خريطة صادرات النفط والغاز الروسية بعد أزمة هرمز و4 أعوام من العقوبات (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- منظومة العقوبات المفروضة على قطاعات الطاقة الروسية صُممت منذ عام 2022 وفقًا لنظرية المنع.
- المحروقات الروسية لم تُسحب من النظام العالمي بل أُعيد توزيعها داخله.
- واردات الهند في يونيو الماضي بلغت مستوى قياسيًا قدره 2.64 مليون برميل يوميًا.
- أسعار النفط الروسي انخفضت على أساس متوسط 4 أسابيع لمدة 13 أسبوعًا متتاليًا.
تسلك صادرات النفط والغاز الروسية مسارًا صعبًا وسط استمرار العقوبات وحرب أوكرانيا والعقبات التقنية المتعددة؛ ما يضع البلاد أمام خيارات محدودة للحفاظ على مكانتها في سوق الطاقة العالمية.
وقد صُممت منظومة العقوبات المفروضة على قطاعات الطاقة الروسية منذ عام 2022 وفقًا لنظرية المنع: تقييد قاعدة المشترين، وتحديد سقف للأسعار، وتقييد الشحن والتأمين؛ ما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات بما يكفي لكبح جماح اقتصاد الحرب.
بعد مرور نحو 5 أشهر على اندلاع حرب إيران وما رافقها من اضطراب في مضيق هرمز، أسفرت هذه النظرية عن نتيجة مختلفة عن المنشود.
في المقابل، لم تُسحب المحروقات الروسية من النظام العالمي، بل أُعيد توزيعها داخله، وقد عجّلت أزمة مضيق هرمز من عملية إعادة التوزيع هذه بإزالة البديل الذي جعل المنع ممكنًا في المقام الأول.
تأثير العقوبات في صادرات النفط والغاز الروسية
تُعد هذه هي النقطة التحليلية الأساسية، العقوبات لا تقضي على النفط، بل تعيد تسعيره وتوجيهه.
وكثيرًا ما وُجد طلب في مكان ما، وإمكان إيجاد سلسلة إمداد لوجستية، فإن النفط سينتقل، وما فعلته أزمة الشرق الأوسط هو إلغاء البدائل.
عندما يصبح إمداد الخليج غير موثوق به، فإن الخصم على النفط الروسي يتوقف عن كونه مصدر إحراج سياسي للمشتري ويصبح أداة لأمن الطاقة.

أولًا: حجم الصادرات: عند مستوى قياسي أو قريبة منه
بلغ متوسط صادرات النفط الروسي المنقولة بحرًا خلال الأسابيع الـ4 المنتهية في 19 يوليو/تموز الجاري، 4.16 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى قريب من المستوى القياسي الذي سُجّل في بداية الشهر.
وللمقارنة، بلغ متوسط الصادرات المنقولة بحرًا نحو 3.3 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025.
وبلغت عمليات التسليم منذ بداية العام 3.62 مليون برميل يوميًا، أي بزيادة قدرها 280 ألف برميل يوميًا عن متوسط العام الماضي، وأعلى من أي متوسط سنوي منذ فبراير/شباط 2022.
وفي الأسبوع المنتهي في 19 يوليو/تموز، حمّلت المواني الروسية 27.73 مليون برميل على 37 ناقلة، بزيادة عن 27.51 مليون برميل (بعد تعديلها) على 36 ناقلة في الأسبوع السابق.
ويُعزى هذا الارتفاع إلى آليتين تعملان في اتجاهين متعاكسين فيما يتعلق بالوضع المحلي لروسيا.
أولاهما هو الطلب الخارجي؛ إذ تراجعت صادرات الخليج العربي مجددًا عقب انهيار الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، الذي لم يدُم سوى أقل من شهر قبل أن تستأنف إيران هجماتها على السفن في مضيق هرمز، وتعيد الولايات المتحدة فرض حصارها البحري.
وقد فاقمت تهديدات الحوثيين للسفن الراسية في المواني السعودية المشكلة؛ إذ باتت صادرات البحر الأحمر البديلة مهددة.
