مراكز البيانات الأميركية.. من يتحمل تكاليف استهلاكها المتزايد للكهرباء؟ (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- طفرة الذكاء الاصطناعي في أميركا تتحول إلى قصة مؤثّرة في قطاع الكهرباء
- الولايات تنظر في تعرفات مخصصة للأحمال الكبيرة وفئات عملاء منفصلة وحدّ أدنى للدفعات
- شركات التكنولوجيا لا تستطيع بشكل مستقل تحديد تعرفات المرافق أو توسيع الشبكات الإقليمية
- يمكن لشركات التكنولوجيا توقيع عقود طويلة الأجل لدعم مشروعات الطاقة النووية المتقدمة
بالنظر إلى التوقعات بشأن انتشار وتوسع مراكز البيانات في الولايات المتحدة، يعمل المشرّعون والشركات على تسليط الضوء على من يتحمل تكاليف استهلاكها المتزايد من الكهرباء.
وتتحول طفرة الذكاء الاصطناعي في أميركا إلى قصة مؤثّرة في قطاع الكهرباء، ويتوقع مركز أبحاث بلومبرغ إن إي إف (BloombergNEF) أن تستحوذ مراكز البيانات على ما يقارب خُمس استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2035، ارتفاعًا من 5.9% حاليًا.
من ناحيته، يتوقع بنك غولدمان ساكس (Goldman Sachs) أن يرتفع الطلب عليها من نحو 31 غيغاواط في عام 2025 إلى 66 غيغاواط بحلول عام 2027، مدفوعًا بشكل كبير بتدريب الذكاء الاصطناعي واستنتاجاته.
ويُمهّد هذا التوسع للاستثمار والابتكار والإيرادات الضريبية، ويطرح سؤالًا جوهريًا: من يتحمل تكاليف نظام الكهرباء الذي يدعمه، وقد تقوم شركات الكهرباء ببناء محطات وخطوط ومحطات فرعية قبل سنوات من بدء مراكز البيانات بدفع الفواتير.
تكاليف تشغيل مراكز البيانات في الولايات المتحدة
في حال إلغاء المشروعات أو تأخيرها أو تقليص حجمها عن المتوقع، قد تتحمل الأسر والشركات الصغيرة تكاليف تشغيل مراكز البيانات في الولايات المتحدة.
ويستجيب صنّاع السياسات من خلال قانون حماية دافعي الضرائب المدعوم من الحزبين، وتعهُّد إدارة ترمب الموسّع بحماية مستهلكي الكهرباء.
وكلاهما يستند إلى مبدأ بسيط: يجب على الشركات التي تخلق طلبًا استثنائيًا أن تموّل البنية التحتية التي تحتاج إليها بدلًا من نقل العبء إلى المستهلكين العاديين.

قانون حماية دافعي الضرائب (المدعوم من الحزبين)
حظي قانون حماية دافعي الضرائب، إتش آر 9340 (H.R. 9340)، بموافقة بالإجماع (52 صوتًا مقابل لا شيء) في لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب في يوليو/تموز 2026.
وينص القانون على تعديل المادة 111(د) من قانون سياسات تنظيم المرافق العامة، ويُلزم هيئات تنظيم المرافق العامة في الولايات بالنظر في معايير تضمن تغطية عملاء الأحمال الكبيرة، خصوصًا مراكز البيانات، للتكاليف الإضافية للبنية التحتية لتوليد ونقل وتوزيع الكهرباء اللازمة لخدمتهم.
وفي الوقت نفسه، يدعو القانون إلى تقديم ضمانات مالية لحماية شركات المرافق وعملائها من المشروعات المهجورة أو تكاليف البنية التحتية غير المدفوعة.
وبدعم من النواب بريت غوثري، وبوب لاتا، وغاب إيفانز، لا يفرض القانون تعرفة وطنية موحدة.
بدلًا من ذلك، تنظر الولايات في تعرفات مخصصة للأحمال الكبيرة، وفئات عملاء منفصلة، وحدّ أدنى للدفعات، ومتطلبات ضمانات.
بهذا حافظ على سلطة الولايات مع إدراج تكاليف مراكز البيانات على جداول الأعمال التنظيمية على مستوى البلاد.
وتُعدّ هذه المرونة مفيدة سياسيًا، لكنها تحدّ من قوة القانون، إذ يجب على الهيئات النظر في المعايير، لا اعتمادها.
وقد تحمي بعض الولايات المستهلكين بشكل صارم، في حين تقدّم ولايات أخرى شروطًا مواتية لجذب الاستثمار. ويُظهر قانون حماية مستهلكي مراكز البيانات في ولاية أوكلاهوما زخمًا مماثلًا على مستوى الولايات، واحتمال اتّباع نهج وطني مجزأ.
تعهُّد ترمب بحماية دافعي الضرائب وتوسيع نطاقه
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعهُّد حماية دافعي الضرائب في مارس/آذار 2026 بالتعاون مع شركات تكنولوجيا المعلومات أمازون، وغوغل، وميتا، ومايكروسوفت، وأوبن إيه آي، وأوراكل، وإكس إيه آي.
والتزمت هذه الشركات ببناء أو توفير أو شراء الكهرباء الإضافية التي تحتاج إليها مراكز بياناتها، ودفع تكاليف البنية التحتية اللازمة للربط، والتفاوض على هياكل تسعير منفصلة.
ووافقت الشركات على دفع تكاليف الكهرباء والبنية التحتية المخصصة حتى لو لم تستعمل كامل قدرتها، ما يقلل من مخاطر تحميل هذه التكاليف على عملاء آخرين.
وبحلول يوليو/تموز الجاري، وسّعت الإدارة نطاق التعهد ليشمل ما يقرب من 200 مشارك، من بينهم 23 حاكم ولاية، وشركات مرافق رئيسة، ومطورو مراكز بيانات مثل إكوينكس وديجيتال ريالتي، وجهات معنية أخرى في القطاع.
ويقرّ هذا التحالف الأوسع بأن شركات التكنولوجيا لا تستطيع بشكل مستقل تحديد تعرفات المرافق أو توسيع الشبكات الإقليمية.
بالمثل، يتطلب التنفيذ تعاونًا بين المطورين، وشركات المرافق، والهيئات التنظيمية الحكومية، وحكام الولايات، ومنتجي الكهرباء، ومشغّلي الشبكات.
ويخدم هذا التوسع 3 أهداف: الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال ضمان إمدادات كهربائية موثوقة، ومنع مراكز البيانات من زيادة فواتير المنازل، وحشد رؤوس الأموال الخاصة لتوليد ونقل الكهرباء بعد عقدين من النمو المحدود للطلب.
ويستجيب هذا التعهد للمعارضة المحلية، حيث تربط المجتمعات بشكل متزايد مراكز البيانات بفواتير أعلى، واستهلاك كبير للمياه، وضوضاء، ومطالبات بالأراضي، وفرص عمل دائمة قليلة نسبيًا.
وقد يسهم وعد شركات التكنولوجيا بتغطية تكاليف البنية التحتية في تخفيف الدعوات إلى تعليق التوسع دون إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي.

الفرص والتحديات ووجهات نظر أصحاب المصلحة
يمكن للاستثمار في مراكز البيانات أن يدعم أعمال البناء، والإيرادات الضريبية المحلية، وتحديث شبكة الكهرباء.
ويمكن لشركات التكنولوجيا توقيع عقود طويلة الأجل لدعم مشروعات الطاقة النووية المتقدمة، والغاز الطبيعي، وتخزين الكهرباء بالبطاريات، والطاقة المتجددة، ونقل الكهرباء.
ويمكن للاستثمارات المصممة بشكل سليم أن تضيف سعةً تخدم مراكز البيانات وشبكة الكهرباء على حدّ سواء.
وتوفر مراكز البيانات في الولايات المتحدة مرونةً من خلال نقل بعض عمليات الحوسبة بعيدًا عن أوقات الذروة.
ويمكن للبطاريات والأنظمة الاحتياطية دعم الشبكة في أثناء حالات الطوارئ، لكن هذه الفوائد تتطلب اتفاقيات قابلة للتنفيذ، لا مجرد وعود عامة من الشركات.
وتتمثل أبرز نقاط الضعف المباشرة في قابلية التنفيذ، فالتعهد طوعي ويعتمد على مفاوضات حسنة النية بين الشركات، وشركات المرافق، وسلطات الولايات.
ويشترط قانون حماية دافعي الضرائب النظر في المعايير، لكنه لا يضمن اعتمادها.
ولذلك، يرى باحثو معهد بروكينغز (Brookings) أن الحماية الفعالة تتطلب قوانين تعرفات ملزمة، ودراسات تكلفة شفافة، ورقابة عامة، وآليات إنفاذ.
ويُعدّ نظام الكهرباء المجزأ في أميركا عقبةً أخرى، إذ تشرف الهيئات التنظيمية الفيدرالية على نقل الكهرباء بين الولايات وأسواق الجملة، في حين تنظم لجان الولايات معظم أسعار التجزئة.
في غضون ذلك، تتفاوت مسؤوليات شركات المرافق البلدية والتعاونيات وشركات المرافق الخاصة ومشغّلي الشبكات الإقليمية، ما يُصعّب عملية توزيع التكاليف بشكل موحد.
ومن بين الشواغل هيكل الحوافز الذي تواجهه شركات المرافق، فغالبًا ما تجني شركات المرافق الخاضعة للتنظيم إيرادات من خلال بناء البنية التحتية، لذا قد يُشجع نمو الطلب على الإنفاق الرأسمالي حتى في ظل الغموض بشأن التوقعات.
ولذلك، يحتاج المدافعون عن حقوق المستهلك إلى الاطّلاع على العقود وتوقعات الطلب وافتراضات التكاليف قبل موافقة اللجان على الاستثمارات.
بدورها، تكتسب الشفافية أهمية بالغة لأن أيّ صفقة تُوصف بأنها ممولة من القطاع الخاص قد تُحمّل الأسر تكاليف النقل المشترك، أو سعة الطاقة الاحتياطية، أو إمدادات الوقود، أو الصيانة طويلة الأجل.
ويُعدّ التوقيت عاملًا بالغ الأهمية، إذ يُمكن تشغيل مركز بيانات في غضون عام أو عامين، في حين قد يستغرق إنشاء محطة توليد كهرباء رئيسة أو مشروع نقل كهرباء من 5 إلى 10 سنوات للحصول على التراخيص والتمويل والبناء.
وخلال هذه المدة، قد يعتمد المركز على القدرة الحالية، ما يزيد من الازدحام ويرفع الضغط على السعة وأسعار الكهرباء قبل توفر بنية تحتية مخصصة.
ويُعدّ حساب التكلفة الإجمالية لمركز البيانات في الولايات المتحدة أمرًا صعبًا، فقد تُخصص محطة فرعية لمنشأة واحدة، لكنّ ترقية شبكة النقل قد تُفيد العديد من العملاء.
ويتعين على الجهات التنظيمية فصل التكاليف الخاصة بكل مشروع عن فوائد الشبكة الأوسع، وتحديد الجهة التي تتحمل التكاليف عندما تحجز المشروعات المقترحة السعة دون أن تُنفذ.
وتُضيف اعتبارات الموثوقية والبيئة مزيدًا من التعقيد، فمراكز البيانات تتطلب كهرباء مستمرة وعالية الجودة، لذا لا يُمكن للطاقة المتجددة المتقطعة وحدها دعمها دون تخزين أو عقود مُلزمة أو أنظمة احتياطية قابلة للتشغيل عند الطلب.
ويُمكن لأنظمة التبريد أن تستنزف موارد المياه المحلية، في حين إن توليد الكهرباء الجديد من الوقود الأحفوري قد يزيد الانبعاثات أو يُؤخر إيقاف تشغيل المحطات.
ولذلك، يُعدّ الإفصاح العلني عن استعمال الكهرباء واستهلاك المياه والانبعاثات أمرًا ضروريًا.
من جانبه، يؤيد معهد كاتو (Cato Institute) مبدأ تحمُّل مراكز البيانات تكاليفها الخاصة، ولكنه يفضّل شبكات الكهرباء الممولة من القطاع الخاص وترتيبات الإمداد المباشر للأحمال الكبيرة.
ومن شأن هذه النماذج أن تقلل من الدعم المتبادل وتختصر مدة التطوير.
من ناحية ثانية، ستظل الشبكات الخاصة بحاجة إلى معايير تتعلق بالموثوقية والبيئة واستعمال الأراضي وحماية المستهلك، لا سيما عند اتصالها بالشبكة العامة أو اعتمادها عليها.

التقييم وخيارات السياسة العملية
يمثّل القانون والتعهد استجابات عملية لفرص ومخاطر الذكاء الاصطناعي، وهما يُقرّان بأن مراكز البيانات قادرة على دعم النمو، مع فرض تكاليف باهظة على شبكات الكهرباء والمجتمعات المضيفة.
رغم ذلك فإنهما، في الوقت الراهن، ما يزالان إطارين عمليين، وليسا ضمانات راسخة.
وتتطلب الحماية الفعّالة تعرفات قابلة للتنفيذ للأحمال الكبيرة ودراسات تكلفة شفافة.
وينبغي على المشغّلين ضمان ترقيات قابلة للتحديد، والالتزام بشروط الدفع، والإفصاح عن العقود ذات الصلة. ويمكن للتحقق المستقل أن يمنع شركات المرافق من تحميل الأسر تكاليف باهظة، وينبغي على الجهات التنظيمية اختبار توقعات الطلب قبل الموافقة على الاستثمارات الكبرى.
ويمكن لبرامج الاستجابة للطلب أن تُمكّن مراكز البيانات في الولايات المتحدة من خفض الاستهلاك خلال حالات الطوارئ في الشبكة، بينما يمكن لتوليد الكهرباء خلف العداد، والشبكات الصغيرة، والتخزين، ومحطات الكهرباء الافتراضية أن تحدّ من الضغط على البنية التحتية العامة.
ومن شأن معايير كفاءة استعمال المياه والتقارير العامة أن تساعد المجتمعات على تقييم المفاضلات البيئية. لذا، يجب على الوكالات الفيدرالية والجهات التنظيمية الحكومية وشركات المرافق ومشغّلي الشبكة تنسيق مراجعات الربط البيني لضمان عدم احتساب الحمل المقترح نفسه بشكل متكرر في التوقعات الإقليمية.
ولن تتمكن هذه المبادرات من منع انتشار تكاليف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع إلّا إذا تحولت الالتزامات الطوعية إلى قوانين ملزمة وشفافة على مستوى الولايات.
وينبغي قياس نجاحها بمدى قدرتها على توفير كهرباء موثوقة لمراكز البيانات، وحماية القدرة الشرائية للأسر، ودعم القدرة التنافسية التكنولوجية للولايات المتحدة دون تحميل المجتمعات المحلية أعباء مالية أو بيئية مفرطة.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- 74 محطة كهرباء تغذّي مراكز البيانات الأميركية تعادل انبعاثات دولة كاملة
- استثمارات مراكز البيانات في خلايا الوقود قد تقفز 10 مرات (تقرير)
- كهرباء مراكز البيانات.. 3 عوامل رئيسة تؤثر في توفيرها (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع الطاقة
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن قطاع الطاقة الشمسية في الدول العربية





