المقالاترئيسيةغازمقالات الغازمقالات النفطنفط

فاتورة المحروقات في مصر.. رقم صادم و3 تحديات هيكلية (مقال)

محمد فؤاد*

لطالما انصبّ اهتمامي على قضايا الاقتصاد الكلي؛ المالية العامة، والاستثمار، وسعر الصرف، والإصلاح المؤسسي، لكن خلال العامين الماضيين وجدت نفسي أخصص مساحة متزايدة لدراسة قطاع الطاقة، ليس لأنني انتقلت من الاقتصاد الكلي إلى اقتصاد الطاقة، وإنما لأنني اكتشفت أن معظم أسئلة الاقتصاد المصري تنتهي عند هذا القطاع.

وخلال هذه المدة، قدّمنا في حزب العدل عددًا من الدراسات والأسئلة البرلمانية والمداخلات التي تناولت ملفات الغاز والكهرباء وأمن الطاقة، انطلاقًا من قناعة بسيطة: أن الطاقة لم تعد ملفًا قطاعيًا يخص وزارة بعينها، بل أصبحت أحد أهم المتغيرات التي تفسر أداء الاقتصاد المصري عمومًا.

فكلما راجعت بيانات ميزان المدفوعات وجدت الطاقة حاضرة، وكلما حاولت تفسير الضغوط على النقد الأجنبي ظهرت فاتورة المحروقات في مصر، وحتى عند تحليل القدرة التنافسية للصناعة أو استدامة النمو، كان للطاقة دور يصعب تجاوزه.

التحديات الهيكلية

لهذا أصبحت مقتنعًا بأن الاقتصاد المصري اليوم يواجه 3 تحديات هيكلية كبرى، لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل يتفاعل كل منها مع الآخر باستمرار.

الرسم التالي يرصد التحديات الهيكلية للاقتصاد المصري:

التحديات الهيكلية للاقتصاد المصري

  • التحدي الأول هو تعبئة الموارد العامة بما يسمح للدولة بتمويل احتياجاتها التنموية بصورة مستدامة.
  • التحدي الثاني هو بصمة الدولة في الاقتصاد وما يرتبط بها من قضايا المنافسة وتخصيص الموارد وجذب الاستثمار الخاص.
  • التحدي الثالث -وهو موضوع هذا المقال- هو الانكشاف الطاقي؛ أي مدى اعتماد الاقتصاد على الطاقة بصفتها أحد أهم مصادر الضغط على النمو، وميزان المدفوعات، وسعر الصرف، والتنافسية.

تكلفة فاتورة المحروقات في مصر

من بين عشرات المؤشرات التي راجعتُها خلال العامين الماضيين، كان هناك رقم واحد جعلني أتوقف طويلًا: 42.4 مليار دولار، ليس لأنه رقم كبير فحسب، بل لأنه يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الاقتصاد المصري.

قد يتعامل بعضهم مع فاتورة المحروقات في مصر بوصفها مجرد بند ضمن الواردات السلعية، لكنها في الحقيقة أصبحت أحد أهم المتغيرات الكلّية المؤثرة في الاقتصاد الوطني.

فالطاقة ليست سلعة استهلاكية، وإنما مدخل إنتاج يدخل في كل مصنع، وكل وسيلة نقل، وكل مزرعة، وكل خدمة تقريبًا، ولذلك فإن أثرها يمتد إلى التضخم، وسعر الصرف، والحساب الجاري، والقدرة التنافسية، ومعدلات النمو.

وتشير التقديرات إلى أن فاتورة المحروقات في مصر تبلغ نحو 42.4 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل قرابة 8% من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو ربع إجمالي الواردات السلعية.

هذا الرقم يزيد بأكثر من 15 مليار دولار مقارنة بما كانت عليه الفاتورة قبل تحول مصر مرة أخرى إلى مستورد صافٍ للغاز الطبيعي. لكن حجم الرقم لا يظهر إلا عند مقارنته بأهم مصادر النقد الأجنبي.

الرسم التالي يستعرض فاتورة المحروقات في مصر مقارنة بمصادر النقد الأجنبي:

فاتورة المحروقات في مصر مقارنة بمصادر النقد الأجنبي

أصبحت فاتورة المحروقات في مصر تتجاوز إيرادات قناة السويس بأكثر من 7 أضعاف، وتزيد على إيرادات السياحة بما يقارب مرتين ونصف، وتقترب من تحويلات المصريين العاملين بالخارج، كما تعادل نحو ثلاثة أرباع الاحتياطي الرسمي من النقد الأجنبي.

وهذه المقارنات لا تهدف إلى إثارة القلق، وإنما إلى توضيح أن ملف الطاقة لم يعد ملفًا قطاعيًا، بل أصبح أحد أهم محددات الاستقرار الاقتصادي.

فالاقتصاد الذي يحتاج إلى أكثر من 40 مليار دولار سنويًا لتأمين احتياجاته من المحروقات يصبح أكثر حساسية لتقلبات الأسعار العالمية، وأسعار الصرف، واضطرابات الإمدادات، وتكاليف النقل.

سؤال العائد الاقتصادي

مع ذلك، فإن حجم فاتورة الاستيراد ليس السؤال الأكثر أهمية، فالسؤال الأهم هو: ما العائد الاقتصادي الذي يحققه الاقتصاد المصري مقابل كل دولار ينفقه على استيراد الطاقة؟

فالطاقة ليست هدفًا في حدّ ذاتها، بل وسيلة للإنتاج. وما يحدد نجاح أيّ اقتصاد ليس حجم ما يستورده من الطاقة، وإنما مدى قدرته على تحويل هذه الطاقة إلى قيمة مضافة، وصادرات، وإنتاج أعلى.

ومن هنا جاءت فكرة بناء مؤشر بسيط أطلقت عليه اسم Fuel Multiplier، ويقيس عدد الدولارات من الناتج المحلي الإجمالي التي يولدها كل دولار يجري إنفاقه على استيراد المحروقات.

وتكشف النتائج عن دلالة مهمة، فبينما يولد الاقتصاد الإندونيسي نحو 36 دولارًا من الناتج المحلي مقابل كل دولار ينفقه على استيراد المحروقات، تحقق تركيا 20.2 دولارًا، وفيتنام 16 دولارًا، والمغرب 13.4 دولارًا، بينما تحقق مصر نحو 10.1 دولار فقط.

ولا يعني ذلك أن الاقتصاد المصري أقل كفاءة بصورة مطلقة، لكنه يعني أن العائد الاقتصادي من الطاقة المستوردة ما زال أقل من اقتصادات نجحت في تحويل الطاقة إلى إنتاج وصادرات وقيمة مضافة بكفاءة أعلى.

ولو ارتفع هذا المؤشر في مصر من 10.1 إلى مستوى المغرب البالغ 13.4، فإن الاقتصاد سيولد ما يقرب من 33% قيمة اقتصادية إضافية مقابل كل دولار يُنفق على استيراد المحروقات، دون أن يستهلك برميلًا إضافيًا من النفط أو مترًا مكعبًا إضافيًا من الغاز. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. لماذا ما يزال هذا المؤشر منخفضًا؟

العلاقات السببية المحتملة

الإجابة -في تقديري- لا تكمن في سبب واحد، بل في مجموعة من العوامل الهيكلية المتداخلة.

الرسم التالي يستعرض أسباب انخفاض مضاعف الطاقة المستوردة للناتج المحلي:

أسباب انخفاض مضاعف الطاقة المستوردة للناتج المحلي

العامل الأول هو تراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي. فقد انخفض الإنتاج من نحو 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا في سنوات الذروة إلى ما يقارب 3.6 مليارات قدم مكعب يوميًا خلال عام 2026، أي انخفاض يقارب 50%، وهو ما فرض زيادة كبيرة في الاعتماد على الواردات وأعاد الضغط على ميزان المدفوعات.. لكن هذا العامل وحده لا يفسر الفجوة.

فالعامل الثاني يرتبط بهيكل الاقتصاد نفسه. فالاقتصادات التي تحقق قيمة مضافة مرتفعة تستطيع تحويل الطاقة إلى صادرات ومنتجات صناعية وخدمات عالية الإنتاجية، في حين يقلّ العائد عندما يتركز النشاط الاقتصادي في قطاعات أقل قدرة على توليد القيمة المضافة.

وتشير البيانات إلى أن قطاع الخدمات يستحوذ على نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين لا تتجاوز مساهمة الصناعة التحويلية نحو 14%، وهو ما يحدّ من العائد الاقتصادي المتحقق من كل وحدة طاقة يجري استهلاكها.

أمّا العامل الثالث فهو كفاءة استعمال الطاقة، فالقضية لا تتعلق فقط بكفاءة محطات الكهرباء، بل تشمل أيضًا محدودية مساهمة الطاقة المتجددة مقارنة بإمكاناتها، واستمرار الفاقد الفني والتجاري في شبكات النقل والتوزيع، ووجود فرص كبيرة لتحسين كفاءة الاستهلاك في الصناعة والمباني والنقل، وكل تحسُّن في هذه الجوانب يعني تقليل كمية الوقود اللازمة لإنتاج المستوى نفسه من الناتج.

أمّا العامل الرابع فهو تشوهات منظومة التسعير والحوافز الاقتصادية، فالأسعار لا تؤدي وظيفة مالية فقط، بل ترسل إشارات للمستهلكين والمستثمرين حول كيفية استعمال الموارد، وكلما ابتعدت هذه الإشارات عن التكلفة الاقتصادية الحقيقية، تراجعت الحوافز للاستثمار في رفع الكفاءة وترشيد الاستهلاك وتبنّي التكنولوجيا الأكثر إنتاجًا.

السؤال الأهم: ماذا بعد؟

في تقديري، لا يكفي أن نزيد إنتاج الغاز، أو نتفاوض على عقود استيراد أفضل، أو نضيف قدرات جديدة للكهرباء، فكل هذه إجراءات مهمة، لكنها تظل حلولًا داخل القطاع، في حين أصبحت المشكلة تتجاوز القطاع نفسه.

أولًا، آن الأوان لأن تصبح إستراتيجية الطاقة جزءًا أصيلًا من البرنامج الاقتصادي للدولة، لا وثيقة قطاعية مستقلة، فالسياسة الصناعية، والتصدير، والاستثمار، والتخطيط العمراني، والنقل، والزراعة، وحتى السياسة النقدية، جميعها تتأثر بالطاقة وتؤثّر فيها.

ولا يمكن أن تستمر الدولة في إعداد برنامج اقتصادي بمعزل عن افتراضات واضحة تتعلق بالإنتاج المحلي، وأسعار الطاقة، ومزيج الوقود، وكفاءة الاستعمال، وأمن الإمدادات.

ثانيًا، أصبح من الضروري إعادة النظر في الهيكل المؤسسي لإدارة الملف، فواقع اليوم يختلف كثيرًا عن واقع قبل 20 عامًا، لدينا نفط، وغاز، وكهرباء، وطاقة متجددة، وهيدروجين أخضر، وكفاءة طاقة، وأمن إمدادات، وربط كهربائي وإقليمي، وكلها ملفات تتقاطع مع الصناعة، والاستثمار، والمالية والبيئة، واستمرار توزيع هذه الملفات بين جهات متعددة يجعل التخطيط طويل الأجل أكثر صعوبة، ويضعف وحدة القرار.

ولهذا أرى أن إنشاء وزارة موحدة للطاقة لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل أصبح استحقاقًا اقتصاديًا، وزارة تتولى صياغة إستراتيجية وطنية واحدة للطاقة، وتنسّق بين جميع مصادرها واستعمالاتها، وتربط قرارات الإنتاج والاستيراد والتسعير والاستثمار بهدف اقتصادي واضح، وهو تعظيم القيمة المضافة التي يحققها كل دولار يُنفَق على الطاقة.

فالنجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بانخفاض فاتورة المحروقات في مصر، ولا بعدد الاكتشافات الجديدة، بل بقدرة الاقتصاد المصري على تحويل الطاقة من مصدر دائم للضغط على ميزان المدفوعات إلى ركيزة للنمو والإنتاج والتنافسية.

وعندما تصبح الطاقة جزءًا من صميم البرنامج الاقتصادي، وتدار برؤية مؤسسية موحدة، يمكن عندها أن تتحول من أحد أكبر تحديات الاقتصاد المصري إلى أحد أهم محركاته.

*الدكتور محمد فؤاد، خبير اقتصادي ونائب حالي بالبرلمان المصري.

*هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

من مقالات الكاتب..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق