من الصخر إلى براميل النفط.. مختبرات أرامكو تكشف ثروات السعودية تحت الأرض
ياسر نصر

تشكّل مختبرات أرامكو أداة مهمة لفهم ما تخفيه طبقات الأرض في السعودية، ودعم الخطط الإستراتيجية للتنقيب عن النفط على مدى عقود، منذ اكتشاف بئر الدمام قبل ما يقرب من 90 عامًا.
ويعدّ مركز مختبرات عينات الصخور، الذي يجمع بين حفظ العينات وتحليلها والاستفادة من البيانات الجيولوجية المتراكمة، أحد المرتكزات الأساسية التي تعتمد عليها أرامكو السعودية.
ويضم المركز -وفق بيانات اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة- عينات صخرية ومعلومات جيولوجية يعود بعضها إلى عام 1936، بما يوفر أرشيفًا طويل الأجل يساعد على دراسة باطن الأرض والاستفادة من العينات القديمة باستعمال تقنيات حديثة.
وتُحلل مختبرات أرامكو العينات المستخرجة خلال أعمال الحفر، بما يوفر صورة أوضح لفهم ما في باطن الأرض ودعم قرارات التنقيب والحفر.
بئر الدمام رقم 7
تعود بداية رحلة أرامكو السعودية في أعمال التنقيب عن النفط إلى عام 1933، عندما بدأ جيولوجيو الشركة دراسة التركيب الجيولوجي للمنطقة الشرقية، قبل أن تثمر هذه الجهود عن اكتشاف النفط بكميات تجارية في بئر الدمام رقم 7 عام 1938، لتتوسع بعدها أعمال التنقيب في مناطق مختلفة من المملكة.
ومع تطور أعمال التنقيب، انتقلت الشركة من الاعتماد على دراسة الظواهر السطحية إلى استعمال البيانات والتصوير والنمذجة والأدوات التحليلية المتقدمة.
ويؤدي مركز مختبرات عينات الصخور دورًا في تحويل العينات المستخرجة من باطن الأرض إلى بيانات تساعد في فهم التكوينات الصخرية وخصائص المكامن ودعم خطط تطوير الحقول.
وواكب تطور مركز مختبرات عينات الصخور مسيرة أرامكو السعودية في أعمال التنقيب؛ ففي السنوات الأولى، كانت العينات تُجمع في أثناء عمليات الحفر وتحفظ في مواقع متفرقة، وهو ما حدَّ من إمكانات تحليلها بصورة تفصيلية.

ومع توسُّع أعمال التنقيب وتزايد تعقيدها، ظهرت الحاجة إلى إدارة أكثر تنظيمًا لهذه العينات، وهو ما أدى إلى إنشاء مرفق مركزي لحفظ عينات الصخور الجوفية عام 1981، ما مكّن من جمع العينات في موقع واحد، وأتاح إجراء التحليلات المختبرية عليها للمرة الأولى.
وشهدَ المرفق بعد ذلك توسعًا تدريجيًا، شمل إدخال تقنيات متقدمة وتعزيز التكامل مع تخصصات علوم الأرض وتوسيع دوره في دعم أعمال التنقيب.
ومثّلَ افتتاح المرفق الجديد عام 2024 محطة مهمة في مسيرة المركز، إذ لم يعد دوره مقتصرًا على حفظ العينات، بل امتدّ إلى فحصها وتحليلها وتفسير تركيبها وخصائصها باستعمال أدوات تحليلية متقدمة.
وبدءًا من عام 2026، يعمل أكثر من 150 موظفًا في المركز، بينهم علماء وباحثون جيولوجيون وفنيّو مختبرات ومتخصصو صيانة وخبراء آخرون، إلى جانب التعاون مع مهندسين من مختلف أقسام التنقيب لتقييم بيانات المختبر وتحليلها.
التنقيب عن النفط
تمنح البيانات الزلزالية تصورًا أوليًا عن باطن الأرض، لكنها تعتمد على الإشارات وتفسيرها، ولا تقدّم دليلًا مباشرًا على طبيعة الصخور، وتكتسب عينات الصخور الجوفية أهميتها، لأنها تربط بين تفسيرات البيانات الزلزالية والحقائق الجيولوجية المستندة إلى عينات ملموسة.
وتُجمع العينات خلال مرحلة الحفر الاستكشافي، لتوفِّر أول دليل مباشر على بنية المكمن، بما يسمح لعلماء الجيولوجيا بالتحقق من الافتراضات وتكوين صورة أكثر دقة عن جيولوجيا المنطقة.
وعادةً ما تصل العينات إلى المركز خلال ساعات من استخراجها، لتبدأ عملية فحص منظمة تشمل تنظيف كل عينة وتحديد العمق الذي استُخرِجت منه وربطها ببيانات الحفر، ثم توثيقها بالتصوير الفوتوغرافي عالي الدقة.
وتخضع العينات بعد ذلك لاختبارات باستعمال أدوات متخصصة، من بينها جهاز تسجيل أشعة جاما الطيفية للصخور الجوفية، الذي يقيس النشاط الإشعاعي الطبيعي للصخور ويساعد الجيولوجيين على تحديد أنواعها ورسم خرائط التكوينات تحت سطح الأرض.
وعند الحاجة، يستعمل المركز تقنيات إضافية، مثل التصوير بالأشعة السينية ثلاثية الأبعاد، والرنين المغناطيسي النووي عالي الدقة، وأنظمة تسجيل خصائص الصخور متعددة المستشعرات، للحصول على معلومات إضافية عن البنية الداخلية للصخور وتركيبها وتوزيع السوائل فيها.

مفاتيح تقييم المكامن
بعد الفحص الأولي، تؤخذ عينات فرعية لإجراء تحليلات تحدّد الخصائص الرئيسة للصخور، وفي مقدمتها المسامية والنفاذية.
وتقيس المسامية حجم المساحات أو المسام داخل الصخر التي يمكن أن تشغلها المواد الهيدروكربونية، في حين تقيس النفاذية قدرة السوائل على التدفق عبر هذه المسام.
وتساعد هذه القياسات في تقييم جودة المكامن وما تحتويه من موارد، إلى جانب تقدير قدرتها على تدفّق هذه الموارد.
وتُستعمَل نتائج التحليل في دعم القرارات التشغيلية، فإذا استوفت قيم المسامية والنفاذية الحدود المطلوبة، عُدّ المكمن واعدًا واستمرت أعمال الحفر، أمّا إذا جاءت النتائج دون التوقعات، فقد تدعم قرار تعديل خطة الحفر أو إيقافها.
ولا يقتصر دور التحليل على معرفة جودة المكمن، إذ يمثّل عامل الوقت عنصرًا مهمًا في عمليات التنقيب، ففي كثير من الحالات يمكن إنجاز التحليل الأولي خلال ساعات من وصول العينة، ما يسمح للفرق بالاستجابة سريعًا في أثناء أعمال الحفر والاستفادة بكفاءة من وقت أجهزة الحفر، إلى جانب خفض التكاليف والحد من المخاطر عبر اكتشاف التحديات المحتملة مبكرًا.
كما يمكن لبيانات العينات أن تساعد في تفسير ظروف باطن الأرض، خصوصًا عندما تظهر فروق بين نتائج المسوح الزلزالية والبيانات المستخلصة من الآبار، إذ توفر العينات معلومات إضافية لاستكمال الصورة الجيولوجية وتوجيه الدراسات اللاحقة.
مركز مختبرات عينات الصخور
يعتمد مركز مختبرات عينات الصخور على مجموعة من التقنيات التي ترفع دقة وكفاءة عمليات التحليل، وتشمل هذه الأدوات التصوير فائق الأطياف، الذي يرصد الفروق الدقيقة في انعكاس الضوء عن الصخور للمساعدة في تحديد تركيبها، إلى جانب التصوير الفوتوغرافي عالي الدقة لتوفير سجل بصري مفصل لكل عينة.
كما يتيح التصوير المقطعي المحوسب، إلى جانب تقنيات مماثلة، تحليل البنية الداخلية للصخور من دون إتلافها، في حين توفر أجهزة تسجيل خصائص العينات متعددة المستشعرات وأنظمة تحليل المعادن بيانات إضافية عن الخصائص الفيزيائية والكيميائية للصخور.
ويُستعمل نظام الرنين المغناطيسي النووي عالي الدقة لتحليل أنواع السوائل الموجودة داخل العينات وتوزيعها، بما يضيف تفاصيل جديدة إلى عملية التقييم.
ولا تتوقف الاستفادة من البيانات عند حدود المختبر، إذ يدمج المركز نتائج التحليلات في منصات رقمية تستعملها فرق التنقيب وهندسة البترول والأبحاث، ويمكن تحميل المعلومات إلى برامج متخصصة في علوم الأرض وفيزياء الصخور لبناء نماذج لباطن الأرض ودعم أعمال التفسير.
ودخلت الأتمتة أيضًا في منظومة العمل داخل مركز مختبرات عينات الصخور، ومن أبرز تطبيقاتها النظام الروبوتي لاسترجاع عينات الصخور الجوفية.
ويعمل النظام على نقل العينات من مناطق التخزين إلى مناطق الفحص بأمان وكفاءة، بما يقلل الحاجة إلى المناولة اليدوية للحاويات الثقيلة، ويسهم في تعزيز السلامة وتسهيل الوصول إلى العينات المحفوظة.
ويقول النائب الأعلى للرئيس للتنقيب في أرامكو، سامر الأشقر: "من خلال توظيف أحدث التقنيات والاستفادة من ثراء البيانات التاريخية المتوافرة لدينا، نصل إلى رؤى جديدة ونبني على ما تحقق من اكتشافات، بما يتيح لنا استخلاص قيمة جديدة بفضل الرقمنة والتقنيات الناشئة، والإسهام في دفع مسيرة التطور المستمر التي تشهدها هذه الصناعة".

أرشيف جيولوجي
لا يقتصر دور مختبرات أرامكو على التحليل، بل يمثّل أيضًا أرشيفًا طويل الأجل للبيانات الجيولوجية، يحفظ سجلًا متراكمًا لباطن الأرض في السعودية.
ومنذ عام 1936، يجمع المركز عينات الصخور الجوفية وفتاتها الناتج عن أعمال الحفر من مناطق مختلفة في المملكة ويحافظ عليها.
وتضم مرافق التخزين، الممتدة على ستة طوابق وبمساحة تقارب 7000 متر مربع، أرشيفًا واسعًا من عينات الصخور الجوفية، يصل مجموع أطوالها إلى أكثر من مليون قدم.
وتُحفَظ كل عينة داخل نظام رفوف منظم، مع تسجيلها في قاعدة بيانات رقمية تتيح تتبعها واسترجاعها بدقة، ويتيح هذا النظام لعلماء الأرض العودة إلى العينات القديمة وإعادة تحليلها باستعمال التقنيات الحديثة، وإجراء دراسات جديدة دون الحاجة إلى أعمال حفر إضافية أو استخراج عينات جديدة.
كما صُمِّم مركز مختبرات عينات الصخور لدعم التعاون بين مختلف التخصصات، إذ يمكن للجيولوجيين ومهندسي البترول والباحثين الاستفادة من مرافقه وطلب خدمات محددة وفق متطلبات أعمالهم، بينما تستوعب مناطق الفحص والمختبرات عدّة مستعمِلين، بما يدعم تنسيق عمليات التحليل والتفسير.
ويمتد التعاون داخل الشركة ليشمل دائرة التنقيب، ودائرة هندسة البترول، ومركز الأبحاث المتقدمة للتنقيب والإنتاج، إلى جانب مراكز متخصصة خارج الشركة معنية بالحلول الرقمية والدراسات المتقدمة، بما يسهم في تبادل المعرفة وتحويل البيانات إلى نتائج عملية.
وأسهم التوسع في استعمال التقنيات المتقدمة في تحويل المركز من أرشيف تقليدي لعينات الصخور الجوفية إلى منصة رقمية للمعرفة الجيولوجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وفي السابق، كان تفسير خصائص العينات وتركيبها يعتمد بصورة أكبر على الملاحظات اليدوية والخبرات المتخصصة وبرامج محدودة لأخذ العينات، وهي أساليب مهمة لكنها كانت تواجه قيودًا مرتبطة بالوقت وإمكانات الوصول وحجم المعلومات التي يمكن استخلاصها من الأعداد الكبيرة للعينات المحفوظة.
ويقول مدير إدارة الأعمال الجيولوجية، مناحي العتيبي: "تتيح لنا مرافق المركز المتقدمة وخبراته استخلاص قيمة أكبر من عينات الصخور الجوفية، وتعميق فهمنا لجيولوجيا باطن الأرض".
كما أسهم دمج التصوير متعدد المقاييس والذكاء الاصطناعي في تطوير مكتبات رقمية للصخور ومخططات للمعرفة الجيولوجية، تربط بين العينات والصور ونتائج التحليل والتفسيرات وبيانات الإنتاج.
ويساعد الربط الفرق على تحديد المناطق الأعلى جودة داخل المكامن بدقة أكبر، ووضع توقعات أكثر موثوقية لسلوك المكمن، والحدّ من أوجه عدم اليقين في قرارات التنقيب والتطوير.
موضوعات متعلقة..
- كسرت الرقم القياسي.. أرامكو السعودية تبيع شحنة غاز مسال بسعر تاريخي
- أرامكو السعودية تُطوّر تقنية لاستخلاص الكربون من وسائل النقل البرية والبحرية (مقال)
اقرأ أيضًا..
- موسوعة الطاقة لحقول النفط والغاز
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)
- المناجم في الدول العربية (ملف خاص)