لذا، يجد المشترون الذين يحتاجون إلى كميات كبيرة ولا يستطيعون الحصول عليها بشكل موثوق من الخليج، بديلًا واحدًا كبيرًا ومتاحًا فورًا وبسعر مخفض.
أما الآلية الثانية فهي الأضرار الداخلية، فقد دفعت الضربات الأوكرانية المتواصلة بطائرات مسيرة على مصافي النفط الروسية أحجام التكرير في يوليو/تموز الجاري إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 21 عامًا، ويُصدَّر النفط الذي لا يمكن تكريره محليًا.
والنتيجة هي مفارقة ظاهرة تتمثل في ارتفاع الصادرات بالتزامن مع انخفاض الإنتاج، ونقص حاد في الوقود محليًا لدرجة استدعت دعمًا حكوميًا لواردات الوقود، وتستورد روسيا الآن البنزين لتغطية النقص في سوقها.
في هذه الحالة، تمثل الصادرات القياسية وأزمة الوقود المحلية ظاهرة واحدة عند النظر إليها من طرفي سلسلة القيمة.
ثانيًا: خريطة المشترين
تبقى الهند هي الركيزة الأساسية، فقد فُرِّغَ أكثر من 2.3 مليون برميل يوميًا من النفط الروسي في المواني الهندية خلال شهر يونيو/حزيران المنصرم، مع استقرار الأحجام تقريبًا حتى يوليو/تموز الجاري.
وتشير تقارير منفصلة إلى أن واردات الهند في يونيو/حزيران الماضي بلغت مستوى قياسيًا قدره 2.64 مليون برميل يوميًا، بزيادة قدرها 37.4% عن مايو/أيار الماضي، وهو ما يمثل ما يقرب من نصف إجمالي مشتريات الهند من النفط، بقيمة تسليم بلغت 5.14 مليار دولار.
قبل عام 2022، كان هذا الرقم شبه معدوم. ويُعد الطلب الهندي الآلية التي تتجنب روسيا من خلالها تكديس الشحنات غير المبيعة في البحر.
ويؤدي السعر دورًا حاسمًا، فقد انخفضت أسعار النفط الروسي، على أساس متوسط 4 أسابيع، لمدة 13 أسبوعًا متتاليًا، وهي الآن عند ما يزيد قليلًا عن نصف ذروتها في أبريل/نيسان الماضي.
وانخفض سعر خام الأورال إلى 65.28 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ منتصف مارس/آذار الماضي.
وبحسب تقديرات شركة أرغوس، تتراوح أسعار خام الأورال، على أساس تسليم ظهر السفينة (FOB) في بريمورسك وأوست-لوغا، بين 55 و56 دولارًا للبرميل.
وتُعدّ اليابان حالةً أكثر إثارةً للاهتمام من الناحية التحليلية، كونها عضوةً في مجموعة الـ7.
واستوردت الشركات اليابانية مليونًا و528 آلاف برميل من النفط الروسي خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران الماضيين بمتوسط سعر 103 دولارات للبرميل، بقيمة 25.7 مليار ين، أي ما يُعادل 157.6 مليون دولار تقريبًا.
وكان من بين المشترين شركات تايو أويل، وإيديميتسو كوسان، وإينيوس، وكان المبرر المعلن هو تقليل الاعتماد على الشرق الأوسط، الذي تستورد منه اليابان أكثر من 90% من وارداتها من النفط.
وتُعدّ هذه الشحنات من خام سخالين-2، المرتبط بعقود طويلة الأجل للغاز المسال من المشروع نفسه، وهو ارتباط يُبقي الصفقة ضمن الاستثناءات المفروضة بموجب العقوبات.
وارتفع حجم التبادل التجاري بين اليابان وروسيا بنسبة 15% على أساس سنوي في النصف الأول من العام ليصل إلى 4.1 مليار دولار، مع ارتفاع شحنات السيارات اليابانية إلى روسيا بنسبة 32%، وواردات اليابان من الغاز المسال من روسيا بنسبة 0.3%.
ويُلاحَظ أن السياسة تتحرك بشكل أسرع من الكميات، ويستشهد مشرعو الحزب الحاكم بضعف تأثير مضيق هرمز في الحجج المؤيدة لرفع سقف الأسعار.
وتمارس شركات النفط اليابانية الكبرى، التي تمتلك أسهم سخالين 2، ضغوطًا في الاتجاه نفسه، في حين تعترف بأن سياسة مجموعة الـ7 والمعارضة الأميركية الحازمة تمنع ذلك حاليًا.
ولم تعلن طوكيو أي خطة لاستئناف الواردات على نطاق واسع، ويصف السفير الروسي في طوكيو المشتريات بأنها كميات صغيرة يتم الحصول عليها مرة أو مرتين سنويًا.
ولا تكمن الأهمية في الحمولة، بل في قيام أحد أعضاء مجموعة الـ7 بمناقشة علنية بشأن ما إذا كان أمن الطاقة يجب أن يطغى على المواءمة.
من ناحيتها، توفر الصين الأرضية الهيكلية، وتصل عمليات التسليم إلى نحو 1.06 مليون برميل يوميًا من النفط. وفيما يتعلق بالغاز، اشترت الصين 876.686 طنًا من الغاز المسال الروسي في يونيو/تموز 2026، بزيادة قدرها 99.9% على أساس سنوي، بقيمة 271 مليون دولار.
والتقى نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، مع نائب رئيس الوزراء دينغ شيويكسيانغ، يوم 22 يوليو/تموز الجاري؛ لتعزيز أجندة الطاقة المتفق عليها في الدورة الـ22 للجنة الحكومية الدولية المعنية بالتعاون في مجال الطاقة، التي تصور روسيا بوضوح بصفتها موردًا موثوقًا للنفط والغاز إلى الصين.
وهذا هو محور دراغون-بير (الصين وروسيا) في تعبيره عن الطاقة: فهو ليس تحالفًا رسميًا، بل تكاملًا دائمًا؛ حيث يضمن الطلب الصيني المرونة المالية الروسية، في حين يعمل العرض الروسي على عزل الصين عن المضيق البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة حاليًا.
من جهتها، تعد إندونيسيا أحدث الوافدين وأوضح إشارة إلى تآكل المعايير.
وبدأت جاكرتا استيراد الخام الروسي في إطار برنامج مخطط له يبلغ 150 مليون برميل، مع طلب الشحنة الأولى عبر شركة ليميغاس الحكومية بناء على تعليمات رئاسية وبموجب مرسوم رئاسي.
وصاغ وزير الطاقة الإندونيسي بهليل لهداليا القرار من حيث السيادة، مشيرًا إلى أن الدول الأخرى لا يمكنها التدخل في السيادة الوطنية وأن البلاد لا تزال بحاجة إلى النفط.
ويأذن المرسوم لوكالات الطاقة الحكومية بالاستيراد بموجب اتفاقيات بين الحكومة ويسمح بعمليات الشراء الطارئة من قبل تلك الوكالات وشركة بيرتامينا بأسعار متغيرة.
إن التصميم المؤسسي مهم أكثر من الشحنة الأولى: بنية قانونية مصممة لجعل المشتريات الخاضعة للعقوبات روتينية وليست استثنائية.

ثالثًا: تتبع ناقلات النفط
تتدهور صورة تتبُّع ناقلات النفط بشكل يبدو متعمدًا.
وانخفضت الشحنات المتجهة إلى آسيا؛ بما في ذلك ناقلات النفط التي لم تُعلن وجهتها النهائية، إلى 3.89 مليون برميل يوميًا خلال الأسابيع الـ4 المنتهية في 19 يوليو/تموز الجاري، كما يتزايد حجم الشحنات المنقولة على متن سفن ترفض الإفصاح عن وجهتها بسرعة، ويبلغ الآن نحو 1.99 مليون برميل يوميًا.
ومن هذا، يُنقل 1.67 مليون برميل يوميًا على متن سفن متجهة إلى سنغافورة أو بورسعيد أو قناة السويس، أو مغادرة مواني المحيط الهادئ دون تحديد وجهة، بالإضافة إلى 320 ألف برميل يوميًا على متن ناقلات لا تُرسل أي معلومات عن مسارها.
ووفقًا لآخر إحصاء، بلغت كمية النفط الروسي العائم نحو 137 مليون برميل، إما على متن ناقلات مبحرة وإما راسية لأكثر من أسبوع.
وترسو 5 ناقلات محمّلة بخام الأورال قبالة مرسى الحمراء في مصر، و5 ناقلات أخرى قبالة جزر رياو شرق سنغافورة، وهي مركز رئيس لأسطول النقل البحري غير الرسمي.
وتختفي شحنات النفط المتجهة إلى سوريا، التي يبلغ متوسطها نحو 30 ألف برميل يوميًا، عادةً من أنظمة التتبع الآلية جنوب جزيرة كريت، ولا يمكن تتبعها إلا عبر صور الأقمار الصناعية قرب مدينة بانياس.
ويُنقل ما يقرب من نصف النفط الروسي المتجه إلى آسيا الآن دون وجهة مُعلنة.
وهذا ليس تهربًا هامشيًا، بل هو نظام لوجستي موازٍ يعمل على نطاق واسع، ويُضعف بشكل كبير قدرة إنفاذ العقوبات التي يعتمد عليها نظام العقوبات بأكمله.
رابعًا: الواقع المالي: إشارتان متناقضتان
يُظهر الوضع المالي لموسكو أدلة متضاربة، ومن الأجدر توضيح هذا التناقض بدلًا من التسرع في حسمه،
وتمثل الرواية الرسمية رواية نجاح التنويع الاقتصادي.
وقد أعلن الرئيس بوتين في اجتماع بالكرملين يوم 22 يوليو/تموز الجاري أن إيرادات الموازنة في الربع الثاني ارتفعت في كل من قطاعي النفط والغاز، والقطاعات الأخرى؛ حيث زادت إيرادات القطاعات الأخرى بأكثر من الربع مقارنةً بالعام الماضي.
واختتم شهر يونيو/حزيران المنصرم بفائض، تراوحت التقديرات بين 196 مليارًا و279 مليار روبل (بين مليارين و548 مليون دولار و3 مليارات و627 مليون دولار).
وانخفضت إيرادات النفط والغاز إلى 22.7% من إجمالي الإيرادات الفيدرالية بحلول نهاية عام 2025، وهي أدنى نسبة لها في عقد من الزمان، ونحو نصف مستوى عام 2015.
* (الروبل الروسي = 0.013 دولارًا أميركيًا).
تجدر الإشارة إلى أن البيانات الأساسية تُعقّد هذا الأمر بشكل كبير.
خلال المدة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2026، سجّلت وزارة المالية انخفاضًا حادًا في إيرادات موازنة النفط والغاز بنسبة 38.3% لتصل إلى 2.30 تريليون روبل، مقابل ارتفاع بنسبة 10.2% في الإيرادات من مصادر أخرى غير النفط والغاز لتصل إلى 9.42 تريليون روبل.
ويُصوَّر انخفاض حصة المحروقات من الإيرادات على أنه إصلاح هيكلي، بينما هو في جوهره نتيجة لانخفاض قيمة البسط.
ويتراوح سعر خام الأورال بين 55 و56 دولارًا، وهو أقل من الحد الأدنى المحدد في قاعدة الموازنة البالغ 59 دولارًا.
وهذا يعني انخفاضًا كبيرًا في إيرادات الموازنة مقارنةً بمستويات الربيع، واحتمالية انخفاض مشتريات العملات الأجنبية في أغسطس/آب المقبل بموجب قاعدة الموازنة؛ ما سينعكس سلبًا على قيمة الروبل.
بالمثل، تطلب سوق الوقود تدخلًا مباشرًا.
وأعلن نائب رئيس الوزراء نوفاك عن استقرار جزئي، وصرّح الناطق باسم الكرملين بيسكوف بأن الإجراءات الحكومية قد نجحت إلى حد كبير وأن الأوضاع تتحسّن في العديد من المناطق، ووصف بوتين الصعوبات بأنها مؤقتة، وذلك بعد وضع شروط ضريبية تفضيلية لمستوردي الوقود.
وقد وُضِع تسلسل هرمي للتقنين محليًا، مع إعطاء الأولوية للولاية والمناطق الشمالية.
وتمثل الصورة المركبة دولة تصدر بكميات قياسية في حين تعاني عجزًا محليًا بالوقود، وتجمع إيرادات منخفضة بشكل حاد من المواد الهيدروكربونية لكل برميل، وتصف مزيج الإيرادات الناتج بأنه دليل على انخفاض الاعتماد على السلع الأساسية.
خامسًا: الأفق البعيد: سيناريوهان لشركة روسنفط
في ظل هذه الاضطرابات التشغيلية، يقدم تقرير شركة روسنفط (Rosneft) للاستدامة لعام 2025 سيناريوهين حتى عام 2050، ويُعد اختيار هذين الاسمين في حد ذاته بيانًا سياسيًا.
عالم متعدد الأقطاب
يفترض السيناريو الأساسي نظامًا اقتصاديًا متعدد الأقطاب، وتنافسًا متزايدًا بين الدول، وإعادة هيكلة التدفقات التجارية وأنظمة التسوية.
وبموجبه، يرتفع استهلاك الطاقة العالمي بنسبة 29% بحلول عام 2050 مقارنةً بعام 2023، ويرتفع الطلب على النفط بنسبة 16% مع احتفاظ الهيدروكربونات السائلة بأكبر حصة منفردة من ميزان الطاقة بنسبة 27%، ويرتفع استهلاك الغاز الطبيعي بنسبة 37%.
وينشأ نمو الطلب على الهيدروكربونات بالكامل من الدول النامية، في حين تخفض الاقتصادات المتقدمة استهلاكها من الطاقة الأولية بنسبة 11%.
ولن تبلغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية ذروتها إلا في أربعينيات القرن الحالي؛ ومن ثم لا تتحقق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
تحول الطاقة العالمي
يفترض السيناريو البديل الالتزام باتفاق باريس للمناخ والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.8 درجة مئوية بحلول عام 2100، ما يتطلب تحسين كفاءة الطاقة بأكثر من ضعف معدل العقود الـ3 الماضية.
يضاف إلى ذلك خفض استهلاك الوقود الأحفوري بدءًا من هذا العقد، وزيادة مصادر الطاقة المتجددة بمقدار 7.7 ضعفًا بحلول عام 2050.
وسينخفض استهلاك الطاقة العالمي بنسبة 10%، والطلب على النفط بنسبة 44%، والغاز بنسبة 34%، مع استمرار مساهمة الهيدروكربونات بنسبة 35% من الطلب.
وترى شركة روسنفط الروسية أن سيناريو التحول هذا غير مرجح.
وتشير إلى الحاجة إلى استثمار سنوي إضافي بقيمة 2 تريليون دولار، وتأثير سلبي سنوي بنسبة 0.2 نقطة مئوية على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وملاحظة تباطؤ مكاسب الكفاءة إلى نحو 1% سنويًا في المدة من 2020 إلى 2025، مقابل متطلبات ضمنية للأمم المتحدة تقارب 4%.
وتُذكر التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وتراجع العولمة، والتفتت الاقتصادي بوصفها أسبابًا إضافية لعدم تحقق هذا السيناريو.
ترتفع حصة منطقة آسيا والمحيط الهادئ من الطلب العالمي على الطاقة الأولية من نحو 47% في عام 2023 إلى نحو 50% بحلول عام 2050 في كلا السيناريوهين.
عند النظر إلى هذا من منظور إستراتيجي لا تنبؤي، يتضح أن هذه الشركة ترى أن التشرذم الجيوسياسي الذي تستفيد منه حاليًا هو الشرط الذي يضمن استمراريتها على المدى الطويل؛ فالتشرذم يعوق التنسيق اللازم لإزالة الكربون.
إن عالمًا من التكتلات المتنافسة هو عالمٌ يستمر في شراء المواد الهيدروكربونية، وتعكس تخصيصات رأسمال روسنفط هذا الاعتقاد: 52.9 مليار روبل في مشروعات الغاز المصاحب للنفط في عام 2025.
يضاف إلى ذلك تشغيل 14 منشأة رئيسة للبنية التحتية للغاز، وبلوغ معدل استعمال 95% من الغاز المصاحب للنفط بحلول ديسمبر/كانون الأول المقبل، والتخطيط لأولى تجارب حقن ثاني أكسيد الكربون في عام 2026 في منطقة الأورال-فولغا وغرب سيبيريا.
سادسًا: الضغط التنافسي وحدوده
أشار الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، متحدثًا في برلين برفقة المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى أن تعطل مصافي التكرير الروسية حال دون قدرة موسكو على تزويد عملائها التقليديين بالكميات المطلوبة، وعرض شركة سوكار الأذربيجانية (SOCAR) بديلًا، إلا أن الحسابات لا تدعم هذا العرض.
وتنتج روسيا أكثر من 10.5 مليون برميل يوميًا، وتصدر ما يقارب 6 ملايين برميل من النفط والمنتجات البترولية؛ في حين تنتج أذربيجان نحو 600 ألف برميل يوميًا، مع إمكانات تصديرية تقل عن نصف مليون برميل.
وتبلغ القدرة التكريرية الأذربيجانية نحو 300 ألف برميل يوميًا من المنتجات البترولية، لكنها انخفضت إلى أقل من 150 ألف برميل يوميًا في السنوات الأخيرة؛ ما يضعها في مرتبة أدنى من بيلاروسيا، وتحتل روسيا المرتبة الثانية عالميًا في صادرات المنتجات البترولية، في حين تقع أذربيجان خارج قائمة الدول الـ10 الأولى.
وتؤدي أعمال الصيانة الموسمية الروتينية لمصافي النفط الروسية إلى تذبذب القدرة الإنتاجية بنحو نصف مليون برميل يوميًا، متجاوزةً بذلك إجمالي القدرة التكريرية الأذربيجانية.
وفيما يخص الغاز، ينقل ممر الغاز الجنوبي ما يقارب 16 مليار متر مكعب سنويًا؛ منها 6 مليارات إلى تركيا و10 مليارات بموجب عقود مع الاتحاد الأوروبي، في حين تقترب الإيرادات الأوروبية الفعلية من 12.5 مليار متر مكعب.
وينص اتفاق الاتحاد الأوروبي لعام 2022 على مضاعفة الإمدادات؛ ما يعني توسعًا من 10 إلى 20 مليار متر مكعب بحلول عام 2027، إلا أن مسألة التمويل ما تزال عالقة.
وتتوقّع بروكسل من باكو تمويل توسعة تمتد لآلاف الكيلومترات، في حين توازن باكو بين ذلك وبين نوايا الاتحاد الأوروبي المعلنة لخفض استهلاك الغاز في ثلاثينيات القرن الحالي والتخلص التدريجي منه بحلول الخمسينيات.
وقد استوعبت أذربيجان جزءًا من حصة ليبيا المفقودة في السوق الأوروبية، بما في ذلك الإمدادات إلى إيطاليا التي غطتها روسيا مؤقتًا.
وحتى في عام 2025، وهو عام ضعيف، نقلت روسيا 38 مليار متر مكعب إلى الاتحاد الأوروبي عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال.
إن تدخل الرئيس علييف هو مناورة سياسية، وليس عرضًا للإمدادات. لكن المضمون السياسي هو بيت القصيد: دولة ما بعد الاتحاد السوفيتي تُقدّر أن التحالف العلني ضد موسكو بات يحمل مخاطرة مقبولة.

سابعًا: التقييم
4 ملاحظات جديرة بالمتابعة:
مثّلت أزمة مضيق هرمز آلية لتخفيف العقوبات عن روسيا من حيث الكميات، في حين أنها فاقمت الضغط المالي خلال الوقت نفسه.
ويلجأ المشترون إلى شراء البراميل بأسعار مخفّضة لأن البديل غير موثوق، وتبيع روسيا كميات أكبر بإيراد أقل للوحدة، والخصم هو ثمن استمرار الوصول إلى السوق.
وأصبح الالتزام بالعقوبات الآن مرتبطًا بشكل واضح بأمن الطاقة أكثر من كونه مبدًا.
ويشير المرسوم الرئاسي الإندونيسي، والأحجام القياسية التي حققتها الهند، والنقاش الداخلي الياباني، جميعها إلى الاتجاه نفسه. يبقى الالتزام قائمًا حيثما توجد بدائل، وقد أزالت أزمة مضيق هرمز هذه البدائل.
وتعاني البنية التحتية للتتبع التي تدعم الإنفاذ قصورًا؛ فعندما يتحرك ما يقارب نصف النفط الروسي المتجه إلى آسيا دون وجهة معلنة، تتآكل القاعدة المعلوماتية للإنفاذ إلى درجة يصعب معها تطبيق العقوبات الثانوية بدقة.
ومن شأن مشروع قانون مجلس الشيوخ المعروض حاليًا، الذي يقترح فرض تعرفات جمركية تصل إلى 100% على أكبر 5 مشترين للنفط والغاز الروسيين، بما في ذلك الهند، أن يختبر هذا الأمر بشكل مباشر، على الرغم من أن مصيره مرتبط بمفاوضات التجارة الجارية بين الولايات المتحدة والهند.
ويتعزز البعد الطاقي لعلاقة "الصين وروسيا" في ظل ظروف الأزمة.
ويُشير اجتماع نوفاك-دينغ، ومضاعفة كميات الغاز المسال، واستقرار تدفقات النفط، إلى علاقة إمداد تزداد قيمتها بالنسبة لبكين، بالتزامن مع إظهار القوة البحرية الأميركية قدرتها على التأثير في طرق الطاقة البحرية. وإن كل يوم يستمر فيه حصار مضيق هرمز يُعزز الخيار الروسي البري والمتجه نحو المحيط الهادئ.
ويكمن الشرط الأساسي في أن دولة تخضع لعقوبات غربية شاملة على الطاقة تُصدّر بكميات شبه قياسية، واكتسبت عميلًا سياديًا جديدًا،
وتراقب البلاد نقاشًا بشأن انشقاق أحد أعضاء مجموعة الـ7، وعمّقت شراكتها الإستراتيجية الرئيسة، في حين تستورد خلال الوقت نفسه البنزين، وتُقنّن استهلاك الوقود محليًا، وتُسجّل إيرادات من المحروقات أقل بنسبة 38% عن العام السابق.
وكلا جزئي هذا الوصف دقيق، ويكمن الحل في أن نظام العقوبات نجح في تقليص هامش الربح وفشل في خفض حجم الصادرات، وفي نظام مُجزّأ، يُعدّ حجم الصادرات هو ما يُؤمّن الموقع الإستراتيجي.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- صادرات النفط والغاز الروسية.. ممرات محدودة وضغوط مستمرة لخفض الإيرادات (مقال)
- صادرات النفط والغاز الروسية.. مكاسب استثنائية رغم اضطراب الأسواق (مقال)
- صادرات النفط والغاز الروسية تسعى إلى زيادة الإيرادات وسط استمرار العقوبات (مقال)
اقرأ أيضًا..
- أمين عام أوبك يرد على "بيرول": تاريخ منتجي الخليج يشهد بموثوقيتهم
- تقلبات أسعار الغاز المسال تهدد القطاع.. هل تتحول الأرباح إلى خسائر؟
- توقعات أسعار النفط وتهديد الحوثي بحصار السعودية.. 6 خبراء يتحدثون





