركز تحليل الإستراتيجيات والتقنيات لتطوير مجمع الوقود والطاقة، فياتشيسلاف ميشينكو، الوضع الراهن بأنه مؤقت.

فعند إعادة فتح مضيق هرمز -بغضّ النظر عن الظروف السياسية- سيعود نفط الخليج العربي ليغمر السوق بسرعة، وستعيد الحكومات الغربية تقييم الوضع، وقد تُعاد فرض العقوبات بصرامة أكبر.

ويرى ميشينكو أن الضرورة الإستراتيجية لروسيا تكمن في استغلال هذه الفرصة لبناء سوق نفط إقليمية دائمة ومستقلة في الشرق، تُسعّر وفقًا لسعر ميناء كوزمينو، وتُسوى بعملات غير غربية، وتكون بمنأى عن معيار خام برنت والبنية التحتية المالية الغربية، أمّا الصين، بصفتها المستفيد النهائي، فلديها كل الحوافز للتعاون.

التداعيات الجيوسياسية على أسواق النفط

يحمل الحدث المزدوج الذي غيّر قواعد اللعبة هذا الأسبوع -رفع العقوبات الأميركية والانهيار الفعلي لسقف أسعار النفط لمجموعة الـ7- تداعيات تتجاوز بكثير دورة الأسعار الحالية، وتمسّ البنية الأساسية لنظام الطاقة لما بعد عام 2022.

أولًا: كشف نظام العقوبات عن سقفه الهيكلي

صُمّم سقف أسعار النفط لمجموعة الـ7 أداةً جديدة للسياسة الاقتصادية، لتقييد الإيرادات الروسية مع الحفاظ على الإمدادات العالمية.

وفشل سقف أسعار النفط في فرض قيد دائم على صادرات النفط الروسي، وبَنَت روسيا أسطولًا لوجستيًا ضخمًا ينقل الآن غالبية صادرات النفط، ما قلّل اعتمادها على الخدمات الغربية.

عند سعر خام الأورال الذي يتجاوز 89 دولارًا للبرميل، لم يعد السقف سياسةً، بل أصبح معيارًا جعله السوق غير ذي صلة. أيّ إعادة فرض للعقوبات في المستقبل ستتطلب مراعاة بنية التصدير الروسية التي أمضت 3 سنوات في عزل نفسها عن الاعتماد على الخدمات الغربية.

ثانيًا: كشفت أزمة هرمز هشاشة نظام النفط القائم على مبدأ "التوريد في الوقت المناسب"

يُمثّل إغلاق مضيق هرمز تحولًا جذريًا في نظام الطاقة العالمي، يندرج ضمن اتجاه أوسع نحو "إقليمية الطاقة"، حيث يُستبدَل بسوق النفط المعولم نظامٌ من سلاسل الإمداد الآمنة والمتحالفة.

ويُعيد منتجو الخليج والمستوردون الآسيويون والمستهلكون الأوروبيون تقييم الافتراضات التي قامت عليها نماذج أمن الطاقة لديهم، ويجعل موقع روسيا الجغرافي وبنيتها التحتية لخطوط الأنابيب وقدرتها الإنتاجية منها مستفيدًا هيكليًا من كل عملية إعادة تقييم من هذا القبيل.

ثالثًا: تشير محادثات فلوريدا إلى إمكان فصل الحرب الروسية الأوكرانية عن إطار حوكمة الطاقة 

لم يكن اجتماع ويتكوف-ديميترييف قمة طاقة ثنائية، بل كان إشارة مقصودة إلى استعداد إدارة ترمب للتعامل مع الطاقة الروسية بمسار منفصل عن الحرب في أوكرانيا.

وهذا الانفصال، إن استمر، سيغير جذريًا هيكل النفوذ الذي يعتمد عليه تحالف عقوبات مجموعة الـ7. وتواجه أوروبا، التي حافظت على موقفها من العقوبات في حين أصدرت الولايات المتحدة استثناءات، حاليًا، مسألة مصداقية لا يمكنها تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

رابعًا: بالنسبة لمنتجي الخليج، تُمثّل عودة روسيا -موردًا رئيسًا- تحديًا تنافسيًا هيكليًا

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى خفض إنتاج أوبك+ الخليجي مجتمعًا بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل إخراج السعودية من السوق بالكامل.

وعندما يُعاد فتح المضيق، سيحتاج منتجو الخليج إلى استعادة حصتهم السوقية في آسيا من روسيا التي عززت العلاقات الثنائية، وأبرمت اتفاقيات شراء طويلة الأجل، وأثبتت جدارتها بالثقة تحديدًا عندما انقطع الإمداد الخليجي.

ولن يعود هيكل السوق بعد الأزمة ببساطة إلى ما كان عليه قبل 28 فبراير.

أخيرًا: تُتيح أزمة تخزين الغاز في أوروبا فرصة سياسية لن تُفوّتها روسيا

مع وصول نسبة إشغال التخزين في هولندا إلى مستوى تاريخي بلغ 8%، وانخفاضها في ألمانيا وفرنسا إلى أقل من 22%، يحمل موسم حقن الغاز المقبل مخاطر هيكلية لا يُمكن لأيّ كمية من مشتريات الغاز المسال الفورية أن تُغطّيها بالكامل في ظل ظروف مضيق هرمز الحالية.

إن اجتماع عوامل عدّة، منها وجود بائع راغب في موسكو، وأوروبا التي لا تملك سوى خيارات محدودة، وإدارة أميركية أبدت استعدادها لإصدار استثناءات خاصة بقطاع الطاقة من نظام العقوبات، يُهيّئ الظروف التي تجعل التطبيع التدريجي والهادئ لتدفقات الطاقة بين أوروبا وروسيا ممكنًا، بل قد يصبح، بحلول أواخر الصيف، أمرًا لا مفر منه سياسيًا.

ويُعاد رسم النظام النفطي العالمي في الوقت الراهن، ولم تعد القواعد التي وُضعت في ديسمبر/كانون الأول 2022 سارية المفعول.

إن ما سيحلّ محلّها لن يُحَدَّد من خلال الأدوات القانونية، بل من خلال منطق العرض والجغرافيا والمصلحة الإستراتيجية الذي لا يرحم، وهي العملة الوحيدة التي كانت مهمة على الإطلاق في لعبة الطاقة.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

 

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق