تقارير التغير المناخيالتغير المناخيسلايدر الرئيسية

خبير اقتصادات زراعة: تغير المناخ يهدد الأمن الغذائي.. ومواجهة الخطر غائبة عربيًّا (حوار)

مصر من أكثر البلدان عرضة لتداعيات التغير المناخي في العالم

حياة حسين

اقرأ في هذا المقال

  • عدم إدارة الزيادة السكانية في مصر أدى إلى تغول المناطق الحضرية على الأراضي الزراعية
  • دول عربية عرقلت إصدار تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ 4 أيام
  • تقليل الفاقد من الغذاء جزء من علاج تغير المناخ
  • ممارسات السكان الأصليين في البلدان المختلفة أحد علاجات تأثير تغير المناخ في الزراعة

تدق الدول الغربية الغنية ناقوس الخطر بشأن تهديد تغير المناخ للأمن الغذائي، رغم أنها قادرة على مواجهة تكلفته، في حين تواصل الدول النامية -بما فيها الدول العربية- ممارسات تفاقم المشكلة، سواء على مستوى زيادة الانبعاثات، أو حجم هدر الغذاء، وحتى سلوكيات الاستهلاك، رغم أن نسبة كبيرة منها غير قادرة على تحمل تكلفة الهدر، مثل مصر، التي تُعد ضمن المناطق الأكثر عرضة لآثار الأزمة المناخية لأسباب عديدة تتعلق بالنشاط الزراعي.

وتُعد مسألة تأثير تغير المناخ في الزراعة من أهم قضايا الساعة خلال الوقت الراهن، لأنها تطرح تساؤلًا عن كيفية تأثير أزمة المناخ في إنتاج الغذاء واستهلاكه، خاصة أن القطاع الزراعي من أكثر القطاعات التي تتأثر بتغير المناخ، كما أنها من القطاعات التي تفاقم المشكلة، وفق أستاذ اقتصادات الزراعة والغذاء في قسم الاقتصاد بالجامعة السويدية، الدكتور عاصم رضا أبوحطب.

كما يعمل أبوحطب كبيرًا للباحثين في اقتصادات التنمية بمعهد نوردك أفريكان إنستيتيوت، وهو معهد دول الشمال المتعلق بشؤون أفريقيا، الذي يركز على مساعدة دول الشمال مثل السويد ونيوزيلندا، من خلال وزارات خارجيتها للتعاون ومساعدة الدول النامية، خاصة في أفريقيا وشمالها ومن بينها مصر.

ويرى أبوحطب أن تهديد تغير المناخ للأمن الغذائي من خلال تأثيره في الزراعة بات واضحًا بشدة خلال السنوات الأخيرة، الذي ظهر في صورة ارتفاع الحرارة ومشكلات الجفاف والتربة ونقص المياه، ووصل إلى إرباك مواعيد الزراعات في المواسم المختلفة.

منصة الطاقة المتخصصة حاورت أبوحطب، وذلك خلال مشاركته في مؤتمر لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" عن "إشراك المدن في التحول المستدام والشامل للنظم الزراعية والغذائية في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا"، الذي انعقد في القاهرة الأسبوع الماضي، وفيما يلي نص الحوار:

شاركتَ في إعداد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة الأخير، بوصفك من الكتاب الرئيسين للفصل السابع الخاص بالزراعة والغذاء، ما أهم ملحوظاتك في هذا الشأن؟

أولًا: نستعمل -حاليًا- مصطلح "النظام الغذائي"، لأنه أعم وأشمل، إذ تدخل فيه مكونات الغذاء والإنتاج، بالإضافة إلى جميع ما يؤثر في الاستهلاك والإنتاج الغذائي.

وينتج عن النظام الغذائي 20% من الانبعاثات العالمية، وإذا لم نعالج هذه الانبعاثات فإنها سترتفع إلى 50% بحلول عام 2050.

وآثار تغير المناخ بدأت تتضح في العالم، وفي مصر لدينا مشروعات في الفيوم وبعض المحافظات، ونقابل مزارعين مرتبكين بشأن مواسم الزراعة.. يخبروننا بأن موسم الزراعة للمحاصيل الشتوية بدأ، لكنهم لا يشعرون أن هذا هو الطقس الملائم، ولا يتوافق مع تواريخ الزراعة.. هي ليست ظاهرة في مصر فقط وإنما في أنحاء العالم، هناك ارتباك في مواسم الزراعة، قد تكون متعلقة بارتفاع الحرارة غير الاعتيادي، وأيضًا بمستوى سطح البحر.

وارتفاع سطح البحر من المشكلات التي تؤثر سلبًا في المناطق الساحلية، ومن المتوقع أن تزيد حدتها، وتهدد بغرق الأراضي الزراعية، وفي مصر؛ ترجح أبحاث عديدة غرق مساحات كبيرة من الدلتا، بالإضافة إلى ارتفاع ملوحة التربة.

والزراعة ترتبط بالمياه، لذلك فإن تهديد تغير المناخ للأمن الغذائي بوصفه أحد عوامل رئيسة تسهم في تفاقم أزمة نقص المياه.

مزارع مصري يحصد محصول خضروات
مزارع مصري يحصد محصول خضراوات - الصورة من بروفنشن ويب

شهد العالم أكبر عدد من الكوارث الطبيعية المتعلقة بتغير المناخ خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فهل استطاعت الأبحاث التوصل إلى نتائج ملموسة بهذا الشأن؟

نعم، فنحن رأينا فيضانات ليبيا غير المسبوقة بالقرب منا، لكن أبحاث تأثير تغير المناخ في الزراعة بدأت خلال ثمانينيات القرن الماضي، وبصورة عامة العمل البحثي على تغير المناخ بدأ منذ مدة طويلة جدًا، لكن الاهتمام من وسائل الإعلام لم يظهر إلا بعد تأثر المجتمعات بصورة مباشرة، لأننا نحن المواطنين لم نكن نرى هذا التغير المناخي بأعيننا.

والعمل على تغير المناخ والزراعة يجري بصورة شاملة، إذ نقسّم العالم إلى 3 مناطق وفق حجم المخاطر التي ستتعرض لها كل منطقة، وحتى نجري دراسة على منطقة معينة تتبع أي من مستويات التقسيم، يجب أن توفر الدولة الواقعة فيها هذه المنطقة البيانات.

هل حددتم تلك المناطق؟

طبعًا، وعلى سبيل المثال، مصر تقع ضمن أكثر المناطق عرضة لمخاطر تغير المناخ، وذكر ذلك التقرير الأخير لهيئة الأمم المتحدة، وسيتعرض القطاع الزراعي في هذه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا لتلك المخاطر بصورة خاصة.

لماذا؟

لأن الزراعة تحتاج إلى مناخ مناسب، وتشهد مصر ارتفاعًا لدرجة الحرارة، ونرى تأثيرها في مواسم الزراعة حاليًا.

وتحتاج الزراعة إلى المياه، ومصر لا تمتلك مياهًا على أرض الواقع، إذ إن جميع الموارد المائية لديها -التي تعتمد عليها- قادمة من الخارج.

كما تعاني مصر تدهورًا سريعًا وكبيرًا لجودة التربة.

لماذا تعاني مصر هذه المشكلات.. هل بسبب ممارسات محلية أم ضغوط من الخارج؟

بسبب الزيادة السكانية، وعدم إدارتها بصورة صحيحة. الزيادة السكانية في حد ذاتها خير من وجهة نظري، وطوال الوقت أعتقد ذلك ولم تتغير وجهة نظري قط، وفي التقارير العالمية الخاصة بالتنافسية، دائمًا ما تحصد مصر مركزًا متقدمًا في حجم السوق بفضل النمو السكاني، كما أن الجودة مرتبطة بالتوزيع العمري للسكان، ورغم ذلك فإن زيادة السكان في مصر مشكلة، بسبب عدم الإدارة الجيدة لهذه الزيادة.

ما مظاهر عدم إدارة الزيادة السكانية في مصر وعلاقتها بتغير المناخ والزراعة؟

الزيادة السكانية تبعها تمدد حضري غير حضاري جاء على حساب شريط الأرض الذي نأكل منه "الدلتا ووادي النيل"، لأنها أكثر المناطق خصوبة، وكانت الإدارة الجيدة تستوجب التمدد الحضري في المناطق الصحراوية التي تسيطر على 90% من إجمالي مساحة البلاد.

واستصلاح الأراضي الصحراوية، هل هو أمر غير مؤثر في تحقيق التوازن؟

عندما نستصلح الأراضي ننسى أمرًا مهمًا جدًا وهو الإنتاجية، فالفدان الذي يعادل 4 آلاف و200 متر مربع في منطقة لا يساوي فدانًا آخر في منطقة أخرى بمعيار الإنتاجية.

ولتقريب المفهوم سأذكر ما يحدث في دولة مثل الصين، إذ تعاني المشكلة ذاتها، لذلك يجب أن تستصلح مساحات تعادل في إنتاجيتها الأراضي التي شهدت تمددًا حضريًا، بمعنى أن الفدان قد يقابله استصلاح 10 فدادين أو 8 وهكذا.

وهناك ميزة ثانية في الأراضي القديمة الموجودة منذ مئات السنين التي تشهد تمددًا حضاريًا، فهي تتسم بتدهور بطيء لتربتها، في حين تعاني الأراضي الصحراوية المستصلحة تدهورًا سريعًا قد يكون بعد 15 عامًا.

ويمكن تعويض هذا التدهور باستعمال الأسمدة، لكن كثرتها تسبب مشكلات أخرى للبيئة ولصحة الإنسان، فكل شيء له تكلفة، وبغض النظر عن الآثار البيئية والصحية، فقد ارتفعت أسعار الأسمدة وتتزايد تكلفتها يومًا بعد يوم.

هل تغير المناخ يهدد غذاء العالم بصورة عامة بعيدًا عن مصر؟

طبعًا.

كيف نتجنّب هذا الخطر؟

العالم كله يعمل على محورين حاليًا، الأول التخفيف والتأقلم، والآخر يعني أن تغير المناخ وتأثيره في الغذاء بات واقعًا لا فرار منه ولا بد من التأقلم معه، والأول هو وسائل تخفيف المشكلة.

وعلى سبيل المثال: هناك مسألة فقد الغذاء، التي يحاول العالم علاجها، رغم أن علاقة هدر الغذاء مع تغير المناخ غير واضحة للكثيرين.

ودولة مثل مصر تخسر نحو 45% من بعض المحاصيل، وتعاني نوعين من الفقد (Food lost) ويعني الخسارة في الإنتاج قبل وصول السلعة إلى المستهلك، والـ(Food waste) وتعني الفقد في السلعة بعد وصولها إلى المستهلك، والأولى تحدث بسبب عدم وجود وسائل نقل مبردة تحافظ على السلع.

ووجدت الدراسات ضرورة معالجة النوعين، وأن النوع الثاني، وهو (Food waste)، موجود في بعض الدول النامية -مثل إثيوبيا- بالمعدلات نفسها في دول غنية مثل أميركا.

وفقدُ نسبة من المحصول لا يعني خسارة جزء من الطماطم أو البرتقال، بل يُضاف إلى ذلك: المياه والتربة ووقت المزارع والنقل والوقود المستهلك في محركات وسائل النقل.

في المناطق الريفية المصرية، قبل عقدين من الزمن أو 3 عقود، كانت منظومة الغذاء متكاملة، ولا وجود للفاقد رغم عدم استعمال التقنيات الحديثة، فالمحصول قبل الاستهلاك يُستعمل كل جزء فيه -سواء للغذاء الآدمي أو لتربية الحيوانات-، وبواقي الطعام المطهي تذهب لتربية الطيور، وهكذا. وهناك دراسات عالمية عديدة كشفت عن أنه دون دمج ممارسات السكان المحليين في عمليات التطوير والاستفادة من خبراتهم فلن يكون هناك نجاح، وحتى في علاج تغير المناخ، هل هذه الأمور تُؤخذ في الحسبان عند إجراء الأبحاث أو في مشروعات العمل؟

طبعًا، فالعودة إلى النظم الغذائية القديمة جزء من الحلول المطروحة، مثل التقليل من استهلاك اللحوم، لأن تكلفتها البيئية عالية جدًا ومواردها أيضًا.

