تقارير الهيدروجينرئيسيةهيدروجين

خبراء: الهيدروجين الأخضر في أفريقيا يحتاج إلى رؤية تتجاوز التصدير للتصنيع المحلي

داليا الهمشري

يمثّل الهيدروجين الأخضر فرصة مهمة لأفريقيا لتحويل مواردها الوفيرة من طاقتي الشمس والرياح إلى صناعة جديدة تدعم اقتصاداتها وتحقّق قيمة مضافة محليًا.

ومع تسارع دول العالم في تطوير مشروعات الهيدروجين منخفض الكربون والأمونيا الخضراء، تبرز أمام القارة الأفريقية تحديات رئيسة تتعلّق بتوفير التمويل ونقل التقنية وبناء صناعة محلية قادرة على الاستفادة من هذه الموارد.

وفي جلسة بعنوان "الطاقة الشمسية وما بعدها: الهيدروجين الأخضر بوابة نحو مستقبل الطاقة في أفريقيا"، خلال فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (The Solar Show MENA)، ناقش عدد من الخبراء مستقبل صناعة الهيدروجين في القارة، وسبل تحويل مواردها الطبيعية إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وتباينت آراء المشاركين -في الجلسة النقاشية التي حضرتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- حول النموذج الأنسب لتطوير صناعة الهيدروجين الأخضر في أفريقيا، بين التوسع في المشروعات الضخمة لتحقيق وفورات الحجم وخفض التكلفة، والتركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تلائم احتياجات الأسواق المحلية.

الريادة في الهيدروجين الأخضر

أكد السفير والمراقب الدائم لدى الأمم المتحدة الدكتور إسلام عاشور أن أفريقيا تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتؤدي دورًا مهمًا في سوق الهيدروجين الأخضر، في ظل توافر موارد الشمس والرياح والموقع الجغرافي المتميز والأسواق الكبيرة.

لكنه شدد على أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك السوق، مشيرًا إلى أن تجارب تطوير الموارد الطبيعية أظهرت في كثير من الأحيان انتقال الجزء الأكبر من القيمة المضافة والتقنية والتصنيع إلى خارج القارة.

وقال إن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تحويل أفريقيا إلى أكبر مصدر للهيدروجين الأخضر، وإنما يجب أن تصبح القارة أحد المراكز العالمية لصناعة الهيدروجين وإنتاجه، بما يشمل بناء سلاسل القيمة والتصنيع والتقنية.

ودعا إلى بناء إطار أفريقي متكامل للهيدروجين الأخضر، يقوم على تنسيق السياسات والتشريعات والمعايير وشهادات الإنتاج، إلى جانب تطوير بنية تحتية مشتركة تربط مراكز الإنتاج بالأسواق داخل القارة وخارجها.

جانب من فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "The Solar Show MENA"
جانب من فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "The Solar Show MENA"

من جانبه، قال المدير العام لمشروعات كفاءة الطاقة في الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات، الدكتور إبراهيم قشانة، إن تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر ترتبط بصورة كبيرة بتكلفة رأس المال وأسعار الكهرباء.

وأوضح أن التوسع في حجم المشروعات والتطور التقني يمكن أن يُسهما في خفض أسعار أجهزة التحليل الكهربائي ومصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يدعم تراجع تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى معادلة معقدة؛ إذ إن المشروعات واسعة النطاق تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، رغم أن التوسع في حجمها يساعد في النهاية في تحقيق وفورات الحجم وخفض تكلفة الإنتاج.

التمويل أبرز التحديات

قالت خبيرة الطاقة الخضراء والتمويل والاستثمار المستدام، مساعدة المدير العام لتقييم مشروعات قطاع المصب في الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، الدكتورة مروة حيدر، إن أفريقيا تمتلك موارد ضخمة من الطاقة المتجددة، لكن التحدي الأساسي يتمثّل في التمويل.

وأوضحت أن ارتفاع تكلفة رأس المال في أفريقيا، وعدم استقرار العملات، وارتفاع تكاليف التمويل والمعدات؛ تمثّل عوامل مؤثرة بصورة مباشرة في تكلفة تطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر.

وأكدت أهمية توفير إطار تنظيمي واضح، إلى جانب التوسع في التمويل العام والتمويل المختلط، وتعزيز الشراكة بين القطاعَيْن العام والخاص، بما يساعد في خفض المخاطر وجذب المستثمرين.

كما شددت على أهمية إعداد دراسات جدوى اقتصادية إلى جانب دراسات الجدوى المالية؛ نظرًا إلى أن مشروعات الهيدروجين الأخضر تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، وتتطلّب حسابًا دقيقًا للتكاليف والعوائد والمخاطر منذ المراحل الأولى.

بدورها، قالت خبيرة الاستدامة في وزارة الري والموارد المائية السودانية، موهيب أبكر جيدو، إن قطاع الهيدروجين الأخضر في أفريقيا انتقل من مرحلة إعلان الإستراتيجيات إلى مرحلة التنفيذ، لكن التحدي الآن يتمثّل في تحويل الخطط إلى مشروعات فعلية.

وشددت على ضرورة الحذر من الاعتماد الكامل على استيراد التقنية، بما قد يؤدي إلى استمرار التبعية التقنية، مؤكدة أهمية بناء شراكات اقتصادية حقيقية تساعد في نقل المعرفة والتقنية وخفض التكلفة على المطوّر المحلي.

بناء صناعات محلية

أكدت خبيرة الاستدامة السودانية أن الهدف من تطوير الهيدروجين النظيف يجب ألا يقتصر على إنتاجه للتصدير، وإنما ينبغي ربطه ببناء صناعات محلية، مثل إنتاج الأمونيا والأسمدة الخضراء، ودعم صناعات الحديد والصلب منخفضة الكربون.

وقالت إن أفريقيا تحتاج إلى النظر لمشروعات الهيدروجين من زاوية العائد الاقتصادي والقيمة المضافة، وليس كونها مجرد مشروعات لإنتاج الطاقة النظيفة وتصديرها إلى الأسواق الخارجية.

وربطت موهيب أبكر جيدو بين مستقبل الهيدروجين وأمن الطاقة والغذاء والمياه، مؤكدة ضرورة أن تؤمّن الدول الأفريقية احتياجاتها المحلية من الطاقة النظيفة قبل التوسع في تصدير مصادر الطاقة مثل الهيدروجين أو الأمونيا أو المنتجات الخضراء الأخرى.

كما شددت على ضرورة مراعاة الفروق بين الدول الأفريقية من حيث توافر المياه، موضحة أن التوسع في إنتاج الهيدروجين يجب أن يجري وفق إدارة متكاملة للترابط بين المياه والطاقة والغذاء.

وأكدت أهمية وضع تشريعات وضوابط بيئية تحافظ على الموارد المائية والأراضي الزراعية، بحيث لا يأتي التوسع في الصناعة الخضراء على حساب احتياجات السكان أو الأمن الغذائي.

وأضافت أن صناعة الهيدروجين منخفض الكربون يمكن أن تدعم القطاع الزراعي من خلال إنتاج الأمونيا الخضراء والأسمدة النيتروجينية، وهو ما يفتح الباب أمام تحقيق تكامل بين الطاقة والزراعة والصناعة.

مشروعات أكثر واقعية

من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لمنصة هيدروجين إنتلجينس، المهندس أسامة فوزي جورجي، أن التركيز على المشروعات العملاقة ليس بالضرورة النموذج الأنسب للقارة الأفريقية.

وقال إن أفريقيا تحتاج إلى اختيار نماذج مشروعات أكثر ملاءمة لاحتياجاتها وظروفها الاقتصادية، من خلال التوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر الصغيرة ومتوسطة الحجم، التي يمكن أن تكون أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

وأوضح أن المشروعات الضخمة تحتاج إلى استثمارات كبيرة، في حين أن المشروعات متوسطة وصغيرة الحجم يمكن أن تساعد في تلبية احتياجات الأسواق المحلية، إلى جانب تقليل حجم المخاطر الاستثمارية.

وأكد أهمية تعزيز دور المستثمرين المحليين والأفارقة في تطوير هذه المشروعات، بدلًا من الاعتماد الكامل على المستثمر الأجنبي الذي قد يستفيد من الحوافز والموارد الطبيعية دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المحلي.

وأضاف أن هناك وعيًا متزايدًا داخل الدول الأفريقية بشأن أهمية الحفاظ على موارد القارة من المياه وطاقتي الشمس والرياح، وتوظيفها بطريقة تخدم التنمية الاقتصادية المحلية.

ويرى جورجي أن المشروعات الخضراء صغيرة ومتوسطة الحجم يمكن أن تمثّل نموذجًا أكثر واقعية للقارة الأفريقية؛ لأنها تتيح مشاركة أكبر للمستثمرين المحليين، وتساعد في بناء اقتصاد جديد قائم على الاستعمال المستدام للموارد الطبيعية، بدلًا من تصديرها دون تحقيق قيمة مضافة داخل القارة.

جانب من فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "The Solar Show MENA"
جانب من فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "The Solar Show MENA"

في ختام الجلسة، اتفق المشاركون على أن مستقبل الهيدروجين منخفض الكربون في أفريقيا يجب ألّا يُبنى فقط على تصدير الموارد والطاقة النظيفة، وإنما على تطوير منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة.

وتشمل هذه المنظومة تطوير التشريعات، وتوفير التمويل، وبناء البنية التحتية، ونقل التقنية، ودعم التصنيع المحلي، مع الحفاظ على أمن الطاقة والمياه والغذاء.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق