الغاز الروسي في القطب الشمالي.. 3 تحركات تعيد رسم خريطة الصادرات (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- العائق أمام الغاز الروسي هو الوجهة والجغرافيا وليس جيولوجيا المنطقة
- روسيا تُعزز الطلب المحلي على الغاز في قطاعات كانت تعتمد سابقًا على الديزل
- جرى تطوير 34% من النفط و2% من الغاز في مقاطعة نينيتس ذاتية الحكم
- خطر انقطاع جدول ضخ الغاز المسال في أوروبا لا يرتبط بسلوك خطوط الأنابيب الروسية
تواجه موارد الغاز الروسي في القطب الشمالي بعض التحديات التي تكمن أساسًا في العقوبات المفروضة على الصادرات، وليس في الجليد أو طبيعة المنطقة.
في هذا الإطار، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الإثنين 17 أغسطس/آب الجاري، حاكمة مقاطعة نينيتس ذاتية الحكم إيرينا غيخت في الكرملين.
وفي غضون ساعة، نقلت وسائل الإعلام الاقتصادية الروسية الرسالة الرئيسة: ستُشغّل شركتا غازبروم (Gazprom) ولوك أويل حقل لايافوزسكوي هذا العام، في حين ستبدأ لوك أويل (LUKOIL) إنتاج النفط في حقل كومانديشورسكوي في سبتمبر/أيلول المقبل.
وسلطت غيخت الضوء على إحصائية أكثر دلالة، وهي أنه من بين قاعدة موارد الهيدروكربونات في منطقتها لم يطوّر سوى 34% من النفط و2% من الغاز، وتلخص هذه النسبة جوهر سياسة الطاقة الروسية هذا الأسبوع.
العائق أمام الغاز الروسي
لا تمثل جيولوجيًا مقاطعة نينيتس ذاتية الحكم العائق أمام الغاز الروسي، ولم تكن كذلك منذ مدة طويلة، وتتمثل العرقلة في وجهة الصادرات والجغرافيا.
وتوجد 3 تحركات مترابطة تُحدد ملامح إنتاج هذا الأسبوع، إذ تُضيف روسيا قدرة إنتاجية جديدة في القطب الشمالي دون وجود مسار تصدير مُحدد، وتُعزز الطلب المحلي على الغاز في قطاعات كانت تعتمد سابقًا على الديزل.
وتُشغل روسيا ممر خط الأنابيب الوحيد المتبقي إلى أوروبا بكامل قدرته أو أكثر، في حين تُصدر بروكسل تشريعات لإغلاق هذا الممر نهائيًا وفق جدول زمني مُحدد.
لذلك، يُشكل انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز العامل الأساسي وراء هذه التحركات الـ3، إذ أدى إلى إخراج قطر من الميزان الأوروبي، وفرض على موسكو بيئة سعرية لا يُمكنها تحويلها بالكامل إلى إيرادات.

صادرات الغاز الروسي عبر خط أنابيب ترك ستريم
تُمثل 10 مليارات متر مكعب سنويًا حجمًا كبيرًا يُقارب ثلثي ما يُتوقع أن تُصدره روسيا إلى جنوب شرق أوروبا عبر خط أنابيب ترك ستريم في عام 2026 بالأسعار الحالية.
على الرغم من ذلك، فإن بيان الكرملين لا يُوضح وجهة الشحن، إذ يقع خط أنابيب لايافوزسكوي في حوض تيمان-بيتشورا في القطب الشمالي الأوروبي الروسي، ولا يرتبط بنظام "باور أوف سيبيريا"، ولا يوجد مسار واقعي لخط أنابيب إلى الصين.
ويمكن إدخال الغاز إلى نظام إمداد الغاز الموحد، أو استبدال كميات أخرى في روسيا الأوروبية، أو استعماله في عمليات تصنيع الغاز، أو في نهاية المطاف لدعم مشروع تسييل الغاز المواجه لبحر بارنتس.
ولا يحقق أي من هذه الخيارات الإيرادات الصافية التي كانت شركة غازبروم تجنيها من السوق الأوروبية قبل عام 2022.
بالمثل، فإن الفجوة الزمنية التي امتدت 9 سنوات بين منح الترخيص عام 2016 وبدء التشغيل عام 2026 لها دلالتها الواضحة.
وقد أبقت شركة غازبروم الروسية المشروع معطلًا طالما بقي إيرادها الأوروبي ثابتًا، ولم تبدأ تطويره إلا بعد زوال هذا الإيراد، إذ يتدفق رأس المال إلى قاعدة الموارد في الوقت الذي ضعفت فيه جدوى الشراء.
والتفسير المنطقي هو أن مشروع لايافوزسكوي يُبنى بوصفه بديلًا محليًا، ولتوفير خيار التصدير إلى منفذ شمالي غير موجود حاليًا.
أما العنصر الأهم في مباحثات الكرملين فكان البنية التحتية، فقد أكدت حاكمة مقاطعة نينيتس ذاتية الحكم إيرينا غيخت أن التخطيط لميناء إنديغا للمياه العميقة في رأس روميانيتشني سيبدأ العام المقبل.
ووصفت غيخت ميناءً خاليًا من الجليد يزيد عمقه على 20 مترًا في خليج ملائم لا يحتاج تقريبًا إلى كاسحات جليد، واستعملت عبارة "طريق البحر السيادي"، وهي إعادة تسمية مقصودة لطريق البحر الشمالي.
وتجدر الإشارة إلى أن القيود التي لحقت بالخدمات اللوجستية لصادرات روسيا من القطب الشمالي لم تكن بسبب الجليد، بقدر ما كانت بسبب العقوبات المفروضة على بناء السفن المصنفة للعمل في الجليد والناقلات المتخصصة.
ويُسهم منفذ المياه العميقة الخالي من الجليد على ساحل بارنتس وبيتشورا في تجاوز هذه القيود جزئيًا، ما يُقلل الاعتماد على كاسحات الجليد وسفن الفئة أرك 7 وأحواض بناء السفن الغربية.
وفي حال تنفيذ مشروع إنديغا، فإنه يُقدم حلًا محتملًا لمسألة وجهة خط أنابيب لايافوزسكوي، وإن كان ذلك ضمن إطار زمني يمتد إلى ثلاثينيات القرن الحالي.
وقد انحصرت رسائل غازبروم العامة في ادعاءين؛ تأخر التخزين الأوروبي العام الماضي، وتحقيق خط أنابيب "باور أوف سيبيريا" رقمًا قياسيًا جديدًا في التسليم اليومي.
وتُشير الشركة -التي عانت فشلًا أوروبيًا ونجاحًا صينيًا- إلى أنها استنفدت جميع الخيارات الأخرى.
وقد استجابت السوق وفقًا لذلك، إذ انخفض سعر سهم غازبروم من 90 روبلًا (1.09 دولارًا) إلى 83 روبلًا (دولار واحد)، ولم يُؤدِ أي من هذين الادعاءين إلى استعادة اهتمام المستثمرين.
وإن الأرقام القياسية في حجم الشحنات على خط أنابيب شرقي بموجب عقود طويلة الأجل لا تُعوّض الإيراد، الذي كان يُجنى سابقًا من سوق مُحتكرة.
(روبل روسي= 0.012 دولارًا أميركيًا)
مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي
تدعم بيانات التخزين الأساسية حجج شركة غازبروم، ففي 16 أغسطس/آب الجاري بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الجوفية في الاتحاد الأوروبي 60.78%، أي ما يعادل 64.81 مليار متر مكعب، مقارنةً بنسبة 73.57% و78.88 مليار متر مكعب في التاريخ نفسه من عام 2025.
ويبلغ العجز السنوي في المخزون 14.07 مليار متر مكعب، بينما يبلغ النقص في عمليات الحقن منذ بداية الموسم 7.33 مليار متر مكعب.
وقد حقنت أوروبا 35.17 مليار متر مكعب حتى الآن، وما تزال في حاجة إلى 31.15 مليار متر مكعب للوصول إلى هدفها بحلول نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وبمعدل التعبئة اليومي في 16 أغسطس/آب البالغ 0.35 نقطة مئوية -أي ما يقارب 0.37 مليار متر مكعب مقابل سعة ضمنية تقارب 107 مليارات متر مكعب- فإن سد الفجوة المتبقية يستغرق نحو 84 يومًا، أي في الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ولن تحقق أوروبا هدفها إلا إذا استمر المعدل الحالي دون انقطاع، ولا مجال لأي طارئ، سواءً أكانت موجة برد مبكرة، أم انقطاعًا في الإمدادات، أم ارتفاعًا مستمرًا في أسعار النفط الآسيوية قد يؤدي إلى سحب الشحنات.
وتتركز المخاطر في ألمانيا، التي تمتلك أكبر نظام تخزين في أوروبا ومحور التوازن القاري، إذ بلغت نسبة التخزين فيها 49.68% فقط.
أما فرنسا فبلغت 63.19%، والنمسا 63.52%، وإيطاليا 79.15%.
وكانت منشأة إنتشوكالنس في بحر البلطيق ممتلئة بنسبة 45.5% فقط، وهي في حالة سحب صافٍ منذ 3 أغسطس/آب الجاري.
وبلغ سعر العقود الآجلة وفق مؤشر مركز تي تي إف الهولندي لشهر سبتمبر/أيلول المقبل 61.88 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أو 761.39 دولارًا لكل ألف متر مكعب.
في الوقت نفسه، تقترب الشحنات الروسية عبر آخر خط أنابيب عامل إلى أوروبا من قدرتها القصوى.
وسجلت بيانات الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الغاز (ENTSOG) من محطتي ستراندجا-2 ومالكوكلار 49.26 مليون متر مكعب في 16 أغسطس/آب الجاري، مع ارتفاع الطلبات المُعاد تحديدها ليوم 17 أغسطس/آب الجاري إلى 50.09 مليون متر مكعب.
وبلغ إجمالي حجم الشحنات في عام 2026 نحو 10.8 مليار متر مكعب، بزيادة قدرها 3.43% عن المدة نفسها من عام 2025.
ويتجاوز هذا الممر في كثير من الأحيان القدرة الاستيعابية اليومية المصممة، إذ تتزايد أحجام الشحنات عبر خط الأنابيب الروسي الوحيد المتبقي إلى الاتحاد الأوروبي سنويًا، على الرغم من وجود عجز في سعة التخزين يبلغ 14 مليار متر مكعب، وقد حددت بروكسل موعدًا نهائيًا لهذه التجارة.

خطوط أنابيب الغاز الروسية
لا يرتبط خطر انقطاع جدول ضخ الغاز المسال في أوروبا بسلوك خطوط أنابيب الغاز الروسية، فالشحنات الهامشية التي تحتاج إليها أوروبا تُباع لجهات أخرى.
من ناحيتها، استوردت كوريا الجنوبية 3.973 مليون طن من الغاز المسال في يوليو/تموز 2026، بزيادة قدرها 10% على أساس سنوي، على الرغم من انخفاض الشحنات التراكمية السنوية بنسبة 2%.
وقدّمت الولايات المتحدة 1.054 مليون طن، وهو رقم قياسي غير مسبوق، بزيادة قدرها 2.5 ضعف، لتحل محل الشحنات القطرية في سوق الواردات الكورية التي ظلت مستقرًة إلى حد كبير.
وهذا هو تأثير إغلاق مضيق هرمز، الذي يتجلى في الحصة السوقية وليس في نمو الطلب المطلق.
وانخفضت واردات الصين بنسبة 11% في عام 2025، وما تزال ضعيفة في توقعات عام 2026، ما أتاح شحنات أميركية كان من الممكن أن تذهب إلى أوروبا.
وتُظهر بيانات الوجهات الأسبوعية حتى 10 أغسطس/آب الجاري إعادة التوزيع بوضوح.
وخلال موسم حقن النفط من 31 مارس/آذار الماضي إلى 10 أغسطس/آب الجاري، لم تستحوذ أوروبا إلا على 46% تقريبًا من الشحنات الأميركية، مقابل 62% في المدة نفسها من عام 2025.
وارتفع إجمالي الصادرات الأميركية بنحو 20% على أساس سنوي بفضل القدرة الإنتاجية الجديدة من محطتي بلاكوماينز وغولدن باس.
رغم ذلك، انخفض إجمالي الطلب الأوروبي بنحو 10%، ويعادل هذا الانخفاض الفعلي نحو 3.5 مليار متر مكعب، أي ما يقارب نصف النقص في الشحنات المحقونة.
ولو حافظت أوروبا على حصتها لعام 2025 من حجم الصادرات الأكبر لعام 2026، لكانت قد حصلت على ما يعادل 10 مليارات متر مكعب إضافية تقريبًا.
ولا تكمن مشكلة أوروبا في سحب الشحنات، بل في عدم الحصول على حصتها المعتادة من العرض المتزايد، في الوقت الذي كانت فيه بأمس الحاجة إلى هذه الزيادة.
ويُفسر العامل الموسمي جزءًا من هذا النمط، لكنه لا يُفسر عمقه، وعادةً ما تنخفض حصة أوروبا في الصيف، وفي عام 2025 بلغت أدنى مستوياتها عند 55% في يوليو/تموز المنصرم.
