أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطرئيسيةنفط

الفرق بين المخزونات الإستراتيجية للنفط و"التجارية" وكيف تؤثر في الأسعار

أحمد بدر

شهدت أسواق الطاقة خلال الأيام الأخيرة جدلًا واسعًا بشأن المخزونات الإستراتيجية للنفط وتأثيرها الحقيقي في حركة أسعار الخام، خاصةً بعد انتشار تقارير وتحليلات تحدثت عن انخفاض حادّ في المخزونات العالمية واحتمالات حدوث أزمة كبيرة في السوق النفطية العالمية.

وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن كثيرًا من التحليلات المتداولة مؤخرًا خلطت بين أنواع المخزونات النفطية المختلفة، ما تسبَّب في استنتاجات مضللة بشأن مستقبل الأسعار واتجاهات السوق العالمية.

وانتقد الحجي طريقة تناول بعض المؤسسات الإعلامية والمالية لملف المخزونات الإستراتيجية للنفط، مؤكدًا أن الاعتماد على رسوم بيانية غير دقيقة أو دمج بيانات غير متجانسة أدى إلى تضخيم المخاوف المتعلقة بإمدادات النفط العالمية خلال المرحلة الحالية.

وأشار إلى أن التأثير الحقيقي في أسعار النفط يرتبط أساسًا بالمخزونات التجارية، وليس الإستراتيجية، موضحًا أن انخفاض المخزون التجاري يختلف جذريًا عن السحب الحكومي من الاحتياطيات الإستراتيجية التي تُستعمَل عادةً خلال الأزمات والطوارئ أو لتهدئة الأسعار.

جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "‏‏‏‏‏النفط بين المخزونات الإستراتيجية وترمب والصين".

تقارير بلومبرغ وجي بي مورغان

قال أنس الحجي، إن الإشكال الأكبر بدأ بعد تداول تقارير وتحليلات نشرتها مؤسسات إعلامية ومالية عالمية، وفي مقدمتها وكالة بلومبرغ، التي تُنقل عنها الأخبار بكثافة في وسائل الإعلام العربية والعالمية دون تدقيق كافٍ في التفاصيل الفنية المتعلقة بأسواق النفط.

وأوضح أن تقريرًا صادرًا عن بنك جي بي مورغان تضمّنَ رسمًا بيانيًا أظهر اتجاهًا تاريخيًا لانخفاض المخزونات النفطية العالمية، مع توقعات بوصول السوق إلى مستويات وصفها التقرير بأنها خطيرة للغاية خلال المدة المقبلة.

وأضاف أن الرسم البياني انتشر بسرعة كبيرة بين وسائل الإعلام والمتابعين، في حين تجاهل كثيرون شرح طبيعة البيانات المستعملة داخله، وهو ما أدى إلى تضليل شريحة واسعة من المتابعين والمحللين بشأن حقيقة أوضاع سوق النفط العالمية.

مخزونات النفط في الصين

وأكد أنس الحجي أن الخطأ الجوهري في التقرير تَمثَّل في دمج أنواع مختلفة من المخزونات النفطية داخل رسم واحد، مشيرًا إلى أن هذا الخلط بين البيانات جعل الاستنتاجات النهائية غير دقيقة، بل وأدت إلى قراءة خاطئة لاتجاهات الأسعار العالمية.

وأشار إلى أن المخزونات الإستراتيجية للنفط تختلف تمامًا عن المخزونات التجارية من حيث الملكية والهدف والتأثير في السوق، مبينًا أنّ تجاهُل هذه الفوارق الأساسية تسبَّب في تضخيم المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات النفطية عالميًا.

ولفت إلى أن بعض المحللين توقعوا ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط بناءً على تلك البيانات، إلّا أن السوق لم تستجب كما توقّعوا، لأن الأساس التحليلي الذي استندوا إليه كان غير صحيح من الناحية الاقتصادية والفنية المتعلقة بحركة المعروض النفطي.

الفروق بين المخزونات النفطية

قال أنس الحجي، إن المخزونات التجارية للنفط هي التي تمتلكها المصافي وشركات الطيران وتجّار النفط، وهي الأكثر تأثيرًا في حركة الأسعار اليومية، خاصةً عندما تأتي بياناتها مخالفة لتوقعات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية.

وأوضح أن ارتفاع المخزونات التجارية عادةً ما يضغط على أسعار النفط بسبب زيادة المعروض، في حين يؤدي انخفاضها إلى دعم الأسعار ورفعها، خصوصًا إذا كان التراجع أكبر من التقديرات التي تضعها الأسواق مسبقًا قبل صدور البيانات الرسمية.

وأشار إلى أن المخزونات الإستراتيجية تُمثّل احتياطيات حكومية تُخصص لحالات الطوارئ والأزمات الكبرى، ولا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي تُفسَّر بها تحركات المخزونات التجارية المرتبطة مباشرة بالنشاط الاقتصادي والاستهلاك اليومي.

المخزون النفطي الإستراتيجي في الولايات المتحدة
المخزون النفطي الإستراتيجي في الولايات المتحدة - الصورة من بلومبرغ

وأضاف أنس الحجي أن السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية يعني فعليًا ضخ كميات إضافية في الأسواق، وهو ما يعادل زيادة إنتاج دولة نفطية كبرى، الأمر الذي يسهم في تهدئة الأسعار، وليس رفعها كما يعتقد بعض المحللين والمتابعين.

وأكد أن الولايات المتحدة سحبت كميات كبيرة من احتياطياتها الإستراتيجية خلال المدة الماضية، ضمن تحركات دول وكالة الطاقة الدولية، وهو ما وفّر إمدادات إضافية للأسواق وأسهم في تخفيف الضغوط السعرية على النفط الخام عالميًا.

وبيّن أن الخطأ الذي وقع فيه بعض المحللين تَمثَّل في عَدّ أيّ انخفاض بالمخزون عاملًا داعمًا للأسعار، دون التمييز بين نوعية المخزون وأسباب تراجعه، وهو ما أدى إلى استنتاجات معاكسة للواقع داخل السوق النفطية.

تأثير مخزونات الوقود في الأسواق

قال أنس الحجي، إن الأزمة لم تتوقف عند خلط المخزونات الإستراتيجية بالمخزونات التجارية فقط، بل امتدّت أيضًا إلى دمج مخزونات البنزين والديزل ووقود الطائرات داخل تحليلات عامة تتعلق بأسعار النفط الخام.

وأوضح أن انخفاض مخزونات البنزين لا يعني بالضرورة ارتفاع أسعار النفط، لأن لكل منتج سوقه الخاصة وعوامل تسعيره المختلفة، مشيرًا إلى أنّ تراجع مخزون البنزين قد يرفع أسعار الوقود نفسه دون تأثير مماثل بالخام.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة شهدت انخفاضًا واضحًا في مخزونات البنزين والديزل خلال المدة الماضية، إلّا أن السبب الرئيس يعود إلى زيادة الصادرات الأميركية نحو الأسواق الخارجية التي أصبحت أسعار الوقود فيها أعلى من السوق الأميركية.

أسعار البنزين في أميركا

وأضاف أنس الحجي أن الفارق السعري بين الولايات المتحدة والأسواق الأخرى شجّع الشركات على التصدير، ما أدى إلى تراجع المخزونات المحلية نتيجة بيع الفائض للخارج، وليس بسبب وجود نقص حقيقي في الإمدادات داخل السوق الأميركية.

وأكد أن هذا الوضع يختلف تمامًا عن بعض الدول الآسيوية التي تعاني من نقص في الإمدادات بسبب التوترات الجيوسياسية ومخاوف الشحن، موضحًا أن تفسير انخفاض المخزون يجب أن يرتبط دائمًا بأسبابه الحقيقية، وليس بالأرقام المجردة فقط.

وشدد على أن فهم طبيعة المخزونات الإستراتيجية والمخزونات التجارية والمنتجات النفطية المختلفة يُعدّ عنصرًا أساسًا لتحليل السوق بصورة صحيحة، بعيدًا عن المبالغات الإعلامية أو القراءات السطحية التي قد تُضلل المستثمرين والمتابعين.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر: 

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق