أنس الحجي: الغاز القبرصي يبحث عن طريق لأوروبا.. وهذا دور مصر
أحمد بدر

بدأت قضية الغاز القبرصي تفرض نفسها على خريطة الطاقة في شرق البحر المتوسط، مع تسارع خطط تطوير الحقول البحرية في قبرص، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مسار تصدير الإنتاج المستقبلي إلى الأسواق الأوروبية، والتحديات الجيوسياسية والفنية التي تواجه تلك الخطط.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن تطوير الحقول البحرية القبرصية ما يزال في مراحله الأولى، وأن نتائج أعمال الحفر والتقييم وحدها ستحدّد حجم الاحتياطيات القابلة للإنتاج والجدوى الاقتصادية للمشروعات المستقبلية.
وأشار إلى أن الغاز القبرصي يستهدف في نهاية المطاف الوصول إلى الأسواق الأوروبية، إلّا أن موقع قبرص الجغرافي وتعقيدات الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط يفرضان قيودًا كبيرة على إنشاء خطوط أنابيب مباشرة إلى أوروبا، وهو ما يغيّر حسابات الشركات المطورة.
وأضاف أن الشركات والحكومة القبرصية تتجهان إلى خيار نقل الغاز عبر خط أنابيب إلى مصر، للاستفادة من محطتي الإسالة المصريتين، قبل إعادة تصديره إلى أوروبا في صورة غاز مسال، بصفته الخيار الأكثر واقعية في الظروف الحالية.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "أوجه أزمة الطاقة العالمية.. 3 بحار و3 مصافٍ و3 أسواق".
تحديات تصدير الغاز القبرصي
أكد أنس الحجي أن الغاز القبرصي ليس مشروعًا مكتمل المعالم حتى الآن، لأن تطوير الحقول البحرية يحتاج أولًا إلى نجاح عمليات الحفر والتقييم، وبعدها فقط يمكن تحديد الكميات التجارية التي ستُبنى عليها قرارات الاستثمار والتصدير.
وأوضح أن الهدف النهائي للشركات المطورة يتمثل في بيع الغاز إلى أوروبا، إلّا أن تنفيذ خطوط أنابيب بحرية مباشرة يصطدم بعقبات جغرافية وسياسية، في ظل وجود المياه التركية وما يرتبط بها من خلافات تعقّد تنفيذ هذا الخيار.
وأشار إلى أن الغاز القبرصي سيعتمد، وفق الخطط الحالية، على إنشاء خط أنابيب يصل إلى مصر، حيث يجري استقبال الغاز ومعالجته وإسالته داخل المحطات المصرية، قبل تحميله على الناقلات المتجهة إلى الأسواق الأوروبية.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن مصر تمتلك بنية تحتية متقدمة لإسالة الغاز، وهو ما يمنحها دورًا محوريًا في أيّ مشروع إقليمي يهدف إلى تصدير الغاز القادم من شرق البحر المتوسط نحو الأسواق العالمية.
ورأى أن هذا المسار يوفر حلًا عمليًا لقبرص مقارنة بمحاولة إنشاء خطوط مباشرة إلى أوروبا، خاصةً أن محطات الإسالة المصرية جاهزة وقادرة على استقبال كميات إضافية عند توافر الإمدادات اللازمة.
وشدد على أن نجاح هذه الخطة سيظل مرتبطًا بنتائج عمليات الاستكشاف والتطوير، لأن حجم الإنتاج الفعلي سيحدد ما إذا كانت الاستثمارات المقترحة في خطوط الأنابيب والإسالة ستحقق العائد الاقتصادي المطلوب.
ولفت الدكتور أنس الحجي إلى أن التعاون بين قبرص ومصر يمثّل أحد أبرز نماذج التكامل في قطاع الطاقة بشرق المتوسط، لكنه يظل مرهونًا بقدرة الشركات على إثبات الجدوى التجارية للحقول الجديدة.

أمثلة على "جنون" تجارة الغاز المسال
قال أنس الحجي، إن الغاز القبرصي يعكس جانبًا من الظواهر غير المنطقية التي تشهدها تجارة الغاز العالمية، رغم تحول الغاز المسال إلى سلعة دولية تُتَداوَل بين مختلف القارات.
واستشهد بمثال بيرو وتشيلي، موضحًا أن بيرو تمتلك إنتاجًا ومحطة لإسالة الغاز، في حين تستورد تشيلي الغاز المسال، ورغم قرب البلدين جغرافيًا، فإن الخلافات السياسية حالت دون إنشاء خط أنابيب مباشر بينهما.
وأضاف أن بيرو تضطر إلى شحن الغاز المسال إلى أوروبا عبر رحلة بحرية طويلة حول أميركا الجنوبية، في حين تستورد تشيلي الغاز المسال الأميركي القادم من خليج المكسيك عبر مسار بحري طويل آخر، رغم تقارب البلدين.

وأشار أنس الحجي إلى أن الغاز القبرصي يطرح مفارقة مشابهة، إذ سيُنقَل عبر أنبوب إلى مصر لإسالته، ثم يُعاد شحنه إلى أوروبا، بدلًا من البحث عن حلول أكثر مباشرة إذا سمحت الظروف السياسية والجغرافية.
وأوضح أن مثالًا آخر يتمثل في الغاز المسال الروسي، الذي يقطع مسافات طويلة حول أفريقيا للوصول إلى الصين، بدلًا من المرور عبر البحر الأحمر، نتيجة القيود المفروضة على حركة الناقلات الروسية.
ولفت إلى أن هذه المسارات البحرية الطويلة ترفع تكاليف النقل بملايين الدولارات سنويًا، في حين كان بالإمكان تحقيق وفورات كبيرة لو أُزيلت العوائق السياسية والجيوسياسية التي تُعطّل الحلول الأقرب والأقل تكلفة.
واختتم مؤكدًا أن الغاز القبرصي يثير تساؤلًا اقتصاديًا مهمًا، إذ إن مصر تستورد أصلًا الغاز المسال من الولايات المتحدة، وقد يكون استيراد الغاز القبرصي مباشرة عبر الأنابيب لتلبية احتياجاتها المحلية أكثر كفاءة وأقل تكلفة، قبل التفكير في إعادة تصديره إلى أوروبا.
موضوعات متعلقة..
- نقل الغاز القبرصي إلى مصر يشهد خطوة جديدة
- مسؤول: مصر جاهزة لنقل الغاز القبرصي إلى أوروبا
- صحيفة: مصر تعرض التنازل عن حصتها في اتفاق الغاز القبرصي
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال في النصف الأول 2026
- موسوعة الطاقة لحقول النفط والغاز
- ملف خاص عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع الطاقة
المصدر:





