كوب 31.. قمة لإنقاذ النظام لا المناخ (مقال)
د.منال سخري*

- لا يمكن أن نطلب من دول تواجه الجفاف والفيضانات وأعباء الديون أن ترفع طموحها، في حين يتراجع الشمال عن وعوده
- تركيا تدعو العالم إلى رفع حصة الكهرباء في الطلب النهائي، لكنها أكبر منتج لكهرباء الفحم في أوروبا
- أستراليا تدافع عن هدف التحول عن الوقود الأحفوري، وهي من أكبر مصدّري الفحم والغاز المسال
- التعهدات الوطنية الحالية، لو نُفِّذت كاملة، لن تخفض الانبعاثات إلّا بنحو 11 إلى 15% بحلول 2035
حين يجتمع العالم في أنطاليا بعد أيام في قمة كوب 31، لن يكون السؤال الحقيقي: هل سننقذ المناخ؟ بل: هل سننقذ ثقة العالم في المؤسسة التي أوكلنا إليها هذه المهمة منذ 30 عامًا؟
بعد أيام، تفتح مدينة أنطاليا التركية أبوابها لمؤتمر الأطراف الـ31 حول المناخ، وككل عام، ستتصدر الصور المشهد: قادة على المنصات، ووفود تتسابق بين القاعات، ووعود تُعلَن في قمة القادة يومي 11 و12 نوفمبر/تشرين الثاني.
لكن من يتابع هذه المؤتمرات منذ سنوات يعرف أن الصور لا تقول الكثير، ما يهمّ يحدث في الأسبوع الثاني، في غرف المشاورات المغلقة، حين تُكتَب الفقرات سطرًا سطرًا، وتُحذَف الكلمات المزعجة واحدة تلو الأخرى.
وأقولها بوضوح منذ البداية: لا أتوقع أن تنقذ أنطاليا خلال فعاليات كوب 31 المناخ، لكنني أعتقد أنها قد تنقذ شيئًا آخر لا يقل أهمية، أو تخسره نهائيًا: مصداقية النظام متعدد الأطراف نفسه.
لحظة الحقيقة جاءت قبل قمة المناخ
قبل أسبوع، أعلن برنامج الأمم المتحدة للبيئة ما كان كثيرون يتهامسون به في الممرات: فرصة حصر الاحتباس الحراري في 1.5 درجة مئوية دون تجاوز قد ضاعت.
التعهدات الوطنية الحالية، لو نُفِّذت كاملة، لن تخفض الانبعاثات إلّا بنحو 11 إلى 15% بحلول 2035، في حين يتطلب أدنى مسار ممكن خفضًا بنحو 45%، وهو ما يعني أن السياسات القائمة فعلًا تقودنا نحو 2.8 درجة.
هذه ليست أرقامًا تقنية، إنها حكم على 30 عامًا من الدبلوماسية، فمنذ برلين 1995 حتى بيليم 2025، أتقنت مؤتمرات الأطراف (قمم المناخ) صناعة القواعد والمؤسسات: صناديق، وآليات، ولغة تتطور ببطء من قمة إلى آخري، لكنها فشلت في ما هو أصعب: أن تجعل الدول تفعل ما تقول.

رئاستان ورسالة واحدة ملتبسة
تصل أنطاليا بترتيب لم يعرفه تاريخ قمم المناخ، فتركيا تستضيف وتقود خطة العمل، وأستراليا تقود المفاوضات الرسمية، وقد يبدو هذا حلًا ذكيًا لأزمة استضافة دامت أشهرًا، لكنه يكشف أيضًا شيئًا أعمق عن حال النظام: لم نعد قادرين حتى على الاتفاق على من يستضيف، فكيف نتفق على من يدفع ومن يخفض؟
والمفارقة أن البلدين يحملان التناقض نفسه الذي يشلّ المفاوضات، فتركيا تدعو العالم إلى رفع حصة الكهرباء في الطلب النهائي على الطاقة إلى 35% بحلول 2035، في حين لا تتوقع خطتها الوطنية تجاوز 25% تقريبًا، وقد أصبحت أكبر منتج لكهرباء الفحم في أوروبا.
وأستراليا تدافع عن هدف التحول عن الوقود الأحفوري، وهي من أكبر مصدّري الفحم والغاز المسال، وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في المفاوضات المناخية فكل حكومة تفاوض على طاولتين: طاولة دولية تطلب الطموح، وطاولة داخلية تطلب الوظائف والإيرادات وأسعارًا معقولة للطاقة، وحين تتعارض الطاولتان، تنتصر الداخلية في أغلب الأحيان.
الطموح يهاجر من القاعة
ثمة ظاهرة لا تحظى بالاهتمام الكافي: الطموح الحقيقي بدأ يغادر قاعات المفاوضات الرسمية، حين رفضت دول منتجة إدراج خريطة طريق للتخلّي عن الوقود الأحفوري في نص بيليم، رغم دعم أكثر من 80 دولة لها.
ولم ينتهِ النقاش، إذ انتقل إلى سانتا مارتا في كولومبيا، حيث اجتمعت 57 دولة في أبريل/نيسان الماضي خارج إطار الإجماع، وقررت الاجتماع مجددًا في توفالو عام 2027.
وتركيا نفسها التي تستضيف قمة المناخ كوب 31 تعتمد المنطق ذاته: أهداف قطاعية طوعية للكهربة والنفايات والمباني، تبحث عن تحالفات راغبة لا عن توافق شامل.
هل هذا تطور إيجابي؟ جزئيًا، فالتحالفات المرنة تتحرك أسرع، وتسمح للراغبين بالمضي دون انتظار المعرقلين، لكن الثمن باهظ: كلّما هاجر الطموح إلى المسارات الموازية، انخفض سقف ما نطلبه من النص الرسمي، وضعفت المساءلة، فالالتزام الطوعي لا يحاسب عليه أحد.
التمويل: جرح لا يندمل
إن كان هناك ملف قادر على تفجير قمة المناخ كوب 31 في أنطاليا ، فهو التمويل، إذ خرج من اجتماعات بون في يونيو/حزيران بلا توافق، ككل الملفات الكبرى تقريبًا.
وجذر المشكلة قديم: تعهُّد 100 مليار دولار لم يُنجز في موعده، وهدف باكو (300 مليار سنويًا بحلول 2035) جاء دون ما طالبت به الدول النامية بنحو تريليون دولار، ودون أن يشترط المنح بدل القروض، ثم جاءت بيليم بدعوة إلى مضاعفة تمويل التكيّف 3 مرات، دون أن تحدد من أي رقم نبدأ.
أمّا صندوق الخسائر والأضرار، الذي احتُفي به في شرم الشيخ ودبي، فلا يملك في جولته الأولى سوى نحو 250 مليون دولار مقابل طلبات بالمليارات.
لا يمكن أن نطلب من دول تواجه الجفاف والفيضانات وأعباء الديون أن ترفع طموحها، في حين يتراجع الشمال عن وعوده مؤتمرًا بعد آخر، وهذه ليست مسألة كرم، بل مسألة ثقة، والثقة هي العملة الوحيدة التي يعمل بها نظام قائم على الإجماع.

ما الذي أتوقّعه؟
أتوقّع -بحذر- مؤتمرًا ينتهي بقرار غلاف قصير يرحب بأهداف الرئاسة ويحثّ على التنفيذ، وتقدمًا إجرائيًا في آلية الانتقال العادل والتكيّف، وإحالة الملفات الثقيلة إلى أديس أبابا في 2027. لا خريطة طريق للوقود الأحفوري، ولا رقم مالي جديد، وأرجّح أن يتأخر الاختتام يومًا أو يومين، كالعادة.
قد يرى بعضهم في هذا فشلًا، أراه أقرب إلى إدارة أزمة: مؤتمر يحافظ على النظام من الانهيار، دون أن يغيّره.
ما الذي يجب أن نطالب به؟
3 أمور فقط، لكنها حاسمة:
- أولًا: أن ينصّ أيّ هدف للكهربة صراحةً على أن تكون الكهرباء نظيفة، فالكهربة القائمة على الفحم والغاز لا تحلّ شيئًا، بل تنقل الانبعاثات من العادم إلى المدخنة.
- ثانيًا: أن تخرج قمة المناخ كوب 31 في أنطاليا بخطّ أساس واضح لمضاعفة تمويل التكيّف، وعدٌ بلا رقم انطلاق ليس وعدًا.
- ثالثًا: أن تقدّم الرئاسة المشتركة لقمّة المناخ كوب 31 نموذجًا أوضح للاتّساق بين الالتزامات المناخية والسياسات الوطنية، من خلال تحديد مسارات وجداول زمنية ملموسة لخفض الاعتماد على الفحم والوقود الأحفوري، فمصداقية القيادة المناخية لا تُقاس فقط بما تدعو إليه الدول على طاولة المفاوضات، بل أيضًا بما تحققه على المستوى الوطني.
كلمة أخيرة لمنطقتنا
لدول المنطقة العربية وشمال أفريقيا مصلحة مباشرة فيما سيحدث في أنطاليا، حتى وإن بدا بعيدًا، فمدننا من أكثر مدن العالم تعرّضًا لموجات الحر، وأراضينا من أكثرها هشاشة أمام الجفاف والتصحر، ومصلحتنا الإستراتيجية ليست في عرقلة الانتقال الطاقوي، بل في التفاوض على شروطه: تمويل للتكيّف في صورة منح، وتكنولوجيا للطاقة الشمسية التي نملك منها ما لا يملكه غيرنا، ومدن ومبانٍ مصممة لمناخ الغد لا لمناخ الأمس.
بعد 30 عامًا، لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى مؤتمرات الأطراف؟ بل: هل تستطيع أن تتغير قبل أن يفوت الأوان؟ أنطاليا لن تجيب عن هذا السؤال، لكنها ستخبرنا كم بقي لنا من الوقت لنطرحه.
* د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- بعد حرائق الغابات في 2026.. كيف تبني الجزائر جيلًا جديدًا من سياسات الحماية؟ (مقال)
- بعد حرائق صيف 2026.. ماذا ينتظر غابات العالم؟ (مقال)
- حرائق الغابات تحاصر قطاع الطاقة.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل الكهرباء؟ (مقال)
اقرأ أيضًا..
- بين إرث النفط والتاريخ وتحديات الحاضر.. هنا العراق (ملف خاص)
- أسواق الطاقة خلال حرب إيران.. 6 أشهر تحت وطأة اضطرابات هرمز (ملف خاص)
- حقول النفط والغاز في تركيا.. قطاع صاعد واحتياطيات متنامية (ملف خاص)





