رئيسيةأهم المقالاتالمقالاتطاقة نوويةمقالات الطاقة النووية

الخليج والطاقة النووية.. خريطة عالمية جديدة (مقال)

د. خالد الجابر

يُمثّل توقيع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقية التعاون النووي السلمي في الخليج واحدًا من أبرز التحولات الإستراتيجية التي شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة.

والمسألة هنا لا تنحصر في بناء مفاعلات أو نقل تقنيات متقدمة، بل تتعدى ذلك إلى بلورة صياغة قواعد اللعبة النووية في المنطقة بأكملها.

يأتي توقيع اتفاقية التعاون النووي السلمي بين الرياض وواشنطن في سياق تعزيز التعاون بين الجانبين بقطاع الطاقة وتنويع مصادرها وتأكيد الالتزام بأعلى معايير السلامة النووية.

إلّا أن هذه الاتفاقية تُشكّل -بلا شكّ- إعادة لتعريف العلاقة الدقيقة بين متطلبات منع الانتشار النووي في المنطقة وحسابات التحالفات السياسية، كما يضعها في سياق التنافس الأميركي–الصيني المتصاعد على النفوذ السياسي والاقتصادي في الخليج.

الطاقة النووية في الخليج

على الرغم من أن النصّ القانوني الكامل للاتفاقية التي ستعزز الطاقة النووية في الخليج لم يُنشَر بعد، وما زال الكونغرس الأميركي يراجع بنودها، تُشير المؤشرات المتاحة إلى تحوّل لافت في التوجه الأميركي.

وتبدي واشنطن استعدادًا لتبنّي صيغة أكثر مرونة من “المعيار الذهبي” الذي يحظر تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي ​المستنفد، وهما التقنيتان اللتان قد تُمكنّان أيّ دولة من السعي نحو تطوير أسلحة نووية.

الطاقة النووية في السعودية

في المقابل، وقّعت الإمارات العربية المتحدة هذا المعيار في عام 2009 وفق “اتفاقية 123“، بما يُشير إلى أنّ الاتفاق الحالي مع المملكة قد يفتح المجال أمام الرياض لتطوير برنامج نووي متقدم دون اضطرارها للتنازل المسبق عن خيار تخصيب اليورانيوم.

هذا التحوّل يتجاوز حدود التعاون المشترك بين البلدين وتبادل الخبرات التقنية، فهو يمهّد لصياغة توازن القوى النووية في الشرق الأوسط برمته، ويُؤثّر مباشرة في الاعتبارات الأمنية التي تنطلق منها إيران وإسرائيل في البحث عن النفوذ، وقد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى المطالبة بترتيبات مماثلة.

تداعيات الاتفاق على دول الخليج

قد لا تكون النتيجة الأهم لهذا الاتفاق محصورة في تطوير العلاقة الإستراتيجية الأميركية-السعودية، وفي موازين القوى بمنطقة الشرق الأوسط، بل فيما يمكن أن يطلقه من ديناميكيات جديدة داخل مجلس التعاون الخليجي.

فمن المتوقع أن تتعامل الدول الخليجية الأخرى مع الاتفاق بوصفه سابقة سياسية وقانونية قابلة للبناء عليها في علاقاتها مع الدول الكبرى، ولا سيّما الولايات المتحدة، لا استثناءً يشمل الرياض وحدها.

وإذا حصلت السعودية على اتفاق تعاون نووي مع الولايات المتحدة يتّسم بقدر أكبر من المرونة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام سباق إقليمي للمطالبة بترتيبات نووية مماثلة، مدفوعًا باعتبارات سياسية وأمنية.

من هذا المنطلق، قد تجد الإمارات نفسها أمام مفارقة إستراتيجية حقيقية، فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي وافقت على “المعيار الذهبي” الأميركي، متنازلةً عن حقّها في التخصيب وإعادة المعالجة.

فإذا حصلت السعودية على شروط أكثر مرونة فيما يتعلق بهذا المعيار، فقد يُعيد ذلك فتح النقاش حول جدوى النموذج الإماراتي في تطوير سياسة الطاقة النووية، وما إذا كان هذا الاستثناء دائمًا أم مجرّد خطوة في المسار الأميركي الحالي نحو تفعيل تنشيط صناعة الطاقة النووية الأميركية.

أمّا الكويت، التي جمّدت برنامجها النووي عقب كارثة فوكوشيما في 2011، فقد تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في موقفها، خصوصًا مع تصاعد الطلب على الكهرباء وتحلية المياه وتزايد الحاجة لتنويع مصادر الطاقة، في ظلّ التداعيات التي تواجهها جرّاء استهداف محطات الطاقة لديها خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، فهذه العوامل قد تجعل الخيار النووي أكثر جاذبية اليوم من أيّ وقت مضى.

إحدى محطات براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة
إحدى محطات براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة – الصورة من أسوشيتد برس

الدبلوماسية القطرية والنهج العماني

من جهتها، لطالما دعت قطر إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وإلى وضع إطار إقليمي للسلامة النووية، وضرورة الالتزام بتدابير الضمانات الشاملة في مجال تطوير برامج الطاقة النووية السلمية.

وفي الإطار نفسه، تبذل الدبلوماسية القطرية مساعيها في المشاركة بالنقاشات الدولية ذات الصلة باستعمال الطاقة النووية في مجال معالجة أزمة التغير المناخي.

وتمتلك قطر المقومات الاقتصادية التي تؤهلها للدخول في البرامج النووية المدنية واسعة النطاق بوصفها جزءًا من الحوار العالمي بشأن عمليات التحوّل إلى الطاقة المستدامة، والإسهام في تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية، وتوسيع القدرات الوطنية في تطبيقات التكنولوجية النووية السلمية في مجالات الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية وغيرها من المجالات.

فضلًا عن ذلك، ترتبط قطر بعلاقات إستراتيجية عميقة مع واشنطن، من خلال استضافتها لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، ما يمنحها موقعًا تفاوضيًا قويًا إذا قررت السير في هذا الاتجاه لتحقيق أهدافها في مجال تنويع مصادر الطاقة بعد عصر الهيدروكربونات.

أمّا سلطنة عمان، التي وإن كانت تنتهج سياسة خارجية أكثر حذرًا وتوازنًا، فلديها دوافع مختلفة قد تقودها لاستكشاف اتفاقيات نووية مماثلة، خاصةً في مجالات المفاعلات الصغيرة المعيارية، وتحلية المياه، وإنتاج الهيدروجين الأخضر.

ويُشكّل موقعها الجغرافي على بحر العرب، إلى جانب إستراتيجيتها وخططها في مجال التوسع بمشروعات الطاقة المتجددة، فرصة للتحوّل إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة.

ويجعل ذلك من التقنية النووية المدنية خيارًا طويل الأمد يستحق الدراسة الجادة، على الرغم من التصريحات العمانية التي تؤكد ثبات موقف مسقط الذي تستبعد فيه خيار الطاقة النووية، ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات رئيسة تشمل وفرة البدائل، وارتفاع الكلفة، وصعوبة إدارة المخاطر.

الطاقة المتجددة في سلطنة عمان

نحو سوق نووية خليجية

من غير المرجّح أن يتحوّل الاتفاق النووي الأميركي-السعودية إلى أرضية تنافسية لسباق تسلُّح نووي خليجي، فدول المنطقة ما زالت ملتزمة بمعاهدة عدم الانتشار النووي، كما أن أولوياتها التنموية والاقتصادية تتناقض جذريًا مع أيّ سباق للتسلح العسكري.

لكن المتوقع فعليًا هو سباق مختلف: سباق على امتلاك التقنية النووية المدنية، وبناء الكوادر البشرية المتخصصة في هذا المجال، وتطوير الصناعات المرتبطة بها، وتعميق المعرفة في دورة الوقود النووي.

بهذا المعنى، ينتقل التنافس الخليجي من سباق تقليدي على إنتاج النفط والغاز إلى سباق أكثر تعقيدًا على التقنيات المتقدمة التي ستحدد موقع كل دولة في اقتصاد ما بعد النفط.

وإذا اتّسعت دائرة هذه الاتفاقيات في السنوات المقبلة، فقد يتحول الخليج إلى واحد من أكبر أسواق الطاقة النووية المدنية عالميًا خلال العقدين القادمين.

ولن يبقى التنافس محصورًا في الشركات الأميركية، بل سيمتد إلى فرنسا وكوريا الجنوبية، وربما اليابان، في وقت ستحاول فيه الصين وروسيا الحفاظ على موطئ قدم في الجوانب الأقل حساسية من الصناعة النووية.

عند تلك اللحظة، سيتغير السؤال المطروح جذريًا، إذ سيتحوّل من “هل تمتلك هذه الدولة الخليجية برنامجًا نوويًا؟”، إلى “أيّ نموذج نووي ستتبنّاه، ومن سيكون شريكها الإستراتيجي في بنائه؟”.

هذا يعني أن الاتفاق الأميركي- السعودي ربما لا يمثّل نهاية المفاوضات النووية في الخليج، بل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها التعاون النووي عمودًا رئيسيًا من أعمدة الشراكات الإستراتيجية بين دول المنطقة والقوى الكبرى.

وبذلك، قد يتحول الاتفاق من إنجاز ثنائي بين واشنطن ودولة خليجية إلى نقطة انطلاق لإعادة رسم الخريطة النووية الخليجية بأكملها، بحيث تتحرك هذه المنطقة تدريجيًا من الاعتماد شبه الكلي على النفط والغاز نحو منظومة طاقة أكثر تنوعًا، ومن التنافس على الموارد الطبيعية إلى التنافس على التكنولوجيا والمعرفة.

وفي نهاية المطاف، لن يكون الأثر الأكبر لهذا الاتفاق هو عدد المفاعلات التي ستُبنى، بل لبلورة تعريف مستقبل الطاقة والأمن والتوازنات الإستراتيجية في الخليج لعقود مقبلة.

* حصلت منصة الطاقة على إذن الكاتب لإعادة نشر هذا المقال.

* الدكتور خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية

شغل الدكتور خالد الجابر خلال مسيرته المهنية عددًا من المناصب القيادية، منها رئاسة مركز الشرق للدراسات والبحوث، ورئيس تحرير صحيفة “ذا بنينسولا” (The Peninsula) الناطقة بالإنجليزية في قطر.

ولديه -أيضًا- مسيرة أكاديمية حافلة بالإنجازات، إذ عمل أستاذًا مساعدًا في التواصل السياسي ضمن برنامج دراسات الخليج في جامعة قطر، ولديه بحوث تركّز على قضايا الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة ليستر البريطانية، وشهادات عليا من جامعات أميركية وأوروبية.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق