ما أسباب أزمة الديزل العالمية.. وعلاقة 3 مصافٍ عربية؟ أنس الحجي يجيب
أحمد بدر

تفاقمت أزمة الديزل العالمية مؤخرًا، وسط ارتفاعات حادة في أسعار المشتقات النفطية واضطرابات متزايدة في حركة الإمدادات، نتيجة تداخل عوامل جيوسياسية وتجارية ولوجستية، امتدّت تداعياتها من الخليج إلى أسواق متعددة حول العالم.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن أزمة الطاقة الأوسع المرتبطة بأزمة مضيق هرمز، مؤكدًا أن التطورات تجاوزت النفط الخام إلى المنتجات النفطية.
وأوضح الحجي أن أزمة الديزل العالمية ارتبطت بمجموعة متشابكة من التطورات، تشمل تراجع بعض المخزونات، وتوقُّف صادرات مصافٍ رئيسة، وقرارات حكومية بتقييد صادرات المشتقات، إلى جانب سلوكات التجّار التي ساعدت على زيادة الضغط في الأسواق.
وأشار إلى أن أزمة الديزل أصبحت أكثر تعقيدًا مع امتداد الاضطرابات إلى عدّة بحار وممرات مائية، بالتزامن مع تراجع إمدادات الديزل الروسي، ما أدى إلى اتّساع نطاق الضغوط على الأسواق، وارتفاع مستويات القلق بشأن الإمدادات.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) تحت عنوان: "هرمز وأزمة الطاقة.. دروس جديدة في إدارة أسواق النفط العالمية".
المخزونات لا تعكس أزمة عالمية شاملة
قال أنس الحجي، إن أزمة الديزل العالمية لا يمكن تفسيرها بمجرد الرسوم البيانية التي تظهر انخفاضًا كبيرًا في المخزونات، موضحًا أن بعض البيانات تخلط بين المخزونات التجارية والمخزونات الإستراتيجية، رغم اختلاف طبيعة كل منهما وتأثيره في الأسواق.
وبيّنَ أن الفصل بين نوعَي المخزون يكشف صورة مختلفة، إذ إن الجزء الأكبر من التراجع المسجل في المخزونات الإستراتيجية جاء من الولايات المتحدة واليابان، وهو ما يجعل وصف الانخفاض بأنه تراجع عالمي شامل غير دقيق، وفق البيانات المتاحة.
وأضاف أن أزمة الديزل العالمية تزامنت مع انخفاض في المخزونات التجارية، لكن هذا التراجع تركّزَ أساسًا في الولايات المتحدة والصين، مشيرًا إلى ضرورة التعامل بحذر مع الروايات التي تقدّم الانخفاض بصفته ظاهرة عالمية موحدة.
ولفت إلى أن انخفاض المخزونات التجارية في الصين والولايات المتحدة ارتبط بدرجة كبيرة بتدفقات الصادرات، إذ إن الكميات التي خرجت من البلدين تقارب ما يظهر في بيانات انخفاض المخزون، ما يغيّر تفسير الأرقام بصورة جوهرية.

وأكد أنس الحجي أن أزمة الديزل العالمية تختلف عن وجود أزمة عالمية في النفط الخام، موضحًا أن المشكلة الحقيقية تتركز في المنتجات النفطية، ومنها الديزل والبنزين ووقود الطائرات، مع تسجيل أسعار بعضها مستويات تاريخية في أسواق مختلفة.
وأشار إلى أن أسعار الديزل ارتفعت إلى مستويات تاريخية، كما سجل البنزين ارتفاعات قوية في دول عدّة، في حين صعدت أسعار وقود الطائرات، خاصةً في أوروبا، لكنه شدد على أن الديزل يمثل بؤرة الأزمة بين مختلف المنتجات النفطية.
وأوضح أن أزمة الديزل العالمية اكتسبت جانبًا أكثر حدة مع فقدان إمدادات كانت تأتي من مصافٍ كبيرة في منطقة الخليج، مؤكدًا أن اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز منع وصول منتجات نفطية مهمة إلى الأسواق الخارجية.
وقال، إن 3 مصافٍ عربية رئيسة كانت في قلب التطورات، هي مصفاة الزور في الكويت، ومصفاة رأس تنورة في السعودية، ومصفاة الرويس في الإمارات، وجميعها تتمتع بطاقات كبيرة وتصدر منتجات نفطية للأسواق العالمية.
وأضاف أن أزمة الديزل العالمية تفاقمت بعدما توقفت هذه المصافي عن تصدير كميات من المنتجات، ومن بينها الديزل، نتيجة مشكلات الشحن عبر هرمز، ما حرمَ الأسواق من إمدادات كانت تصل إليها بانتظام.
كيف فاقم الهلع نقص الإمدادات؟
أوضح أنس الحجي أنّ توقُّف صادرات المصافي العربية أحدث نقصًا في الأسواق، لكن حالة الهلع التي صاحبت ذلك النقص أدت إلى سلوكات جديدة من الحكومات والتجّار والأفراد، وأسهمت في تحويل اضطراب الإمدادات إلى أزمة أكثر اتّساعًا.
وقال، إن أزمة الديزل العالمية دفعت حكومات آسيوية إلى اتخاذ إجراءات احترازية، إذ قررت دول مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية تقييد صادرات الديزل ومنتجات نفطية أخرى، ما أضاف نقصًا جديدًا إلى الأسواق فوق النقص الأساس.
وبيّن أن ارتفاع الأسعار خلقَ حافزًا قويًا أمام التجّار لتأجيل بيع الشحنات، موضحًا أن التاجر الذي يتوقع ارتفاع سعر شحنته خلال أسبوع قد يفضل الانتظار، حتى إذا تحمّل تكلفة التخزين، لتحقيق أرباح إضافية.

وأشار أنس الحجي إلى أن أزمة الديزل العالمية شجعت التجّار على استعمال آليتين أساسيتين، تمثّلت الأولى في التخزين أو الاحتكار، وتمثلت الثانية في إبطاء سرعة السفن، مؤكدًا أن إبطاء السفن يمثل بدوره شكلًا من أشكال التخزين.
وأوضح أن هذه السلوكات جاءت بعد اضطراب الشحن عبر هرمز وقرارات الحكومات الآسيوية، ما خلق حلقات متتالية من النقص والهلع والاحتفاظ بالشحنات، ودفع السوق إلى حالة من عدم اليقين بشأن موعد وصول الإمدادات.
وروى الحجي مثالًا على شحنة ديزل حقيقية كانت متجهة من الهند إلى جنوب أفريقيا، قبل أن تجذبها أسعار أعلى من مشترٍ في سنغافورة، فتغيّر مسار الناقلة باتجاه الشمال بدلًا من مواصلة رحلتها الأصلية.
وأضاف أن أزمة الديزل العالمية جعلت الشحنة نفسها عرضة لإعادة البيع مرات متعددة، إذ اشترتها جهة صينية لاحقًا، ثم أبدى مشترٍ ياباني استعدادًا لدفع سعر أعلى، فتحولت وجهتها مرة أخرى نحو اليابان.
وأكد أن هذه الظاهرة لم تقتصر على سفينة أو اثنتين، بل شملت مئات السفن التي تحمل النفط الخام والديزل والبنزين والغازات السائلة والغاز المسال، ما أدى إلى زيادة الشحنات العالقة في البحر وتأخُّر وصولها للأسواق.
وأوضح أن أزمة الديزل العالمية ازدادت سوءًا نتيجة عمليات إعادة توجيه الشحنات، إذ أصبحت الكميات موجودة في البحر بدلًا من الأسواق، في حين ظلَّ المشترون يبحثون عن إمدادات إضافية، وهو ما عزّز الضغوط السعرية وحالة الهلع.
البحر الأسود وفقدان الديزل الروسي
قال أنس الحجي، إن الأزمة بدأت في الخليج ومضيق هرمز، لكنها اتّسعت لاحقًا لتشمل أربعة بحار وممرات رئيسة، هي الخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود، ما نقل اضطرابات الإمدادات إلى نطاق جغرافي أوسع بكثير.
وأشار إلى أن أزمة الديزل العالمية استفادت من تطورات البحر الأسود، بعدما كثّفت أوكرانيا هجماتها على أهداف روسية، بما في ذلك المصافي والمواني، وهو ما أثّر في تدفقات النفط والمنتجات النفطية الخارجة من المنطقة.
وأوضح أن الهجمات طالت حاملات نفط ومنشآت مرتبطة بتصدير النفط، كما استهدفت محطة أو ميناء "CPC" الذي ينقل النفط القازاخستاني، ما تسبَّب في اضطراب كبير بتدفقات الطاقة عبر البحر الأسود خلال مدة قصيرة.

وبيّنَ خبير اقتصادات الطاقة أن أزمة الديزل العالمية تعقدت مع خسارة نحو 3 ملايين برميل يوميًا من التدفقات في البحر الأسود خلال أسبوع واحد -وفق تقديره- مشددًا على أن المشكلة لا تتمثل فقط في حجم البراميل المفقودة.
وأكد أن المشكلة الأكبر -من وجهة نظره- تمثلت في تجاهل تأثير هذه التطورات إعلاميًا، مقابل التركيز على أحداث أخرى لا تحمل التأثير نفسه في الأسواق العالمية، مشيرًا إلى الهجمات التي طالت مصفاة جازان السعودية مثالًا على ذلك.
وأضاف أن أزمة الديزل العالمية تلقّت ضربة جديدة مع تراجع إمدادات الديزل الروسي، بعدما أدت الهجمات على المصافي الروسية إلى تعطيل جزء من الإنتاج والتصدير، ما أضاف كميات مفقودة إلى سوق تعاني أصلًا ضغوطًا متراكمة.
وأشار إلى أن تأثير البحر الأسود يختلف عن تأثير بعض الأحداث الأخرى، لأن المنطقة ترتبط بتدفقات نفطية ومنتجات واسعة، في حين قد يكون تأثير بعض الهجمات على منشآت منفردة محدودًا نسبيًا في الأسواق الدولية.
وقال، إن اتّساع نطاق الاضطرابات من الخليج إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود يعني أن السوق لم تعد يواجه مشكلة محلية مرتبطة بممر واحد، بل شبكة أزمات مترابطة تضغط على حركة الإمدادات.
واختتم أنس الحجي بأن أزمة الديزل العالمية أصبحت نتيجة تراكمية لاضطراب الشحن عبر هرمز، وقرارات تقييد الصادرات، وسلوكات التخزين وإعادة توجيه الشحنات، إلى جانب فقدان الديزل الروسي، ما جعل الأزمة أكثر حدة واتّساعًا في الأسواق.
موضوعات متعلقة..
- الديزل الحيوي في إندونيسيا يجذب سائقي المركبات بعد ارتفاع أسعار النفط
- الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء بجزر فيجي يخفضان فاتورة استيراد الديزل (تقرير)
- مبيعات البنزين والديزل في الهند تواجه قيودًا جديدة
اقرأ أيضًا..
- حرائق الغابات تحاصر قطاع الطاقة.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل الكهرباء؟ (مقال)
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة
- المناجم في الدول العربية (ملف خاص)
- تقارير مساحات أنسيات الطاقة
المصدر:





