أزمة الطاقة في مصر.. خريطة طريق لتعزيز أمن الإمدادات حتى 2040
داليا الهمشري
تواجه أزمة الطاقة في مصر تحديات متزايدة في ظل تراجع إنتاج الغاز الطبيعي محليًا، وارتفاع تكلفة استيراد الغاز المسال، بالتزامن مع استمرار نمو الطلب على الكهرباء، لا سيما خلال أشهر الصيف، وهو ما يفرض البحث عن حلول تضمن استقرار الإمدادات وتعزز أمن الطاقة.
وفي الوقت الذي نجحت فيه الدولة في تنفيذ توسعات كبيرة بمجالي إنتاج الكهرباء وتطوير الشبكات، برزت الحاجة إلى تبنّي سياسات طويلة الأجل تضمن استقرار الإمدادات وتعزز كفاءة إدارة الموارد، وتحدّ من تأثير تقلبات أسواق الوقود العالمية.
وفي هذا السياق، عقد حزب العدل مائدة مستديرة موسّعة بعنوان "استقرار منظومة الطاقة في صيف 2026" بمشاركة نخبة من خبراء الطاقة والكهرباء والنفط والتمويل والاستثمار، من بينهم مسؤولون سابقون في أجهزة تنظيم مرفق الكهرباء وسوق الغاز، وخبراء من مؤسسات تمويل دولية.
تناول النقاش المفتوح -الذي تابعته منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- 5 محاور: ضمان استقرار الإمدادات، والتحديات الفنية والاقتصادية، والفرص الاستثمارية، والحلول والأفكار المستقبلية، ثم التوصيات لتعزيز أمن الطاقة حتى عام 2040.
أزمة الوقود
أكد الخبراء -خلال الجلسة- أن أزمة الطاقة في مصر ليست نتيجة لنقص قدرات توليد، بل أزمة تخطيط وتمويل، مشيرين إلى أن الدولة نجحت خلال العقد الماضي في بناء قدرات توليد وشبكات ضخمة، لكن المنظومة ظلّت تُدار بمنطق "إطفاء الحرائق" موسمًا بموسم، في غياب تخطيط متكامل يربط الإنتاج بالاستهلاك بالتسعير بالتمويل.
وأجمع المشاركون على أن حل أزمة الطاقة في مصر يتطلب حزمة مترابطة تتمثل في: نشر إستراتيجية الطاقة المتكاملة وإتاحتها للمساءلة، وبناء منظومة تخزين إستراتيجي للغاز والمنتجات النفطية والكهرباء، والتعامل مع كفاءة الطاقة وإدارة الطلب كونه أولوية موازية لبناء القدرات الجديدة.
وطالب المشاركون بتوطين صناعة مكونات الطاقة المتجددة، مع التوسع في الطاقة النووية ضمن مزيج متنوع يقلل الاعتماد على مصدر واحد.
وأجمع المشاركون على أن مصر نجحت خلال العقد الماضي في إنهاء أزمة نقص قدرات إنتاج الكهرباء، بعد تنفيذ محطات عملاقة وتطوير الشبكة القومية، إلّا أن الأزمة انتقلت إلى مرحلة جديدة تتمثل في تأمين الوقود اللازم لتشغيل هذه القدرات.

وأوضح الخبراء أن امتلاك محطات حديثة وشبكات متطورة لا يضمن حل أزمة الطاقة في مصر في ظل تراجع إنتاج الغاز الطبيعي وارتفاع تكلفة استيراد الغاز المسال.
وأكدوا أن إدارة المنظومة ما تزال تعتمد على التعامل مع الأزمات بصورة موسمية، بدلًا من التخطيط المتكامل الذي يربط بين قطاعات الكهرباء والنفط والغاز والتمويل.
وأشار المشاركون إلى أن الخروج من أزمة الطاقة في مصر يتطلب تطوير سياسات طويلة الأجل تضمن توازنًا بين الإنتاج والاستهلاك، وتوفير الوقود، وآليات التسعير، بما يمنع انتقال الأزمة من حلقة إلى أخرى.
تحديات تشغيل شبكة الكهرباء
تناول الخبراء الجوانب الفنية لمنظومة الكهرباء، موضحين أن الاعتماد المتزايد على محطات الدورة المركبة أسهم في رفع كفاءة استهلاك الوقود وخفض تكاليف التشغيل، لكنه في المقابل قلّل من مرونة الشبكة في الاستجابة السريعة للتغيرات المفاجئة في الأحمال مقارنة بمحطات الغاز المفتوحة.
وشددوا على أن حل أزمة الطاقة في مصر يتطلب الاحتفاظ بقدرات توليد سريعة الاستجابة، إلى جانب الإسراع في تنفيذ مشروعات تخزين الكهرباء، ولا سيما مع التوسع المرتقب في مشروعات طاقتي الشمس والرياح.
وشهد محور التحديات الاقتصادية نقاشًا موسعًا حول ملف تسعير الكهرباء، إذ رأى المشاركون أن الزيادات المتتالية في التعرفة لم تؤدِّ بعد إلى الوصول إلى التكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء، خاصةً بعد تغير سعر الصرف وارتفاع تكاليف الوقود والتمويل.
وأوضح الخبراء أن سعر بيع الكهرباء، عند احتسابه بالدولار، ما يزال أقل من مستواه في عام 2021، رغم الزيادات الأخيرة، وهو ما يعني استمرار وجود فجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، الأمر الذي يفرض ضرورة تبني سياسة تسعير أكثر شفافية، مع الحفاظ على برامج حماية الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي المقابل، شدّد عدد من المشاركين على أن أيّ إصلاحات في أسعار الكهرباء في مصر ينبغي أن تراعي الأبعاد الاجتماعية، مع تحسين دقة الفواتير، والحدّ من الفاقد التجاري، ومعالجة مشكلات العدادات، حتى لا يتحمل المواطن وحده تكلفة إصلاح المنظومة.
كما تطرَّق النقاش إلى أن من بين أسباب أزمة الطاقة في مصر التشابكات المالية بين وزارات الكهرباء والبترول والمالية، والتي أسهمت في تراكم مديونيات بمليارات الجنيهات، نتيجة توقُّف آليات المقاصة الدورية التي كانت تُجرى بانتظام.
وأشار المشاركون أيضًا إلى أن قانون الكهرباء الصادر عام 2015، وكذلك قواعد تحرير سوق الغاز التي أُقِرَّت في عام 2017، لم تُفعَّل بصورة كاملة حتى الآن، وهو ما حدَّ من قدرة أجهزة تنظيم الكهرباء وسوق الغاز على أداء دورها بصورة مستقلة.
الاستثمار في قطاع الطاقة
أكد ممثّلو جهات التمويل والاستثمار أن مصر ما تزال تمتلك مقومات قوية لجذب الاستثمارات في قطاع الطاقة، بفضل حجم السوق والبنية الأساسية التي نُفِّذَت خلال الأعوام الماضية.
وأوضحوا أن أزمة الطاقة في مصر لا تكمن في ضعف اهتمام المستثمرين، وإنما في غياب قائمة واضحة للمشروعات الجاهزة للاستثمار، تتضمن طبيعة الفرصة، والإطار التعاقدي، والضمانات المتاحة، وهو ما يسهّل تحويل اهتمام الشركات العالمية إلى استثمارات فعلية.
وناقش المشاركون ملف تمويل واردات الغاز المسال، مؤكدين أن الحكومة ستظل بحاجة إلى الاستيراد خلال الأعوام المقبلة لحلّ أزمة الطاقة في مصر، إلّا أن تكلفة التمويل يمكن خفضها عبر أدوات تمويل وضمانات أكثر كفاءة، بما يقلل الأعباء المالية على الدولة.
وفي السياق ذاته، شدد الخبراء على أن وضوح السياسات الخاصة بالتسعير وسوق الكهرباء يمثّل أحد أهم العوامل التي يبحث عنها المستثمر، إلى جانب الإسراع في تطبيق آليات البيع المباشر للكهرباء عبر الشبكة، بما يدعم مشروعات الطاقة المتجددة، ويعزز قدرة مصر على إصدار شهادات المنشأ للطاقة الخضراء، استعدادًا لتطبيق آلية تعديل الكربون الحدودية الأوروبية (CBAM).
التخزين الإستراتيجي للغاز
حظي ملف التخزين الإستراتيجي للغاز بإجماع واسع بين المشاركين، الذين أكدوا كونه أحد أهم أدوات تعزيز أمن الطاقة في مصر خلال الأعوام المقبلة.
وأوضح الخبراء أن مصر لا تمتلك -حاليًا- منشآت تخزين إستراتيجية للغاز الطبيعي، إذ تعتمد أساسًا على كميات التشغيل داخل الشبكة، إضافة إلى سفن إعادة التغويز، وهي حلول تشغيلية لا توفر احتياطيات طويلة الأجل.
وأوصوا بالتوسع في إنشاء مستودعات للتخزين الجوفي داخل الحقول المستنفدة، وهي التقنية المستعملة في العديد من الدول، مؤكدين أن مصر تمتلك المقومات الجيولوجية والبنية الأساسية اللازمة لتنفيذ هذه المشروعات.
وأشاروا إلى أن التخزين لا يسهم فقط في تأمين الإمدادات خلال أوقات الذروة، بل يسمح -أيضًا- بشراء الغاز في مواسم انخفاض الأسعار العالمية، إذ قد تتراجع الأسعار خلال فصل الربيع إلى نحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، قبل أن ترتفع إلى نحو 14 دولارًا خلال الشتاء، وهو ما يحقق وفرًا ماليًا كبيرًا.
وقدّر المشاركون احتياجات مصر من التخزين بنحو 10 مليارات متر مكعب، منها 8 مليارات متر مكعب للاستعمال التجاري، ومليارا متر مكعب مخزونًا إستراتيجيًا.
وامتدّت التوصيات -إلى المنتجات النفطية، مع الدعوة إلى إنشاء مخزون يكفي لمدة 120 يومًا، بالإضافة إلى الإسراع في تنفيذ مشروعات تخزين الكهرباء بالضخ المائي، التي تتميز بعمر تشغيلي قد يصل إلى 60 عامًا، مقارنًة بعمر البطاريات.
كفاءة الطاقة وإدارة الطلب
أكد المشاركون أن كفاءة الطاقة تمثّل "الوقود الأرخص" بالنسبة لأيّ دولة، نظرًا لأنها تسهم في حل أزمة الطاقة في مصر دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في إنشاء محطات جديدة.
وأوضحوا أن قطاع المباني يستهلك نحو 40% من إجمالي الكهرباء المُنتجة في مصر، في حين يمكن لبرامج رفع الكفاءة أن تخفض هذا الاستهلاك بنسبة تصل إلى 50%.
وأشار الخبراء إلى أن مصر تضم نحو 45 مليون مبنى، في حين لا يتجاوز عدد العدادات المقننة 10 ملايين عداد، وهو ما يعكس وجود فاقد كبير يستوجب معالجته ضمن برنامج وطني متكامل.

وأوصوا بالتوسع في تطبيق تعرفة الكهرباء وفق أوقات الاستهلاك، بما يشجع المستهلكين على نقل جزء من استهلاكهم خارج ساعات الذروة، إلى جانب التوسع في العدادات الذكية، وأنظمة التبريد المركزي في المدن الجديدة والمشروعات الساحلية.
وفي الوقت نفسه، لفت المشاركون إلى أن كفاءة محطات التوليد شهدت تطورًا ملحوظًا، مع انخفاض معدل استهلاك الوقود من نحو 214 غرامًا إلى 170 غرامًا لكل كيلوواط/ساعة، مؤكدين أهمية استكمال برنامج إحلال المحطات القديمة منخفضة الكفاءة.
إسهام الطاقة النووية
ناقش الخبراء دور الطاقة النووية في تعزيز أمن الإمدادات، مؤكدين أن محطة الضبعة تمثل أحد أهم المشروعات التي يمكنها أن تسهم بحلّ أزمة الطاقة في مصر.
وأوضحوا أن المحطة تضم 4 وحدات بقدرة إجمالية تبلغ نحو 4.8 غيغاواط، ومن المتوقع أن تنتج نحو 35 مليار كيلوواط/ساعة سنويًا، بما يمثّل قرابة 12% من إنتاج الكهرباء المتوقع بحلول عام 2030.
وأشار المشاركون إلى أن المشروع سيوفر نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، إلى جانب خفض ملايين الأطنان من الانبعاثات الكربونية.
ومن المنتظر تشغيل أول وحدة عام 2028، على أن تدخل الوحدات الـ4 الخدمة بالكامل بحلول عام 2030، مع عمر تشغيلي يتراوح بين 60 و80 عامًا، وقد يمتد إلى 100 عام.
ودعا الخبراء إلى إدراج مشروعات نووية جديدة ضمن إستراتيجية الطاقة حتى عام 2040، بما يشمل دراسة المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs)، التي يُتوقع دخولها مرحلة التشغيل التجاري خلال الأعوام المقبلة.
مستقبل إمدادات الغاز
استعرض المشاركون خريطة إمدادات الغاز خلال الأعوام المقبلة، موضحين أنها ستعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي، وواردات الغاز عبر خطوط الأنابيب، إضافة إلى الغاز القبرصي المتوقع بدء تدفُّقه في عام 2028 بنحو نصف مليار قدم مكعبة يوميًا.
وأكد الخبراء أن الحكومة ستظل بحاجة إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال لحلّ أزمة الطاقة في مصر، مع ضرورة إعادة هيكلة التعاقدات، بحيث تعتمد نحو 80% من الاحتياجات على عقود طويلة الأجل، و20% فقط على السوق الفورية، للحدّ من تقلبات الأسعار العالمية.
وشدد المشاركون على أهمية توطين صناعة مكونات الطاقة داخل مصر، موضحين أن العديد من المصانع المحلية تمتلك القدرة على تصنيع أجزاء كبيرة من معدات الكهرباء والطاقة المتجددة، لكنها تحتاج إلى رؤية حكومية واضحة تضمن استقرار الطلب والمواصفات الفنية.
وأكدوا أن حل أزمة الطاقة في مصر يتطلب تطوير المناهج الهندسية واستحداث تخصصات مرتبطة بالتحولات الحديثة في هذا القطاع، مع توفير منظومة وطنية لدعم الابتكار والاستفادة من الكفاءات الشابة.
موضوعات متعلقة..
- واردات مصر من الغاز المسال ترتفع 160% في 6 أشهر
- خبراء: الطاقة النووية رهان مصر والدول العربية لحل أزمة الكهرباء
- توريد النفط ليس الأول.. ماذا قدمت ليبيا إلى مصر في أزمة الكهرباء؟
اقرأ أيضًا..
- أكبر الدول المستوردة للنفط الجزائري في النصف الأول من 2026
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