في عام 2026، انخفضت النسبة إلى 37% في يونيو/حزيران الماضي، أي بانخفاض قدره 18 نقطة.
وذهب جزء كبير من الزيادة في حجم الشحنات في يونيو/حزيران الماضي إلى أفريقيا، ولا سيما مصر، وهي دولة متوسطية تتنافس على شحنات حوض المحيط الأطلسي نفسها عبر رحلات أقصر.
ومن ثم، فإن المنافسة الأوروبية تشمل كلًا من آسيا ومصر.
وتكمن الإشارة الأكثر فائدة في الطرف الأيمن من البيانات، فقد انخفضت حصة أوروبا من الشحنات الأميركية إلى أدنى مستوياتها قرب 32% في أوائل يوليو/تموز المنصرم، ثم تعافت لتصل إلى نحو 56% خلال الأسابيع الـ4 المنتهية في 10 أغسطس/آب الجاري.
وتصل الشحنات المحملة في أواخر يوليو/تموز المنصرم إلى شمال غرب أوروبا في النصف الثاني من أغسطس/آب الجاري، بما يتوافق مع الارتفاع الملحوظ في معدلات التعبئة اليومية من 0.27 إلى 0.35 نقطة مئوية.
وما تزال أوروبا تحقق هدفها لشهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل دون أي هامش.
أما المتغير الحاسم فيمكن ملاحظته أسبوعيًا، فإذا حافظت حصة أوروبا من الشحنات الأميركية على مستواها قرب منتصف الخمسينيات حتى سبتمبر/أيلول المقبل، فإن مسار الضخ سيُغلق، وإذا انخفضت إلى نحو 40% فإن النقص سيستمر حتى موسم السحب.
ويُعد هذا المؤشر الرائد أكثر فائدة من نسبة التخزين نفسها.
وتُفسر الحسابات نفسها سعي القطاع الأوروبي لتأجيل التخلص التدريجي الكامل من الغاز الروسي المتبقي من نهاية عام 2026 إلى أبريل/نيسان 2027.
ففي سوق ما تزال فيها كميات الغاز القطري محدودة، وحوّل جزء من الشحنات الأميركية، يظل الإمداد الروسي المتبقي -سواء عبر خطوط الأنابيب أو الغاز المسال- يسد فجوات حيوية.

تطوير قدرات روسيا في القطب الشمالي
تواصل روسيا تطوير قدراتها في القطب الشمالي للاستهلاك المحلي وخيارات التصدير البعيدة.
وتستمر أوروبا في سباقها مع جدول التخزين المزدحم، في حين تتنافس على الشحنات التي ما يزال بالإمكان نقلها إلى وجهات أخرى.
وما تزال هذه الشحنات في الوقت الراهن تفتقر إلى وجهة ذات قيمة عالية، تضاهي الإيرادات الأوروبية السابقة.
فالعائق الحقيقي أمام الغاز الروسي ليس نقص الموارد، بل غياب الوجهات ذات القيمة العالية.
وتُضيف روسيا قدرات كبيرة في القطب الشمالي (حقل لايافوزسكوي والحقول المرتبطة به)، في الوقت الذي اختفت فيه سوقها الأوروبية المتميزة إلى حد كبير.
ويمكن للغاز أن يلبي الاحتياجات المحلية أو ينتظر خيارات التصدير الشمالية المستقبلية، لكنه لا يستطيع حاليًا تحقيق الإيرادات الصافية التي كانت تُحققها الأسواق الأوروبية السابقة.
في الوقت نفسه، لا يتعلق نقص سعة التخزين في أوروبا بنقص الإمدادات المطلقة بقدر ما يتعلق بفقدان حصتها المعتادة من شحنات الغاز المسال الأميركية المتزايدة، التي جرى تحويلها بسبب اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز نحو آسيا ومصر.
باختصار: الموارد الجيولوجية وفيرة، لكن الجغرافيا وإمكان الوصول إلى الأسواق هما العاملان الحاسمان.
فيلينا تشاكاروفا.. متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: حرب الغاز المسال صناعة أميركية هدفها إزاحة روسيا من أوروبا
- صادرات النفط والغاز الروسية.. حرب إيران طوق نجاة يضمن استمرار التدفقات (مقال)
- خريطة صادرات النفط والغاز الروسية بعد أزمة هرمز و4 أعوام من العقوبات (مقال)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مصافي تكرير النفط في الدول العربية
- موسوعة مفاهيم الطاقة
- أول شحنة نفط سعودي تعبر مضيق هرمز خلال أغسطس (تفاصيل)