إن إنتاج كيلوغرام من الطماطم أقل تكلفة من إنتاج كيلوغرام من اللحوم من ناحية المياه والتربة. كما أن المواشي من المصادر المؤثرة بسبب انبعاثات غاز الميثان.

ومنظمة الأمم المتحدة دائمًا ما تتحدث عن ممارسات السكان الأصليين، التي لها دور كبير ومهم جدًا في التقليل من تهديد تغير المناخ للأمن الغذائي.

ارتفاع الحرارة وتداعيات تغير المناخ
ارتفاع الحرارة وتداعيات تغير المناخ في أفريقيا - الصورة من إنرجي فويس

مكافحة تغير المناخ هل تسير بصورة جيدة في قطاع الزراعة؟

بصورة عامة هناك دول قطعت شوطًا طويلًا في علاج تهديد تغير المناخ للأمن الغذائي، من خلال حل مشكلة أزمة الفاقد في الغذاء. ففي بعض المدن الأوروبية وصلنا إلى "صفر فاقد غذاء".

وعلى سبيل المثال تشتري مصانع الصناعات القائمة على المخلفات في السويد، تلك المخلفات من دول أخرى، لأنها لم تعد متوافرة داخل البلاد.

والصورة ليست قاتمة في بعض المناطق، وإدراك أن هناك مشكلة هو بداية الحل.

ففي أوروبا يعيش المواطنون -في الليل والنهار- قضايا تغير المناخ التي تهيمن على وسائل الاعلام، متضمنةً إرشادات لكيفية تقليل الفاقد، مثل إطفاء المصابيح، وحتى تعليمات عدم الإهدار عند إعداد كوب من الشاي، إذ دائمًا ما يطلب ألا تزيد كمية المياه عن كوب الشاي لتوفير المياه والشاي والطاقة المستهلكة.

ما أقصده أن ما يحدد مدى اهتمام الدول وإدراكها لأزمة تغير المناخ، هو الإجراءات وحجم الاستثمارات المضخوخة للعلاج.

تغير المناخ يحتاج إلى علاج كوني شامل من وجهة نظر عديد من الخبراء، بدليل أن نشطاء المناخ يهاجمون ما يسمى "سوق الكربون"، ويعدّونها نوعًا من الغسل الأخضر ولا تحل المشكلة، هل هذا ممكن؟

نظريًا نعم، موجود، وهناك مؤسسات تعمل على الحل الشامل، لكن عمليًا من الصعب تحقيقه، فكيف سأقنع رئيس وزراء دولة ما أنه يجب عليه القيام والمشاركة في الحل الكوني الشامل، لا تستطيع إجبار دولة على فعل شيء.

ونحن نقسّم الحل الكوني لأجزاء، ونضع أهدافًا استرشادية، وهناك من يلتزم وبعضهم لا يلتزم، بل إن هناك من يعرقل المجهودات.

كيف؟

تعطل إصدار تقرير هيئة المناخ الأخير لمدة 4 أيام، بسبب رفض بعض حكومات الدول العربية الموافقة عليه واعتماده، بسبب اعتماد اقتصاداتها على الوقود الأحفوري.

والحل الكوني ممكن، لكن ليست جميع الدول لديها الحافز والتمويل لعلاج تغير المناخ، لذلك يجري العمل على صندوق للتمويل، الذي أُعلن في قمة المناخ الأخيرة كوب 27، التي انعقدت في شرم الشيخ المصرية في 2022.

غير أن هذه المشكلة مستمرة، إذ لم تلتزم الدول المتقدمة إلا بـ10% من الالتزام السابق البالغ 100 مليار دولار أميركي من تمويلات تغير المناخ للدول النامية، وهو ما يثير مشكلات بين دول الشمال والجنوب، ويؤثر في الثقة بينها، وعلى مسألة علاج تغير المناخ بصورة شاملة، لكن ليست المشكلة الوحيدة، فهناك مشكلة الالتزام بصورة عامة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

 

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق